مهرجان «كان» يكافئ السينما الفكرية بـ «سعفته الذهبية»»

شهدت الدورة 79 من مهرجان «كان» السينمائي، الذي اختتم فعالياته، أمس، توجهاً واضحاً نحو الأفلام ذات الطابع السياسي والاجتماعي الحاد، وهو ما انعكس بوضوح في اختيارات لجنة التحكيم، برئاسة بارك تشان ووك، التي منحت «السعفة الذهبية» للمخرج الروماني، كريستيان مونجيو، عن فيلمه «فيورد»، أو «الخليج العميق»، في خطوة اعتبرها نقاد تأكيداً على استمرار المهرجان في مكافأة السينما الفكرية ذات البعد السياسي والنفسي المعقد.

ويُعد فوز مونجيو بـ«السعفة الذهبية» للمرة الثانية في مسيرته حدثاً لافتاً، إذ سبق أن نال الجائزة نفسها عام 2007 عن فيلمه الشهير«4 أشهر و3 أسابيع ويومان» الذي تناول الحياة في رومانيا الشيوعية خلال حقبة نيكولاي تشاوشيسكو، وبهذا الإنجاز ينضم مونجيو إلى قائمة محدودة من المخرجين الذين فازوا بالسعفة أكثر من مرة، ما يعزز مكانته كأحد أبرز رموز السينما الأوروبية المعاصرة.

ويطرح فيلم «فيورد» رؤية نقدية حادة للاستقطاب الأيديولوجي في أوروبا الشمالية، حيث تدور أحداثه في إحدى المناطق النرويجية المعزولة، التي تتحول إلى ساحة صراع فكري واجتماعي بين تيارات سياسية متشددة، وقد أثار الفيلم نقاشاً واسعاً بسبب تناول مونجيو لما وصفه بـ«الأصولية اليسارية»، وهو مصطلح استخدمه للإشارة إلى تحولات بعض الحركات التقدمية نحو التشدد الإقصائي، بحسب قراءته، ورأى نقاد أن الفيلم لا يهاجم تياراً بعينه بقدر ما يحذر من التطرف الفكري بجميع أشكاله، وهو موضوع يتقاطع مع المناخ السياسي المتوتر الذي تعيشه أوروبا حالياً، في ظل تصاعد الشعبوية والجدل حول الهجرة والهوية والحريات الثقافية.

أما الجائزة الكبرى، ثانية أهم جوائز المهرجان، فذهبت إلى المخرج الروسي، أندريه زفياجينتسيف، عن فيلم «مينوتور»، وهو عمل يحمل أبعاداً رمزية واضحة مستوحاة من أسطورة «ثور مينوس» في الميثولوجيا الإغريقية، ويواصل زفياجينتسيف، المعروف بأعماله الناقدة للمجتمع الروسي، تقديم سينما سوداوية تركز على الانهيار الأخلاقي والاجتماعي داخل روسيا المعاصرة.

وفي فئة الإخراج، جاء قرار منح الجائزة مناصفة ليعكس تنوعاً أسلوبياً واضحاً، فقد فاز الثنائي الإسباني، خافيير كالفو وخافيير أمبروسي، عن فيلم «الكرة السوداء»، المعروف بطابعه النفسي القاتم، بينما تقاسمها معهما المخرج البولندي بافيل بافليكوفسكي عن فيلم «الوطن الأم»، ويُعرف بافليكوفسكي بأسلوبه البصري التأملي، وقد سبق أن حقق نجاحاً عالمياً بفيلم «Ida» الحائز على الأوسكار.

ويستند «الوطن الأم» إلى رحلة تقوم بها عائلة الكاتب الألماني الشهير توماس مان، وابنته إريكا مان، في ألمانيا المدمرة بعد الحرب العالمية الثانية عام 1949، حيث يستعيد الفيلم أسئلة الذنب الجماعي وإعادة بناء الهوية الألمانية بعد سقوط النازية، وقد أشاد النقاد بالأداء الذي قدمته الممثلة، ساندرا هولر، التي تواصل ترسيخ حضورها العالمي بعد النجاح الكبير الذي حققته في السنوات الأخيرة.

وفي جوائز التمثيل، حظي فيلم «الجبان»، للمخرج البلجيكي لوكاس دونت، باهتمام خاص بسبب موضوعه الإنساني الحساس، في معالجة تجمع بين المأساة الإنسانية وقسوة الحروب، ونال بطلا الفيلم، إيمانويل ماكيا وفالنتين كامباني، جائزة «أفضل ممثل»، وسط إشادة واسعة بالكيمياء العاطفية بينهما وقدرتهما على تقديم علاقة إنسانية معقدة في سياق تاريخي عنيف.

أما جائزة «أفضل ممثلة» فذهبت مناصفة إلى فيرجيني إيفيرا وتاو أوكاموتو عن فيلم «فجأة»، للمخرج الياباني ريوسوكي هاماجوتشي، الذي يواصل بدوره تكريس أسلوبه القائم على الدراما الهادئة والحوار العميق والعلاقات الإنسانية الدقيقة.

ومن خلال النتائج النهائية، بدا واضحاً أن المهرجان هذا العام مال إلى تكريم الأعمال التي تناقش الأزمات الوجودية والسياسية المعاصرة، بعيداً عن السينما التجارية أو الاستعراضية، كما لاحظ نقاد أن السينما الأوروبية، خصوصاً القادمة من شرق أوروبا، استعادت حضوراً قوياً في المسابقة الرسمية، في وقت تراجعت نسبياً هيمنة الإنتاجات الأمريكية الكبرى.

ويرى متابعون أن اختيارات الجوائز تعكس أيضاً توجهاً متزايداً داخل السينما العالمية نحو معالجة قضايا الهوية والانقسام السياسي والحروب والذاكرة التاريخية، وهي موضوعات أصبحت تفرض نفسها بقوة على الإنتاج السينمائي الدولي منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا وتصاعد التوترات السياسية في أوروبا والعالم.

• كريستيان مونجيو يتوَّج للمرة الثانية في مسيرته عن فيلمه «فيورد

• ثانية أهم جوائز المهرجان ذهبت إلى المخرج الروسي أندريه زفياجينتسيف عن فيلم «مينوتور».

 

الأكثر مشاركة