صدام بين جيلَي الصحافة الورقية وسطوة المنصات الرقمية
«الشيطان يرتدي برادا 2».. الأناقة مرآة قاسية لعالم السلطة والموضة
ميريل ستريب وآن هاثاواي في مواجهة الصحافة الورقية والرقمية. أرشيفية
لم يكن فيلم «The Devil Wears Prada - الشيطان يرتدي برادا» مجرد عمل سينمائي عن عالم الأزياء، بل لحظة ثقافية كاملة أعادت تعريف العلاقة بين الموضة والسلطة والعمل والطموح، ومنذ عرضه عام 2006، تحوّل الفيلم إلى أحد أبرز الأعمال التي تجاوزت إطار الكوميديا الدرامية ليصبح مرجعاً بصرياً ونقدياً لفهم صناعة الموضة من الداخل، وتأثيرها النفسي والمهني في العاملين فيها.
يعود فيلم «الشيطان يرتدي برادا 2» ليطرح سؤالاً يتجاوز فكرة الجزء الثاني بوصفه امتداداً تجارياً، نحو كونه إعادة تفكيك جذرية لبنية السلطة داخل الصناعة الثقافية نفسها. لم تعد مجلة «Runway» مجرد مساحة سردية للأزياء والنفوذ، بل تحوّلت في هذا الجزء إلى مختبر بصري وفكري يختبر صراعاً أكثر حدّة: إمبراطورية الذوق التقليدي في مواجهة منطق الخوارزمية، حيث تتآكل الحدود بين الصحافة، والبيانات، والهوية البصرية في عصر رقمي لا يمنح الاستقرار لأي سلطة رمزية.
يقدّم المخرج ديفيد فرانكل معالجة بصرية تتسم بالبرودة المقصودة والدقة الحداثية، كأنه يعيد بناء عالم ميراندا بريستلي «ميريل ستريب» ليس بوصفه مساحة عمل، بل بوصفه نظاماً سلطوياً مهدداً بالانهيار البطيء. في هذا السياق، لم تعد بريستلي تلك المديرة الحديدية التي تتحكم بإيقاع الموضة عبر نظرة واحدة، بل أصبحت رمزاً لمؤسسة كلاسيكية تقف أمام لحظة اختبار وجودي، حيث لم يعد التهديد يأتي من داخل غرف التحرير، بل من الخارج الرقمي المتحوّل الذي يعيد تعريف القيمة والجمال والانتشار.
آن هاثاواي (آندي ساكس) لم تعد المساعدة الطموحة، بل أصبحت جزءاً من منظومة رأسمالية جديدة تتحكم في تدفق العلامات الفاخرة عبر شبكات رقمية عملاقة، ما يجعلها في موقع مواجهة مباشر مع ميراندا، التي تجد نفسها للمرة الأولى خارج مركز القرار. هذا التحول لا يُقرأ كصراع شخصي فقط، بل كصدام بين جيلين من السلطة: سلطة الورق والتحرير التقليدي مقابل سلطة المنصة الرقمية والخوارزمية.
هذا التوتر يمنح أداء ميريل ستريب بعداً تأملياً أكثر منه استعراضياً، إذ تتحول ميراندا إلى شخصية تراقب تآكل عالمها بوعي حاد، وكأنها تقف أمام نسخة مستقبلية من مؤسستها لا تستطيع السيطرة عليها. وقد رأت بعض القراءات النقدية أن الفيلم يقدّم «تشريحاً متأخراً للنخبوية الثقافية» في مواجهة ديمقراطية رقمية تبدو في ظاهرها أكثر انفتاحاً، لكنها في جوهرها أكثر قسوة.
اقتصادياً حقق الفيلم أداءً لافتاً في شباك التذاكر العالمي، متجاوزاً حاجز 500 مليون دولار خلال فترة قصيرة، وهو رقم يضعه ضمن نطاق الأعمال الدرامية النخبوية التي نجحت في اختراق السوق الجماهيري. هذا النجاح لا يمكن فصله عن استراتيجية تسويقية واعية خاطبت جيلين في آن واحد: جيل عاش الفيلم الأول بوصفه علامة ثقافية، وجيل جديد وجد في صراعاته المهنية انعكاساً لبيئات العمل الحديثة التي تحكمها الضغوط الرقمية.
نقدياً انقسمت التقييمات بين من رأى في الفيلم ذروة نضج السلسلة، ومن اعتبره محاولة واعية لتجميل الحنين. مجلة «كاييه دو سينما» رأت فيه استخداماً ذكياً للأزياء بوصفها لغة سياسية، حيث تتحول الملابس إلى امتداد للسلطة وليست مجرد عنصر جمالي. في المقابل، أشارت «فارايتي» إلى أن الفيلم يكتب «مرثية للصحافة المطبوعة»، مقدّماً ميراندا بريستلي كآخر حارسة لعصر كانت فيه الكلمة المطبوعة تمتلك سلطة حقيقية على تشكيل الذوق العام.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news