يعاني انعدام الانسجام بين البطلين

«برسويجن»... نقص في الإبداع وخيانة للرواية

صورة

لو قرأت رواية Persuasion، لجين أوستن الصادرة عام 1817 أو أنك من عشاق كتابات الروائية البريطانية، فهذا الفيلم وهو من إنتاج «نتفليكس» ليس لك. لست مضطراً إلى قراءة رواية أوستن لتعلم أن الفيلم لا يحمل شيئاً من جوهرها. هذه حقيقة مشتركة تجدها عند المُلمّين بالأدب الإنجليزي.

يأخذ اقتباس الفيلم الخطوط العامة للرواية ويتجاهل كل ما يجعلها فريدة من نوعها، خصوصاً أنها خامس رواية مكتملة للمؤلفة.

مقتبسا الرواية: رون باس وأليس فيكتوريا وينسلو يحذفان معظم نص أوستن لمصلحة كتابة تحمل طابعاً حداثياً، بالتعاون مع المخرجة المسرحية كاري كراكنيل، التي طبقت على الفيلم بعضاً من نزعات الحداثة الدارجة في السنوات الأخيرة، والتي تمس الحوار بشكل أساسي مع بعض العناصر الأخرى كحال مسلسل «برجرتون»، وهو الآخر من إنتاج «نتفليكس».

بالتأكيد يستطيع أي صانع أفلام متمكن تحديث عمل عن رواية كلاسيكية دون إخراجها من زمنها وإضافة عناصر حديثة إليها. فعلها أرموندو لانوتشي في «التاريخ الشخصي لديفيد كوبرفيلد»، كما فعلتها غريتا غيرويغ في «نساء صغيرات» عام 2019.

كما أن هناك تحديث أوتم دي وايلد لرواية «إيما» لأوستن عام 2020، الذي توقف فترة بسبب الجائحة، هذه الأفلام الثلاثة تشترك في شيء واحد: درجة من الاحترام للمصدر الأصلي. وهو الشيء الغائب عن هذا الفيلم.

في نقدها للفيلم قالت كلاريس لوفري، ناقدة موقع «ذا إندبندنت»: «لا يحتوي الفيلم ولو على جزئية واحدة تشير إلى أن القائمين عليه قرأوا الرواية. والطريف أن المخرجة نفسها صرّحت لصحيفة (نيويورك تايمز) أن هذه الرواية هي المفضلة لديها، لكن من سيهتم أصلاً من الجمهور، فمعظمه لم يقرأ الرواية ويبحث عن ترفيه خالص».

عناصر القصة مألوفة جداً وتتبع السرد الذي وضعته أوستن. عام 1814 كانت آن إليوت (داكوتا جونسون) مخطوبة إلى فريدريك وينتوورث (كوزمو جارفيز). ليتم إقناع آن بأن الرجل لا يصلح لها (ومن هنا جاء عنوان الرواية: إقناع).

تنفصل عنه وتندم على ذلك. بعد سبع سنوات مازالت آن عانسا وتبلغ 27 عاماً، وفي ذلك الوقت هي قد تجاوزت سن الزواج. بينما حاز فريدريك شهرة وعظمة بسبب مشاركته في الحرب ضد نابليون.

تجمعهما صدفة وبعد ذلك يألفان وجودهما في المناسبات، لكن اللقاءات مؤلمة لهما ويتعرضان لمواقف عدة من سوء الفهم تقوض آمال عودة خطوبتهما، خصوصاً عندما يتبين وجود نوع من العلاقة بين فريديك ولويسا (نيا تول) أخت آن، وعلاقة بين آن وقريبها ويليام (هنري غولدنغ).

بغض النظر عن إلمام صُنّاع الفيلم برواية أوستن، فإن البطلة آن اقتبست بشكل مختلف عن الرواية. في الفيلم هي موضوعة في قالب إليزابيث بينيت من «كبرياء وتحامل» أو إيما وودهاوس بطلة «إيما»، وهي ذات لسان حاد وتتعرّض لمواقف محبطة.

ونورد هذه المعلومة من بحث سريع على «غوغل» لأن كاتب هذا الموضوع لم يقرأ الرواية: آن بطلة رواية «إقناع» حزينة ومتأملة وتعلمت الاقتناع بحصتها في الحياة حتى يختل توازنها العاطفي.

وفي قرار فني غير موفق أبداً من كراكنيل، فإن آن «تحطم الجدار الرابع» سينمائياً، أي أنها تنظر إلى الكاميرا وتتحدث إلى الجمهور مباشرة. وهو قرار كان من المفترض أن يؤثر في المشاهد لكنه يشتته.

منهج الفيلم في تنويع أعراق الطاقم التمثيلي يقتصر على الأدوار المساعدة. وكما هو معروف فإن أي قصة أحداثها في بداية القرن 19 في بريطانيا ستكون كل شخصياتها بيضاء شقراء فقط.

لكن تحديث القصة استدعى كسر القاعدة فلدينا ناصحة أو مرشدة آن وهي بمثابة أمها في القصة ليدي راسل (نيكي أموكا بيرد) من أصول إفريقية، وأيضاً هنري غولدنغ ماليزي الأصل، وكلاهما جيد في دوره، رغم أن النص يخفي الجانب الخبيث من شخصية غولدنغ.

أكثر شخصية لافتة السيد وولتر إليوت (ريتشارد غرانت) بأداء مُبالغ فيه يتلاءم مع شخصيته في الرواية كما كتبتها أوستن. ورغم احتفاظ البطلين بلون بشرتهما كما في الرواية، فإنهما خياران غير موفقين للبطولة.

داكوتا تعكس بهجة وسروراً في كل مشاهدها تقريباً، وهو قد يتماشى مع «كبرياء وتحامل» أو «إيما»، لكنه لا يتلاءم مع هذه الشخصية، حتى عندما تعكس آن ذعراً فإنها لا تصدق، وهذه نقطة مثيرة للاهتمام لو راجعنا أدوار داكوتا السابقة كلها سنجد نطاقات أدائها متنوّعة بشكل جيد باستثناء دورها في ثلاثية «الخمسين».

على الجهة الأخرى، يحاول جارفيس جاهداً أن يظهر متشائماً وشاحباً وتنقصه جدية الشخصية، خصوصاً كمحارب عائد للتو من جبهة الحرب. وبالطبع ينعدم الانسجام بينه وبين البطلة. تحويل رواية «إقناع» إلى فيلم لعامة الجمهور، خصوصاً أولئك الذين أعجبهم «برجرتون» و«مستر مالكوم لست» يثبت نقصاً في الخيال الإبداعي لكراكنيل وخيانة للرواية.

وإن كنت لا تميّز بين اسم مؤلفة القرن 19 الشهيرة وعاصمة ولاية تكساس الأميركية فإن «برسويجن» قد يناسبك. أما إن كنت تبحث عن روح الرواية وأداء لا يتخلله النظر كل دقيقة إلى الكاميرا فابتعد عن هذا الفيلم.

 

للإطلاع على الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.


المخرجة صرّحت أن هذه الرواية هي المفضلة لديها، لكن الفيلم لا يحتوي ولو على جزئية واحدة تشير إلى أن القائمين عليه قرأوا الرواية.

إن كنت لا تميّز بين اسم مؤلفة القرن 19 الشهيرة وعاصمة ولاية تكساس الأميركية، فإن «برسويجن» قد يناسبك.

لست مضطراً إلى قراءة رواية أوستن لتعلم أن الفيلم لا يحمل شيئاً من جوهرها.. بل يتجاهل كل ما يجعلها فريدة من نوعها.

تويتر