«البندقية 83».. أفلام «الأسد الذهبي» تتسلح بالحب والسياسة والذاكرة
منذ أن فتحت البندقية أبوابها للدورة الـ83 من مهرجانها السينمائي الدولي الأعرق في العالم، بدا واضحاً أن المنافسة على جائزته المرموقة «الأسد الذهبي» لن تكون مجرد استعراض لأسماء كبيرة ونجوم عالميين على السجادة الحمراء، بل مواجهة سينمائية بين أفلام منشغلة بأسئلة السلطة والذاكرة والحب والهوية والعنف السياسي، وأخرى تحاول الاقتراب من الإنسان في أكثر حالاته هشاشة وتناقضاً.
المهرجان، الذي تستمر فعالياته حتى 12 سبتمبر الجاري، يضم في مسابقته الرسمية 21 فيلماً دولياً، جميعها من عروض العالم الأولى، في تشكيلة تجمع أسماء راسخة في سينما المؤلف مع تجارب أكثر تجريبية، وأعمال تنتمي إلى تيارات سينمائية مختلفة.
وبعد الأيام الأولى، بدأت ملامح المنافسة تتضح تدريجياً، مع حضور قوي لأفلام تتعامل مع الماضي بوصفه مرآة للحاضر، وتعيد النظر في العلاقة بين الفرد والمؤسسة والسلطة والإعلام، فيما تحضر العلاقات الإنسانية والعاطفة، بوصفها مساحة أخرى للصراع.
سياسي إعلامي
اختار المهرجان أن يبدأ مسابقته بفيلم «Ink» للمخرج البريطاني، داني بويل، وهو عمل يستعيد السنوات الأولى لصعود قطب الإعلام، روبرت مردوخ، في معالجة درامية تضع صناعة الإعلام والطموح والسلطة في قلب الحكاية.
الفيلم الذي يؤدي بطولته غاي بيرس، وجاك أوكونيل، وكلير فوي، ينسجم مع واحدة من السمات اللافتة في دورة هذا العام وهي الاهتمام بالشخصيات التي لا تكتفي بممارسة النفوذ، وإنما تصنع منظومات كاملة من حولها. وبهذا المعنى لا تبدو الصحافة والإعلام في «Ink» مجرد خلفية للأحداث، بل قوة قادرة على التأثير في المجتمع والسياسة وصناعة الرأي العام.
لكن الحضور السياسي في البندقية لا يتوقف عند الإعلام، فمنذ الساعات الأولى، وجد المهرجان نفسه في قلب نقاشات تتجاوز الأفلام نفسها، خصوصاً مع تأكيد رئيسة لجنة التحكيم، المخرجة والممثلة الأميركية، ماغي جيلنهال، أن السينما لا تستطيع الادعاء بأنها منفصلة تماماً عن السياسة، وأن القصص التي تختارها الأفلام وطريقة تقديمها للعالم تحمل بالضرورة موقفاً أو رؤية.
الكوميديا السوداء
ومن أكثر أفلام الأيام الأولى إثارة للاهتمام «Wild Horse Nine - تسعة أحصنة برية»» للمخرج مارتن ماكدونا، الذي يعود إلى المنافسة بفيلم يمزج الكوميديا السوداء بالدراما السياسية والتاريخية.
تدور الأحداث قبيل انقلاب تشيلي عام 1973، حين يُرسل عميلان من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية إلى جزيرة القيامة، لتتشابك مهمتهما مع أسئلة الذنب والسلطة والذاكرة والعمليات السرية، ويقود البطولة جون مالكوفيتش، وسام روكويل، إلى جانب باركر بوسي، وستيف بوشيمي.
الفيلم حصد استقبالاً حافلاً في عرضه الأول، مع تصفيق طويل تجاوز 13 دقيقة، في واحدة من أقوى الاستقبالات الجماهيرية التي شهدتها الأيام الأولى للمهرجان.
ولا يستعمل ماكدونا التاريخ بوصفه مادة أرشيفية جامدة، بل يحوله إلى مساحة للسخرية السوداء ومساءلة السلطة، وهذه إحدى النقاط التي تجعل الفيلم أكثر من مجرد عمل تاريخي، فهو ينظر إلى الماضي باعتباره امتداداً لأسئلة سياسية لاتزال حاضرة اليوم.
النفس البشرية
في المقابل، جاءت بعض أفلام المسابقة لتخفف من صخب السياسة، وتعيد الكاميرا إلى المساحات الداخلية للشخصيات، ومن أبرز هذه الأعمال «Succederà questa notte- سيحدث هذا الليلة» للمخرج الإيطالي الشهير، ناني موريتي، الذي عاد إلى مهرجان البندقية بعد غياب طويل، ليقدم هذه المرة فيلماً أكثر قرباً من العلاقات العاطفية وتعقيدات الحب، بعيداً عن النبرة السياسية المباشرة التي ميّزت بعض أعماله السابقة.
الفيلم من بطولة لويس غاريل، وجاسمين ترينكا، وتدور مساحته الدرامية حول العلاقات الإنسانية وما تحمله من التباسات ومفارقات، وتكتسب مشاركة موريتي أهمية خاصة، إذ يُمثّل ظهوره في المسابقة عودة إلى المهرجان بعد عقود من آخر مشاركة له، في محطة تمنح الفيلم بُعداً شخصياً إلى جانب قيمته السينمائية.
ويأتي الفيلم الإيطالي في لحظة تبدو المسابقة كأنها تتحرك بين قطبين: أفلام تنظر إلى العالم الخارجي بكل صراعاته السياسية، وأخرى تبحث في عالم الإنسان الداخلي، حيث الحب والغيرة والخوف والوحدة والرغبة في إعادة بناء العلاقات.
الحقيقة تتحول إلى عرض
ومن الأعمال التي لفتت الانتباه في الأيام الأولى أيضاً فيلم «Primetime- وقت الذروة» للمخرج الأميركي، لانسه أوبنهايم، من بطولة روبرت باتينسون، الذي يضع عالم التلفزيون الاستعراضي والبحث عن الإثارة في مواجهة الأسئلة الأخلاقية المتعلقة بالشهرة والمشاهدة والاستغلال.
الفيلم مستوحى من عالم برامج «الجريمة الحقيقية» والتلفزيون القائم على اصطياد المشاهدين عبر الصدمة، ويقدم شخصية إعلامية تقترب من نموذج مقدم برامج التحقيقات التلفزيونية، قبل أن تبدأ الحدود بين الصحافة والاستعراض والانهيار الشخصي في التلاشي، واختار باتينسون أداء شخصية شديدة التعقيد، بينما تشارك المغنية فيبي بريدجرز في أول تجربة تمثيلية لها.
نجوم يصنعون المشهد الموازي
ظهور ليام ونويل غالاغر حظي باهتمام جماهيري كبير. رويترز
لا يكتمل المشهد الفينيسي من دون البرامج الموازية، ففي الأيام الأولى استقطب العرض خارج المسابقة للفيلم الوثائقي «أواسيس: لا تنظر إلى الوراء بغضب» اهتماماً جماهيرياً كبيراً، مع وصول ليام ونويل غالاغر إلى المهرجان، للاحتفاء بفيلم يرصد عودة فرقة «أواسيس» إلى المسرح ورحلة المصالحة بين الشقيقين.
كما يحضر المهرجان هذا العام بوصفه منصة مهمة للموسم السينمائي المقبل، خصوصاً أنه أثبت قدرته على إطلاق أفلام ومواهب سرعان ما تنتقل إلى الجوائز العالمية.
ما وراء الصورة
جاسمين ترينكا بطلة فيلم «سيحدث هذه الليلة». رويترز
بعد الأيام الأولى، يصعب اختزال «البندقية 83» في فيلم واحد أو نجم واحد، فالصورة التي تتشكّل تدريجياً أكثر تعقيداً: إعلام وسلطة في «Ink»، تلاعب بالحقيقة في «Primetime»، تاريخ سياسي وذاكرة في «Wild Horse Nine» و«Ritorno a Buenos Aires»، وأسئلة الحب في فيلم «Succederà questa notte - سيحدث الليلة»، ما يمنح المسابقة الرسمية طابعاً جامعاً، رغم اختلاف لغاتها وأساليبها، فمعظم الأفلام البارزة تبدو مشغولة بما يحدث عندما يصطدم الإنسان بمنظومة أكبر منه.