يستهدف الطبقة المثقفة من الجمهور

«مانك».. تحفة فنية بلا روح بسبب مثالية ديفيد فنشر

صورة

فيلم Mank، وهو من إنتاجات «نتفليكس» الأصلية، يعدّ تجربة لصانع الأفلام الأميركي ديفيد فنشر، في استكشاف الظروف المصاحبة لكتابة سيناريو فيلم Citizen Kane، الصادر عام 1941 من منظور كاتب السيناريو هيرمان مانكويتز، أو «مانك» اختصاراً.

- فنشر متحرر من ضغوط الإيرادات، ويخطط للأوسكار، ويريد الجائزة الكبرى، أو أفضل مخرج، أو أفضل تصوير، أو أفضل ممثل.

- الشخصيات المحبوبة ثلاث وجميعهن نساء، وكلهن برزن بشكل لطيف، لكن ذلك لا يعني أن شخصياتهن كتبت بشكل وافٍ.

للإطلاع على الموضوع كاملا، يرجى الضغط على هذا الرابط.

قيل الكثير عن فيلم «المواطن كين»، الذي كاد أن يفوز بأوسكار أفضل فيلم، لولا علاقة مخرجه وبطله المبدع أورسون ويلز المضطربة مع هوليوود آنذاك، واكتفى بجائزة أفضل سيناريو أصلي.

«المواطن كين» لم يجد تقديراً كافياً في وقته، لكن الأجيال اللاحقة من النقاد تذوقته بشكل أفضل وأعطته التقدير الذي يستحق، وبحسب عدة قوائم، فإنه صُنّف كأفضل فيلم في تاريخ السينما لأكثر من عقد، لكن في الآونة الأخيرة انتزع فيلم Vertigo منه الصدارة، بحسب بعض القوائم في بريطانيا مثلاً.

«المواطن كين» تحفة سينمائية وفيلم مكتوب بشكل سابق لزمانه، لكن الأذواق الفنية تختلف، وكاتب هذا الموضوع كانت له تجربة مبكرة مع هذا الفيلم، إذ عرض عليه في كلية الإعلام منذ عقدين كجزء من المنهاج الدراسي، كونه فيلم يتناول صناعة الصحافة.

«مانك» بالأبيض والأسود (ثاني إنتاج لنتفليكس بهذه الصيغة بعد روما 2018)، وخضع لمؤثرات خاصة رقمية بعد التصوير، ليبدو واقعياً وكأنه صنع في الثلاثينات والأربعينات من العقد الماضي. قد يكون «مانك» الفيلم الأكثر تعقيداً لفنشر من الناحية الفنية، لكنه دفع ثمناً لذلك، وهو أن الفيلم يعاني على أكثر من صعيد بسبب مثالية مخرجه.

معروف عن فنشر أنه يدقق كثيراً في التفاصيل، ويطلب إعادات كثيرة لبعض اللقطات قد تصل إلى 50 إعادة. وهنا نلاحظ أن الفيلم جاف إلى حد ما، أو بلا روح، فلا يمكن أن نشعر بأي شخصية بما فيها البطل. وأحياناً يحاول فنشر بصعوبة إبراز أوجه الشبه بين سياسات وسياسيي الثلاثينات، خصوصاً انتخابات كاليفورنيا عام 1934 وما يحدث اليوم.

بالنسبة للذين يعرفون «المواطن كين»، فإن «مانك» يعدّ كنز معرفة، فهو لا يقتصر على سرد أحداث الشهرين وهي مهلة مانك (غاري أولدمان) لكتابة الفيلم، التي حددها ويلز (توم بورك)، وإنما يتضمن مشاهد استرجاعية لسنوات مانك السابقة وصداقته مع الممثلة ماريون ديفيز (أماندا سايفريد) وعشيقها إمبراطور الإعلام ويليام راندولف هيرست (تشارلز دانس)، وهي الصداقة التي مكنته من اكتشاف فضائح وتضمينها في النص.

رغم أن هيرست منع ذكر الفيلم أي «المواطن كين» في كل مطبوعاته وقت طرحه، فإن فيلم فنشر يسرد الحقائق بدقة وهو يصور الفيلم من نص كتبه والده في التسعينات.

معظم مشاهد الفيلم في الخط الزمني الحالي (أي أول الأربعينات) تدور في مزرعة بولاية كاليفورنيا، حيث نرى مانك في سريره بسبب إصابات حادث سيارة، ويجمع صفحات نصه التي تعدّت 300 صفحة.

مانك لديه مساعدتان: ريتا (ليلي كولينز) وفرولين (مونيكا غروسمان)، وهناك الساعي جون هاوسمان (سام ثروتون)، وهو حلقة الوصل بين ويلز ومانك. لحظات الفيلم الأخيرة تبرز تفاصيل الخلاف الذي نشب بين ويلز ومانك على أصل تأليف نص «المواطن كين»، والشقاق الذي نتج عن ذلك الخلاف.

بينما ركزت المشاهد الاسترجاعية على توفير سياق للسؤال التالي: «لماذا انقلب مانك على الناس الذين ساعدوه ووقفوا بجانبه طوال مسيرته المهنية؟».

اختار فنشر التركيز على سمات مانك غير الطيبة وإبراز عيوبه، على رأسها إدمانه الشرب، وميوله إلى التظاهر بمعرفة كل الأمور والتذاكي على الجميع. أداء أولدمان جميل ويشبه أداءه الذي تقمص فيه شخصية ونستون تشرشل، ونال «أوسكار» مستحقاً منذ ثلاثة أعوام في «أحلك ساعة». وتقول الأخبار الواردة من هوليوود إن أداء أولدمان تحسّن أكثر فأكثر أثناء الإعادات الكثيرة، التي طلبها المخرج المثالي فنشر أثناء التصوير.

الشخصيات المحبوبة في الفيلم ثلاث، وجميعهن نساء، الأولى ماريون ديفيز وهي نجمة أفلام صامتة تمتعت بشعبية كبيرة من 1917 إلى 1937. الثانية ريتا سكرتيرة مانك، والثالثة زوجته سارة (توبينس ميدلتون)، وكلهن برزن بشكل لطيف في النص دون تلطيخ سمعتهن، لكن ذلك لا يعني أن شخصياتهن كتبت بشكل وافٍ.

هذا الفيلم للطبقة المثقفة أكثر من الشريحة الباحثة عن ترفيه بحت، أو تلك التي تبحث عن فيلم يرضي عواطفها. فنشر هذه المرة متحرر من ضغوط إيرادات الفيلم، لأنه على «نتفليكس»، ولأنه يقصد الأوسكار، ويريد الجائزة الكبرى لفيلمه، أو أفضل مخرج، أو أفضل تصوير، أو أفضل ممثل.

فنياً (تصويراً وإضاءة وإخراجاً)، فإن فنشر صنع تحفة، ووظف كل خدعة رقمية لتعطي شكل الصورة السينمائية التي كانت سائدة وقتها، لكن هناك ملاحظات للمتعمق في تاريخ الأبيض والأسود، أولها أن فنشر يستخدم إطار سينما سكوب العريض لفيلم أحداثه في الثلاثينات والأربعينات، وإطار آنذاك لم يكن عريضاً بل مربعاً، أما سينما سكوب فلم يظهر إلا عام 1953 وذلك لينافس التلفزيون.

الثانية، أن تصوير فنشر هنا ليس بحدة تصوير غريغ تولاند (المواطن كين)، وليس مظلماً كتصوير ستانلي كورتيز (The Naked Kiss

وThe Night of the Hunter)، بل هو تصوير نظيف جداً وأقرب إلى تصوير ديفيد لينش سيد أفلام السيريالية.

 

طباعة