يعيد تعريف الحلم الأميركي

«ميناري» يتجاوز الفروقات الدينية والثقافية بالألفة والطبيعة الإنسانية

صورة

على الرغم من كل العناصر المتشابهة والمتكررة في قصص أفلام المهاجرين، فإن كل واحدة تعطي المشاهد طابعاً أنها فريدة من نوعها بسبب القواسم المشتركة لكل قصة على حدة. وهذا ما يجعلنا نقدر تجربة Minari (عشبة كورية)، التي كتبها ليي آيزاك تشانغ، اقتباساً من تجربته الشخصية كمهاجر إلى أميركا من الأقلية الكورية الجنوبية.

هناك طبيعة إنسانية خلف الفروقات الثقافية

والدينية لكل قصة أو تجربة شخصية، أي مشاهد لهذا الفيلم لا يمتلك مزرعة ولم يحاول بيع الخضراوات، ولم يعش في الوسط الأميركي، ولا يتحدث الكورية، رغم كل هذا فالشخصيات تتمكن من قلوب المشاهدين، لأنهم يجدونها مألوفة في حياتهم، وهذا ما نعنيه بالطبيعة الإنسانية.

نرى الفيلم من خلال شخصية ديفيد (ألان كيم) طفل في السادسة من عمره، أتى ديفيد إلى مدينة صغيرة بولاية أركنساس قادماً من كاليفورنيا مع شقيقته الكبيرة آن (نويل كيت تشو) ووالديهما جيكوب (ستيفن يون) و مونيكا (يري هان).

تنضم إليهم لاحقاً الجدة سونجا (يو جنغ يونغ)، أتوا إلى هذا المكان المعزول وسكنوا منزلاً متحركاً (أكبر من مقطورة)، وسط أرض فضاء لم تزرع منذ فترة، وأسموها مزرعة وقرروا العيش والعمل فيها.

في كاليفورنيا التي يترددون عليها تعمل الأسرة في مصنع دواجن، لكن جيكوب طموح. قراره بالرحيل إلى أرض معزولة إلى درجة أن الذهاب إلى كنيسة يتطلب توغلاً في الأراضي المجاورة، وأقرب مستشفى على بُعد ساعة شكل مصدر قلق وإزعاج لمونيكا التي تكره العزلة.

يرضيها جيكوب بجلب والدتها سونجا من كوريا. سونجا ككل الجدات، صعبة المراس تكره أن يعتني بها أحد، وتستخدم كلمات غير لائقة عندما تغضب أمام الأطفال.

أحداث القصة في أول الثمانينات، وهو عقد يبدو مألوفاً جداً اليوم، نظراً إلى كثرة الأفلام والمسلسلات التي اختارته مسرحاً زمنياً لأحداثها، لكنه بعيد جداً عن عالم اليوم بسبب وجود الإنترنت والهواتف الذكية.

لكن الوضع في المزرعة مختلف، فلولا اللقطات الداخلية للمنزل وشكل التلفزيون والراديو لتصورنا أن الأحداث في الستينات أو السبعينات. بدل أن يوظف التقنية لحفر بئر ماء في المزرعة، فإن جيكوب يعتمد على المنطق ويندم على ذلك.

يوظف جيكوب الأميركي المتدين بول (ويل باتون، الممثل الوحيد الأبيض في دور كبير)، الذي يفهم في الزراعة بشكل عميق، لكنه يتوقف كثيراً أثناء العمل ليثني على الرب ويصلي ويغني أغاني إنجيلية.

هناك توتر مستمر في العلاقة بين جيكوب الذي ينشد الحلم الأميركي، ومونيكا التي تستسلم لروتين الوظيفة في مصنع الدواجن من أجل قبض راتبها. نرى من خلال الفيلم علاقة بين الجدة سونجا

وحفيدها ديفيد عندما تشاركه الغرفة.

يتضايق ديفيد من رائحتها ويسميها رائحة كوريا، حتى وهو لم يذهب إلى كوريا قط. يعاني ديفيد مشكلة في قلبه تجعله غير قادر على أداء أنشطة رياضية، بينما تعارض الجدة الأمر وتعتقد أن الرياضة مهمة له رغم مشكلته.

العلاقة بين الجدة والحفيد من أكثر العناصر إثارة للاهتمام، التي لم يتسع وقت الفيلم كثيراً لها، لكن الاثنين يصبحان صديقين ويزرعان ميناري معاً،

والطريف أن محصول الجدة ينمو، بينما يعاني جيكوب مشكلات لا تعد ولا تحصى في انقلاب واضح على فكرة الحلم الأميركي.

«ميناري» لا يحدث تغييراً جذرياً في صنف السيرة الذاتية ولا في أفلام الهجرة والمهاجرين، وهو ليس عن الانقسامات العنصرية والثقافية بين العائلة الكورية ومجتمع أركنساس، هو رحلة كفاح عائلة كورية لتحقيق الحلم الأميركي. يستعجل تشانغ نهاية «ميناري»، لا يذهب باتجاه نهاية سعيدة ولا يتلاعب بالعواطف، كل ما يريده تشانغ أن يكون الفيلم مثل ألبوم ذكريات يعرض من خلال عيني طفل، ويتأمله المشاهد من خلال رؤية المخرج، وهو الرجل الأربعيني الذي كان الطفل في الفيلم.

بالتدقيق في العلاقة بين جيكوب ومونيكا، نلاحظ أن الرجل يمتلك جرأة ويتطلع للاستقلال عن الوظيفة

ويصر على إقامة مزرعة في منطقة معزولة ليزرع فيها خضراوات كورية يبيعها على المجتمع الكوري في كاليفورنيا. جيكوب متمسك بحلمه إلى درجة أنه يقول لمونيكا إنه مستعد للتضحية باستقرار العائلة في سبيل تحقيقه.

مونيكا بالمقابل تبدو منهارة، تنتقد رؤيته وتقول له إن ابنهما قد يحتاج إلى الذهاب إلى المستشفى في أي لحظة ولا يوجد أي مستشفى قريب، تبدو مرتاحة أكثر لروتين الوظيفة وملتصقة أكثر بالحضارة.

هذا يعني أنها تأتي من طبقة اجتماعية أعلى من جيكوب، بتقدم أحداث الفيلم نتساءل لو ندمت مونيكا على الهجرة إلى أميركا في المقام الأول وهي نقطة تستحق الاستكشاف.

يقبض تشانغ على فيلمه بشكل واثق ولا يضيع تركيزه إلا قليلاً في النهاية، لكن هناك واقعية شديدة في كل لحظة وكل حوار في الفيلم. نرى ديفيد يهان من قبل فتى أبيض قبل أن يصبحا صديقين ويدعوه الأخير إلى اللعب معه والمبيت ليلة في منزله.

وهذا موقف صادق جداً وحدث لنا جميعاً في فترة من حياتنا كأطفال.

أطرف عنصر في الفيلم الجدة، وهي أحدث مهاجرة في العائلة اندمجت في الثقافة الشعبية الأميركية أكثر حتى من أحفادها.

«ميناري» ضمن الأفلام المرشحة للجائزة الكبرى في حفل الأوسكار نهاية هذا الشهر، ولو فاز سيكون ثاني فيلم كوري يفوز بالجائزة على التوالي بعد Parasite الذي فاز العام الماضي.

• يقبض تشانغ على فيلمه بشكل واثق ولا يضيع تركيزه إلا قليلاً في النهاية، لكن هناك واقعية شديدة في كل لحظة.

• الفيلم مثل ألبوم ذكريات يعرض من خلال عيني طفل ويتأمله المشاهد من خلال رؤية المخرج، وهو الذي كان الطفل في الفيلم.

للإطلاع على الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.

طباعة