هل تصمد المهرجانات أمام تغير مفاهيم الصناعة السينمائية عالمياً
بريق هوليوود يغيب عن شاشات مهرجان «كان».. صعود المنصات يُعيد تشكيل قواعد اللعبة
«كان » ظل على مدى عقود نقطة عبور لأي فيلم أميركي يسعى إلى ترسيخ مكانته قبل موسم الجوائز. أ.ف.ب
لم يعد السؤال الذي يفرض نفسه في الدورة الـ79 من مهرجان «كان» السينمائي يتعلق بهوية الأفلام المتنافسة فقط، أو بحظوظ هذا العمل أو ذاك في سباق السعفة الذهبية، بل يطفو سؤال مهم على مستويات كبيرة من النقاش: هل ما نراه مجرد تراجع مؤقت لهوليوود داخل أهم مهرجان سينمائي في العالم، أم أننا أمام إعادة تعريف كاملة لوظيفة المهرجان نفسه، داخل نظام سينمائي عالمي يتغير بسرعة غير مسبوقة؟
في مدينة «كان» الفرنسية، حيث اعتادت السينما أن تتحول إلى حدث كوني تتقاطع فيه الصناعة بالفن، يبدو المشهد هذا العام أقل صخباً من ناحية الحضور الأميركي التجاري الكبير، وأكثر ميلاً نحو أفلام تتعامل مع السينما بوصفها لغة فكرية وتجريبية، لا مجرد منتج ترفيهي ضخم. هذا التحول الظاهر ليس مجرد تغيير في البرمجة، بل انعكاس لاهتزاز أعمق في العلاقة التاريخية بين المهرجان وهوليوود، وهي علاقة كانت تقوم دائماً على شدّ وجذب دقيق بين حاجتين متناقضتين: حاجة «كان» إلى البريق العالمي، وحاجة هوليوود إلى الشرعية الفنية.
نقطة عبور إجبارية
على مدى عقود طويلة، لم يكن مهرجان «كان» مجرد منصة عرض، بل نقطة عبور إجبارية تقريباً لأي فيلم أميركي يسعى إلى ترسيخ مكانته النقدية قبل موسم الجوائز. وجود شركات مثل «Warner Bros»، و«Disney» و«Netflix» لم يكن تفصيلاً هامشياً، بل كان جزءاً من منطق الصناعة نفسه: عرض أول عالمي، وضجة إعلامية، ثم تحويل الفيلم إلى حدث ثقافي عابر للقارات، لكن هذا النموذج بدأ يتآكل تدريجياً مع تغيّر قواعد اللعبة السينمائية عالمياً.
أحد أهم التحولات الأساسية التي لا يمكن تجاهلها هو صعود منصات البث الرقمي التي لم تكتفِ بإعادة توزيع الجمهور، بل أعادت تعريف معنى السينما نفسها. فمع دخول كيانات عملاقة مثل Netflix وApple TV وAmazon» ،MGM «Studios» إلى ساحة الإنتاج، لم يعد الفيلم مرتبطاً حصرياً بقاعة العرض أو بموسم المهرجانات، بل أصبح جزءاً من تدفق رقمي مستمر تحكمه الخوارزميات وسلوك المشاهدة. هذا التحول خلق فجوة واضحة بين منطق المهرجانات التي تقوم على الاختيار والانتظار والتلقي الجماعي، ومنطق المنصات الذي يقوم على التوافر الفوري والاستهلاك الفردي السريع.
مسارات جديدة
وفي هذا السياق، يبدو أن حضور هوليوود داخل «كان» لم يعد ضرورة استراتيجية كما كان في السابق. فالأفلام التجارية الكبرى، خصوصاً تلك التي تعتمد على الامتيازات الضخمة والسلاسل الطويلة، باتت تجد مسارات أخرى أكثر مباشرة للوصول إلى الجمهور العالمي، دون الحاجة إلى المرور بالاختبار النقدي القاسي للمهرجانات. وهنا تحديداً يبدأ التراجع الظاهري في حضور الإنتاجات الكبيرة داخل «كان»، لكنه تراجُع يجب قراءته بحذر، لأنه لا يعني غياب القوة الأميركية بقدر ما يعني تغير أدواتها.
وفي المقابل، يستعيد المهرجان شيئاً من هويته التاريخية بوصفه مساحة لسينما المؤلف، أي السينما التي يطغى فيها صوت المخرج ورؤيته الجمالية على منطق السوق. وهذا النوع من السينما لم يغب يوماً عن «كان»، لكنه في بعض الدورات السابقة كان يبدو محاصراً بين ضجيج العروض التجارية والنجوم العالميين. اليوم، ومع انحسار نسبي لهذا الضجيج، تعود أفلام أكثر تجريباً وهدوءاً إلى الواجهة، أفلام تُراهن على العمق بدل الإبهار، وعلى السؤال بدل الإجابة.
وهذا لا يعني أن المشهد بات بسيطاً أو أحادي الاتجاه، فقراءة ما يحدث باعتباره انتصاراً لسينما المؤلف ستكون قراءة اختزالية، لأن المهرجان نفسه يعيش توتراً داخلياً حاداً بين هويته كمنصة فنية نخبوية، وحاجته الدائمة إلى الحفاظ على مكانته كحدث عالمي جماهيري. فغياب هوليوود الكامل أو شبه الكامل ليس دائماً علامة صحة فنية، كما أن حضورها الطاغي ليس دائماً علامة اختلال، بل إن التحدي الحقيقي يكمن في القدرة على الحفاظ على توازن هش بين الاثنين.
توزيع أدوار
الأمر الأكثر تعقيداً أن هذا التحول يحدث في لحظة تُعيد فيها السينما العالمية تعريف نفسها بالكامل، فالجمهور لم يعد كما كان، وسلوك المشاهدة تغير جذرياً، والحدود بين السينما والتلفزيون والمحتوى الرقمي أصبحت أكثر ضبابية من أي وقت مضى. وفي هذا المشهد، تصبح المهرجانات الكبرى مثل «كان» ليست فقط ساحات عرض، بل مختبرات لقياس ما تبقى من السينما بمعناها التقليدي.
من هنا يمكن فهم ما يبدو تراجعاً لهوليوود بوصفه - في الحقيقة - إعادة توزيع للأدوار داخل نظام سينمائي عالمي جديد، فالقوة الأميركية لم تختفِ، لكنها أعادت تموضعها خارج بعض فضاءات الاعتراف التقليدية. وفي المقابل، تحاول سينما المؤلف استعادة مساحة رمزية كانت مهددة بالانكماش، بينما يقف المهرجان نفسه في منطقة وسطى، يحاول أن يبقى مرجعاً فنياً دون أن يفقد تأثيره الإعلامي.
لحظة انتقالية
ما يجري داخل «كان» هذا العام لا يمكن اختزاله في ثنائية بسيطة بين صعود وتراجع، بل هو أقرب إلى لحظة انتقالية يعاد فيها تشكيل معنى السينما نفسها: هل تبقى فناً يُشاهَد في بطء وتأمُّل داخل قاعة مظلمة، أم تتحول بالكامل إلى مُنتَج رقمي سريع يخضع لمنطق الاستهلاك الفوري؟ وبين هذين النموذجين، يقف المهرجان كمساحة توتر لا تُقدّم إجابة بقدر ما تكشف عمق السؤال.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news