قصة الفهود السود من وجهة نظر جديدة

«جوداس آند ذا بلاك ميسيا».. أداء كالويا يتغلّب على فوضى النص

صورة

للمرة الأولى نشاهد قصة تنظيم الفهود السود، وهو حزب سياسي أميركي معني بالدفاع عن حقوق الأقلية السوداء، تأسس عام 1966، من وجهة نظر التنظيم نفسه. للعلم أن الحزب صُنّف إرهابياً من قِبَل الجهات الرسمية الأميركية.

معظم الاقتباسات السينمائية تبنّت وجهة نظر جي إدغار هوفر، مؤسس مكتب التحقيقات الفيدرالي «إف بي آي»، بأنه حزب عنيف وخطير وضد القيم الأميركية، لكن في فيلم «جوداس آند ذا بلاك ميسيا» يسعى المخرج، شاكا كينغ، إلى ترميم سمعة الحزب ومؤسسه فريد هامبتون (دانيال كالويا).

من الواضح أن كينغ يلمّع الحزب، ويتجاهل أحداث العنف التي ارتكبها، ليزيد تعاطف المشاهد معهم، هذا رغم أن الفيلم يحاول التقيد بالرواية التاريخية قدر المستطاع. بشكل عام يعاني الفيلم نوعاً من الفوضوية في السرد لأنه يريد تقديم الكثير في ساعتين.

تتنافس ثلاث قصص على ساعتَي الفيلم، الأولى صعود هامبتون إلى قيادة الحزب بمنصب رئيس قيادة ولاية إلينوي ونائب رئيس الحزب على مستوى الدولة، ثم تأتي قصة اختراق الحزب من قبل جاسوس «إف بي آي»، بيل أونيل (لاكيث ستانفيلد)، متبوعة بعملية هوفر (القدير مارتن شين تحت طبقة ثقيلة من الميك أب)، وموظفه الضابط روي ميتشيل (جيسي بليمونز) لتقويض الحزب بالقضاء على هامبتون بأي شكل ممكن.

أفضل لحظات الفيلم عندما يكون التركيز على هامبتون، فالشخصية مكتوبة بشكل يكاد يكون طبق الأصل للواقع، وأداء كالويا الرائع يركز على الجوانب المتعددة من هامبتون، فهو المفكر المحافظ غير المعني بالشهرة، وهو ذلك القائد اللامع المتمتع بكاريزما تثير شغف الجماهير.

إدخال شخصية ديبورا جونسون (دومينيك فيشباك) صديقة هامبتون وأم طفله الوحيد، يعزز كثيراً من عملية أنسنته، وبتحويل هامبتون لأكثر من شخصية إيقونية في الثقافة الشعبية، فإن فيلم كينغ يصنع صدى يرسخ في الذاكرة لهامبتون أو المغدور به (بلاك ميسيا) حسب العنوان.

لا يمكن قول الشيء نفسه عن جزئية «جوداس»، شخصية أونيل لم تكتب بدرجة دقة هامبتون نفسها، وهذا يضرّ السيناريو، لأنه بالنظر إلى الهيكل العام للفيلم وعنوانه فإن النية هي تقديم شخصيتين وليس واحدة، يعني هذه قصة رجلين، لكن الفيلم يركز على رجل أكثر من الآخر.

قصة أونيل مفككة، نعلم ما يكفي منها لفهم أنه وافق على عرض «إف بي آي» بالتجسس على التنظيم مقابل إسقاط مجموعة تهم عنه، وهو سعيد بذلك، لكن الفيلم لا يكشف طريقة تفكير أونيل، ودوافعه تظهر بشكل ضحل.

رغم أن لاكيث يقدم أداء جيداً إلا أن هذا الأداء ليس له أساس مستقل لاعتماده بشكل عميق على وجود كالويا. هامبتون يقود الفيلم، وأونيل يتلاشى في الخلفية، رغم أن هذا فيلم أونيل والقصة تُروى من وجهة نظره. مشاهد روي ميتشيل تبدو مقحمة وشخصية روي بأكملها عبارة عن أداة قصة.

الشيء نفسه يمكن أن يقال عن شخصية هوفر، فلو تخيلنا عدم وجوده لن ينقص الفيلم شيئاً، فماذا استفادت القصة من وجود مارتن شين في طبقة ميك أب ثقيلة وبضعة مشاهد حوارية.

الحقيقة أن مشاهد شين هي الأضعف وحواراته هي الأسوأ في فيلم لا يحتمل مثل هذه العيوب. يمضي الفيلم فترة طويلة داخل أروقة «إف بي آي» من أجل مشهد لا معنى له، يبدأ بمحاضرة عن الحرب الكورية وينتهي بتوجيه هوفر سؤالاً لميتشيل: ماذا ستفعل لو واعدت ابنتك شاباً أسود؟ إجابة ميتشيل تكشف سخف السؤال، لأن ابنته عمرها ثمانية أشهر. الفيلم جميل ومؤثر رغم وجود بعض العناصر الخيالية، وهو يقدم نقاطاً صائبة في ما يتعلق بمدى تصميم وكالات إنفاذ القانون (شرطة شيكاغو و«إف بي آي») على تقويض وتدمير «الفهود السود». مشهد الذروة يتضمن هجوماً مريعاً على شقة هامبتون من ناحية تنفيذه ووقعه على نَفس المشاهد. المشهد الختامي يلمح إلى عمق الإحساس بالذنب بالنسبة لأونيل، وهو غير متساوٍ مع مشاعر الشخصية في مختلف مشاهد الفيلم، ومن غير الواضح إن كان موته، وهو لم يحدث في قصة الفيلم، مرتبطاً بشعوره بالذنب جراء تأثير أفعاله في مصير هامبتون.

«جوداس آند ذا بلاك ميسيا» يستحق المشاهدة، لرؤيته الجديدة لأحداث قد تكون فُسّرت بشكل متحامل عليه في الماضي، والمذكورة في السجلات الرسمية للدولة الأميركية.

يسلط الفيلم الضوء على ثورة الحقوق المدنية للسود آخر الستينات وأول السبعينات، ويعطي لوناً جديداً لشخصية يرتبط تاريخها بالكراهية ضد السود.

رغم أن فيلم كينغ لا ينجز كل ما هو مطلوب أو متوقع منه، إلا أنه يقدم وجهة نظر مهمة لفترة من التاريخ عانت خلالها الأقلية السوداء ظلماً وقهراً اجتماعياً، وعادت للأضواء بعد 50 عاماً من وقوعها.


• الحقيقة أن مشاهد «شين» هي الأضعف، وحواراته هي الأسوأ، في فيلم لا يحتمل مثل هذه العيوب.

• «هامبتون» يقود الفيلم، و«أونيل» يتلاشى في الخلفية، رغم أن هذا فيلم «أونيل» والقصة تُروى من وجهة نظره.

• رغم أن فيلم كينغ لا ينجز كل ما هو مطلوب أو متوقع منه، إلا أنه يقدم وجهة نظر مهمة لفترة من التاريخ عانت خلالها الأقلية السوداء ظلماً وقهراً اجتماعياً، وعادت للأضواء بعد 50 عاماً من وقوعها.

للإطلاع على الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.

طباعة