المخرج الإسباني بيدرو ألمودوفار وبطلا فيلمه «عيد ميلاد مرير». أ.ف.ب

أفلام مهرجان «كان» 2026.. تهجر السياسة والشعارات لمصلحة قضايا الإنسان المنهك

في الدورة التي اختتمت أخيراً من مهرجان «كان» السينمائي، لا تبدو السياسة غائبة عن الشاشة، لكنها لم تعد تُقدَّم بالطريقة التقليدية التي اعتادتها سينما المهرجانات لعقود، لم تعد الأفلام تعتمد على الخطب المباشرة، أو السرد الأيديولوجي الواضح، أو الشخصيات التي تمثل مواقف سياسية صلبة بقدر ما أصبحت السياسة تُرى، عبر آثارها، على الأفراد: الخوف، والوحدة، والذاكرة، والقلق، والمنفى الداخلي.

هذا التحول يعكس تغيراً أعمق في شكل السينما السياسية نفسها، فالمخرجون اليوم أقل اهتماماً بإقناع الجمهور بموقف فكري مباشر، وأكثر انشغالاً بجعل المتفرج يعيش التجربة الإنسانية الناتجة عن هذا الواقع المضطرب.

في الدورة الأخيرة من مهرجان «كان» السينمائي، يبدو أن السينما العالمية تتخلى تدريجياً عن صورة البطل التقليدي لمصلحة شخصية أخرى أكثر هشاشة وواقعية: الإنسان المُرهَق أو المُنهك، هذه السمة تتكرر بشكل لافت في أبرز أفلام المسابقة الرسمية.

السياسة بصوت منخفض

أفلام مهرجان «كان» السينمائي هذا العام تبدو أقل اهتماماً بالشعارات، وأكثر انشغالاً بما تتركه تلك التحولات داخل الإنسان، هذا التحول لا يعني غياب السياسة، بل تغيّر لغتها، كأن السينما العالمية فقدت ثقتها بالإجابات الكبرى، وأصبحت ترى أن فهم العالم يبدأ من التفاصيل الصغيرة والهشاشة الفردية.

يبرز هذا التوجه بوضوح في «عيد ميلاد مرير»، للمخرج الإسباني بيدرو ألمودوفار، الذي يعود مجدداً إلى عالمه المفضل: الذاكرة، والفقد، والعلاقات الإنسانية المعقدة، والنساء اللواتي يحملن أعباء عاطفية ثقيلة.

الفيلم، الذي تدور أحداثه خلال أجواء عيد الميلاد، لا يقدم أزمة سياسية أو حدثاً اجتماعياً مباشراً، لكنه يغوص في الحزن الشخصي بوصفه انعكاساً لعالم فقد قدرته على الطمأنينة.

شخصيات ألمودوفار تبدو متعبة من الماضي، خائفة من الحاضر، وعاجزة عن الوصول إلى يقين عاطفي حقيقي، السياسة هنا لا تُقال، لكنها حاضرة في الخلفية النفسية للشخصيات، وفي الإحساس المستمر بالوحدة والانكسار. لطالما كانت سينما ألمودوفار مشغولة بالألم الإنساني، لكن أفلامه الأخيرة تبدو أكثر ميلاً إلى التأمل في الشيخوخة والندم والإنهاك الداخلي.

قلق الحياة اليومية

الأمر نفسه يظهر في «Fjord- الخليج العميق»، للمخرج الروماني كريستيان مونجيو، أحد أهم ممثلي السينما الأوروبية الواقعية المعاصرة. مونجيو، المعروف بأفلامه التي تكشف البنية الاجتماعية والسياسية عبر تفاصيل الحياة اليومية، يواصل هنا اهتمامه بالشخصيات المحاصرة أخلاقياً ونفسياً داخل أنظمة قاسية أو علاقات مضطربة.

ما يميز سينما مونجيو دائماً أنه لا يقدّم السلطة بشكل مباشر، بل يجعلها تُشعر المشاهد بثقلها عبر الصمت والتردد والخوف.

شخصيات بلا يقين

في «Paper Tiger- نمر من ورق»، للمخرج الأميركي جيمس جراي، يظهر نوع آخر من الإنهاك: شخصيات تبدو كأنها فقدت قدرتها على فهم العالم أو العثور على مكان ثابت داخله.

سينما جراي لطالما اهتمت بفكرة الضياع الأخلاقي والعائلي، لكنه هنا يقترب أكثر من الإحساس الجمعي بفقدان اليقين، وهو شعور يطبع كثيراً من أفلام الدورة الحالية.

لا أحد يملك إجابة واضحة، ولا توجد شخصيات قادرة على إنقاذ الواقع.

خارج الكادر

اللافت في أفلام هذه الدورة من المهرجان أن عدداً من الأفلام القادمة من مناطق النزاع أو المجتمعات المتأزمة تتجنب تصوير الحرب بشكل استعراضي، وتركز بدلاً من ذلك على آثارها النفسية الممتدة، الحرب في هذه الأفلام لا تظهر كحدث بطولي، بل كحالة مستمرة من الخوف والتشظي العاطفي، حتى عندما تكون المعارك خارج الكادر، فإن آثارها حاضرة داخل الشخصيات.

الأكثر مشاركة