العد التنازلي لإكسبو دبي 2020

    جوانا سكانلان في أقوى دور

    «بعد الحب».. أفضل معالجة سينمائية لدراما انتهاء زواج

    صورة

    «بعد الحب» After Love أو بعد الحياة أو بعد الموت، ثلاثة عناوين تصلح لهذا الفيلم، وهو التجربة الإخراجية الأولى لعليم خان (بريطاني من أصل باكستاني) يطرح فيه سؤالاً: «ماذا نعرف عن بعضنا بعضاً؟».

    ليس ماذا يعرف الأخ عن أخيه أو عن الصديق، بل ماذا تعرف امرأة عن زوجها بعد علاقة زوجية ناجحة ومستقرة؟ وكأن خان نظر إلى المسألة بالمقلوب، فبدلاً من أن يكون الفيلم عن ملحمة تنتهي بانتصار الحب، فإن الموضوع يبدأ بانتهاء الحب وبدء انكشاف الأسرار.

    جوانا سكانلان في أقوى دور لها حتى الآن، تجسد ميري، امرأة انجليزية دخلت الإسلام بعد زواجها بأحمد (البريطاني من أصل إيراني ناصر ميمارازيا). يعيشان في مدينة دوفر، ويعمل قبطان سفينة تبحر القناة الإنجليزية بين دوفر وكاليه الفرنسية.

    ميري راضية وسعيدة بزواجها وحريصة على أداء صلاتها وتعيش بساطة زوجها. يبدأ الفيلم بلقطة عريضة ثابتة من مطبخ المنزل نرى فيها ميري بلباس بنجابي تحضر الشاي لزوجها البعيد عن الكاميرا في غرفة المعيشة.

    يشغل أحمد أغنية ويجلس على كرسي جلسة استرخاء لا يقوم بعدها أبداً. بعد الدفن ومراسم العزاء، تفتش ميري محفظة أحمد وتجد بطاقة هوية لامرأة فرنسية شقراء اسمها جونفييف (ناتالي ريتشارد) وعلى البطاقة عنوانها في كاليه.

    ماذا تفعل بطاقة هوية لامرأة شقراء في محفظة زوجي؟ السؤال نراه واضحاً في عين ميري دون أن تتفوه بكلمة (تخيل لو كان هذا مسلسلاً أو فيلماً عربياً لضيع (5 أو 10 دقائق) على مونولوغات وبكاء)!

    تقرر ميري خوض رحلة عبر القناة للتأكد من صاحبة الهوية وربما لتواجهها. عندما تصل ميري إلى عنوان جونفييف وتلتقيها تظن الأخيرة أن الأولى بحجابها عاملة نظافة من فقراء شرق أوروبا.

    تقرر ميري مسايرة جونفييف وتقمص دور عاملة النظافة، حتى يتسنى لها استكشاف حياة هذه المرأة. لا يستغرب المشاهد من قرار ميري تقمص الدور، وذلك لأن لو أخبرتها مباشرة، فإن جونفييف ستطردها ولن تقبل حتى بالتحدث معها.

    تنبغي الإشارة هنا إلى أن سكانلان توظف تمثيلاً إيحائياً بالكامل معتمدة على تعابير وجهها في مشاهد يملؤها الصمت أو صوت جونفييف. تصبح ميري منظفة ومساعدة منزلية لا غنى عنها، إلى درجة أنها صارت جزءاً من عائلة جونفييف التي تعيش مع ابنها المراهق.

    «بعد الحب» فيلم مؤلم رغم بعض اللحظات الكوميدية، ميري تتألم كلما عرفت تفاصيل أكثر عن حياة جونفييف وأحمد التي اتخذت طابعاً سرياً ونتج عنها ولادة هذا المراهق سولومون أو سليمان (تاليد أريس)، الذي يكره والدته ويريد الانتقال للعيش مع والده مهما كان الثمن.

    هناك مشهد تخبر فيه جونفييف ميري أن أحمد أخبرها أن زوجته باكستانية. تنفعل ميري وتتحدث عن أحمد كأنها تعرفه بضع كلمات قبل أن تتذكر أنها متخفية في شخصية منظفة. ميري هي عنصر التشويق في الفيلم، هي القنبلة الموقوتة التي ينتظرها المشاهد أن تنفجر، هي كنز الأسرار التي جاءت إلى كاليه لتغوص في بحر الأكاذيب، أو الحياة السرية التي عاشها أحمد دون أن تشك فيه.

    أحمد الذي تعرفه والذي لا تعرفه مات، وميري ماتت وهذه ميري أخرى حتى ميري نفسها لا تعرفها. تشعر ميري بالذل تجاه كل لحظة تكتشف فيها معلومات جديدة عن الحياة السرية لأحمد.

    هناك مشهد لبطلة الفيلم تنظر إلى نفسها في مرآة وتتفحص جسدها المترهل. هناك معنيان للمشهد وربما أكثر: المعنى الأول من أنا؟ والثاني: هل بدأ أحمد علاقة مع جونفييف بسبب جسدي المترهل؟

    وهناك مشهد تكتشف فيه ميري سراً في بيت جونفييف يخص ابنها المراهق وتحتفظ به لنفسها، رغم أن صاحب السر يعلم أنها كشفته، وتخبره ميري أن زواجها من أحمد كان سراً لا تعلمه عائلته، وهنا تنشأ علاقة صداقة بين هذين الشخصين.

    يوظف خان لغة الرموز في الفيلم، فعندما تغادر ميري دوفر ترى جرفاً ينهار أمامها، وهو ما يرمز لحياتها أو لقيمها أو لثقتها بأحمد، وتتراجع إلى الخلف وبالطبع لا يلتفت أحد سواها في المشهد، ما يعني أن ذلك يحدث في رأسها فقط.

    لقطة الجرف عريضة مثل لقطة الافتتاح العريضة في مكان ضيق، وفيها أحمد وميري بعيدان جداً عن بعضهما بعضاً، وكذلك مشهد النهاية اختاره خان عريضاً جداً، وأخذ في توسيعه إلى درجة اختفاء الشخصيات منه. واللقطات العريضة تعكس الألم والكآبة والوحشة والعزلة.

    ليس هناك شيء جديد في هذا الموضوع. امرأة تكتشف علاقة لزوجها بعد موته قصة تحدث في أي زمان ومكان، والدراما العربية تحديداً لها صولات وجولات عندما يتعلق الأمر بهذه القصص. فلماذا جعلنا هذا الفيلم نتحدث عنه كأنه يكتشف هذا النوع من القصص لأول مرة؟

    لأن معالجة صنّاع الدراما العرب لهذا الموضوع تعيسة وركيكة، كلها بكاء وزعيق ومونولوغات تافهة، وشخصيات تتحدث مع نفسها، وزوجة يُغمى عليها فور علمها بالحقيقة. مشاهد سخيفة تملأ مسلسلات رمضان كل عام.

    في المقابل، كل ما فعله خان هو توظيف مشاعر بطلته لتحل مكان زعيق العرب، واستخدام لقطات معينة معبّرة عما يجول في خاطر البطلة من أسئلة وانعكاس قصتها mirroring في قصة المراهق سولومون الذي يحتفظ بسر. والنتيجة فيلم معبّر جداً سيخلد في الذاكرة، وليس مسلسلات تافهة منسية لا تحترم ذكاء الجمهور.

    لم يخترع خان شيئاً جديداً، كل ما فعله هو صُنع فيلم معبّر عن قصة معروفة ومكررة في كل المجتمعات. هذا الفرق بين من يستخدم الأدوات الصحيحة لسرد قصة ومن لا يعرف كيف يصنع مسلسلات أو حتى عملاً قابلاً للمشاهدة رغم توفر الإمكانات.

    • لم يخترع خان شيئاً جديداً، كل ما فعله هو صُنع فيلم معبّر عن قصة معروفة ومكررة.

    • مشهد النهاية اختاره خان عريضاً جداً، وأخذ في توسيعه إلى درجة اختفاء الشخصيات منه.

    لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.

    طباعة