الفيلم يستخدم لقطات أرشيفية أصلية ملوّنة لإنزال النورماندي بدل الاعتماد الكامل على إعادة التصوير التقليدية. إي.بي إيه

«Pressure».. عندما تُحسم الحرب في غرفة صغيرة وليس على جبهات القتال

في موسم سينمائي يزدحم بأفلام الحروب والسير الذاتية، يصل فيلم «الضغط -Pressure» ليتصدر أفلام 2026، وليقدم زاوية مختلفة تماماً عن واحدة من أكثر اللحظات حساسية في التاريخ الحديث: الساعات الأخيرة قبل إنزال النورماندي.

الفيلم الذي يُعرض تزامناً مع الذكرى الـ82 لعملية الإنزال العسكرية الشهيرة، لا يذهب إلى ساحات المعارك المشتعلة أو الجنود الذين اقتحموا الشواطئ، بل يتجه إلى غرف القيادة المغلقة، حيث كان قرار واحد قادراً على تغيير مسار الحرب العالمية الثانية بأكملها.

الفيلم لا يقدّم مجرد إعادة قراءة للتاريخ، بل تذكير بأن الحروب لا تُحسم دائماً في ساحات القتال، بل أحياناً داخل غرفة صغيرة صامتة يجلس فيها رجل يحمل خريطة طقس وجرأة قول ما لا يريد أحد سماعه.

العمل مستوحى من المسرحية الشهيرة للكاتب والممثل الأسكتلندي ديفيد هيغ، ويروي القصة الحقيقية لعالم الأرصاد الجوية جيمس ستاغ، الرجل الذي واجه قادة الحلفاء وفي مقدمتهم الجنرال دوايت أيزنهاور، محذراً من أن الأحوال الجوية الكارثية قد تحول عملية الإنزال إلى مجزرة بحرية. المفارقة أن ستاغ نفسه لم يكن يمتلك يقيناً مطلقاً، لكنه اضطر إلى تحمل مسؤولية قرار قد يحدد مصير أوروبا.

المخرج الأسترالي، أنتوني ماراس، المعروف بفيلمه «Hotel Mumbai - فندق مومباي»، يتعامل مع المادة التاريخية بأسلوب يعتمد على التوتر النفسي أكثر من الاستعراض العسكري. فالفيلم يتحول تدريجياً إلى مواجهة بين العلم والسلطة، والحدس العسكري والحقائق المناخية، ليكشف كيف يمكن لتوقعات الطقس أن تصبح سلاحاً استراتيجياً لا يقل أهمية عن الجيوش والأسلحة.

ويحمل الفيلم عنصر جذب إضافياً عبر اختيار بريندان فريزر لتجسيد شخصية أيزنهاور. الفائز بالأوسكار عن دوره في فيلم «The Whale - الحوت»، قال إنه لم يكن يتصور نفسه يوماً في دور القائد العسكري الشهير، لكنه غيّر نظرته بعد قراءة السيناريو، معتبراً أن أيزنهاور لم يكن مجرد رمز تاريخي صارم، بل إنسان عادي يحمل فوق كتفيه عبئاً هائلاً، لهذا السبب خضع فريزر لتحضيرات مكثفة شملت قراءة السير الذاتية والخطب العسكرية والاستماع إلى تسجيلات أرشيفية لفهم شخصية الرجل الذي اتخذ القرار النهائي ببدء العملية.

وفي المقابل، يقدم أندرو سكوت، نجم «Ripley» و«Fleabag»، أداء مختلفاً تماماً في شخصية جيمس ستاغ. سكوت ركز على الجانب الداخلي للشخصية أكثر من التشابه الخارجي، مقدّماً رجلاً بارداً، حاد الطباع، وغير مهتم بأن يكون محبوباً. هذا التوتر الداخلي يتحول إلى القلب الحقيقي للفيلم، خصوصاً مع شعور ستاغ بأنه الشخص الوحيد المستعد لقول الحقيقة في غرفة مليئة بالجنرالات والسياسيين الذين يريدون سماع أخبار أفضل.

ومن أبرز الإضافات الجديدة التي كشفها صناع العمل، أن الفيلم يستخدم لقطات أرشيفية أصلية ملوّنة لإنزال النورماندي بدل الاعتماد الكامل على إعادة التصوير التقليدية. ماراس أوضح أنه استلهم الفكرة من الوثائقي الشهير «They Shall Not Grow Old» للمخرج بيتر جاكسون، معتبراً أن الأرشيف الحقيقي يمنح المشاهد إحساساً بأن الحدث يحدث الآن وليس مجرد ذكرى تاريخية بعيدة.

كما أكد ماراس أن «Pressure» ليس فيلم حرب تقليدياً، بل دراسة عن القيادة واتخاذ القرار في أوقات الأزمات. وبالنسبة له، تكمن قوة القصة في أنها تعكس عالم اليوم أيضاً، حيث غالباً ما يصطدم العلم بالمصالح السياسية، ويصبح السؤال الأهم: هل يمتلك القادة الشجاعة للاستماع إلى الخبراء حتى عندما لا تعجبهم الإجابة؟

ويخلق السيناريو صداماً درامياً ذكياً بين مدرستين في قراءة الطقس. هناك الخبير الأميركي إيرفينغ كريك، الذي يؤديه كريس ميسينا بثقة واستعراض واضحين، ويؤكد أن الخامس من يونيو 1944 سيكون مثالياً للإنزال اعتماداً على الأنماط الجوية التقليدية. وفي الجهة المقابلة يقف ستاغ، الرافض للاعتماد على التوقعات السهلة، والمصر على جمع البيانات من كل محطة أرصاد وبالون جوي ضمن آلاف الكيلومترات. وبالنسبة له، التاريخ لا يكفي، والطبيعة أكثر فوضوية مما يتخيله العسكريون.

هذا الصراع بين الحدس العلمي والثقة السياسية يمنح الفيلم توتره الحقيقي، فبينما يريد القادة العسكريون بدء العملية بأي ثمن، يواصل ستاغ تحذيرهم من عاصفتين قادمتين قد تحولان الإنزال إلى مذبحة.

ويختتم الفيلم واحدة من أكثر القصص دلالة في تاريخ الحرب، حين سأل الرئيس الأميركي جون كينيدي أيزنهاور لاحقاً عن السر الحقيقي وراء نجاح إنزال النورماندي، فجاء الرد بسيطاً وحاسماً: «كان لدينا خبراء أرصاد أفضل من الألمان».

الأكثر مشاركة