مباراة أداء بين كوهين وكيتون

«محاكمة سبعة شيكاغو».. درس من التاريخ في توقيت مثالي

صورة

فيلم The Trial Of The Chicago 7 (محاكمة سبعة شيكاغو) من إنتاجات «نتفليكس» الأصلية عن أحداث في 1968 و1969. بدأ آرون سوركين مخرج وكاتب الفيلم بالعمل على النص في 2007، وهو العام الذي كتب فيه فيلمه «حرب تشارلي ويلسون».

لا توجد رموز في الفيلم، وهو سرد مباشر، متسلسل زمنياً للأحداث الدموية المصاحبة للمؤتمر الوطني للحزب الديمقراطي في شيكاغو عام 1968. أحداث الشغب المناهضة لحرب فيتنام في حديقة لينكولن، والتي واجه فيها محتجون غير مسلحين شرطة مدججة بالهراوات والقنابل المسيلة للدموع.

في بداية عام 1969، قرر جون ميتشل - وهو النائب العام في إدارة الرئيس الراحل ريتشارد نيكسون - أن يلاحق ثمانية «قادة عصابات»، ويجعل من ملاحقتهم مثالاً على تصميم الدولة على كبح المعارضة. وبالنظر إلى انقسامات أميركا اليوم، فكأن التاريخ يعلمها درساً. التهم هي التآمر وإثارة الشغب، ويغطي الفيلم أبرز ما جاء في المحاكمة التي استمرت خمسة أشهر، مع إدخال مشاهد من التظاهرات الحقيقية بالأبيض والأسود، قبل وبعد أن تصبح عنيفة.

لغة كونية

القصة الرئيسة في الفيلم هي المحاكمة وإجراءاتها. في المحاكمة نرى ثمانية متهمين على درجات متفاوتة من السمعة السيئة. علماً بأن عنوان الفيلم هو اسم المحاكمة إعلامياً. هناك القائد اللامع آبي هوفمان (ساشا بارون كوهين)، الذي لا يتوقف عن إهانة المحكمة. هوفمان من Yippie، وهي مجموعة راديكالية تعادي مؤسسات الدولة تأسست في الولايات المتحدة عام 1967.

انضم إلى هوفمان، شاب من الحركة الراديكالية نفسها هو جيري روبين (جيريمي سترونغ)، والأذكى منهما توم هيدن (إيدي ريدمين). ثم ريني ديفيس (أليكس شارب)، والهادئ الجانح إلى السلم ديفيد ديلينجر (جون كارول لينش)، ومؤسس حركة بلاك بانثر بوبي سيل (يحيى عبدالمتين الثاني)، الذي جُرّ إلى المحاكمة رغم عدم تورطه في أحداث الشغب.

وهناك شخصان غير معروفين: لي وينر (نوح روبينز)، وجون فروينز (داني فلاهيرتي)، اللذان لا يعرفان سبب وجودهما في المحاكمة. كل المتهمين باستثناء سيل، يمثلهم المحامي الكبير ويليام كنستلر (مارك رايلانس).

المدعي العام هو ريتشارد شولتز (جوزيف غوردون ليفيت)، واختير شخصياً من قبل النائب العام. شولتز رجل صادق وذو نيات طيبة إلى درجة أن هوفمان وصفه بالرجل الصالح. القاضي هو يوليوس هوفمان (فرانك لانغيلا)، وهو عجوز متعصب، وتظهر عليه كل أمراض الشيخوخة العقلية.

القاضي هوفمان لا تهمه المحاكمة بقدر ما يهمه الإثبات للجميع أن المتهم هوفمان لا يمت إليه بصلة، وأنهما يتشابهان في الاسم الأخير صدفة. وهي نقطة يستغلها هوفمان المتهم لإطلاق النكات على هوفمان القاضي وتحقيره. من خلال النص، يركّز سوركين على جزئيات تعكس لغة كونية تتحدث عن فساد السلطة والرغبة في إسكات أصوات المعارضة، وهو أمر يحدث اليوم في شرق الأرض وغربها، وحتى في الولايات المتحدة نفسها.

مشاهد استرجاعية

يعتمد سوركين على المونتاج الذي يضع المشاهد الاسترجاعية في مواضع متوازنة، ليضمن استمرار زخم القصة، وفي الوقت نفسه تخدم المشاهد الاسترجاعية القصة ببناء سياق الأحداث في الخلفية. فنياً، لا يوجد شيء مميز في الأسلوب الذي جُرب مرات كثيرة في هذا النوع من القصص.

ما يحدث هو أن سوركين المخرج يدعم سوركين الكاتب، من خلال مساعدة طاقم الممثلين الكبير والجميل والمميز. لا يوجد أداء سيئ في الفيلم، لكن يوجد ممثلان بارزان أكثر من البقية بسبب قوة أدائهما.

هذه ليست المرة الأولى التي يؤدي فيها ساشا بارون كوهين دوراً جاداً، وهو المعروف بأدواره التهريجية في عقد الألفية الأول من خلال شخصية بورات. أداؤه لشخصية آبي هوفمان في هذا الفيلم دقيق جداً.

على القدر نفسه من الأهمية أداء مايكل كيتون الآسر في شخصية النائب العام السابق الجنرال رامسي كلارك، والذي رغم أنه ظهر في مشهدين فقط فإنه خطف الأضواء، وسيطر تماماً على مشاهده بالطاقة العجيبة التي يبثها في اللقطة وقوة شخصيته، وانتقاء كوهين وكيتون لا يعني التقليل من أدوار الآخرين.

دراما المحاكم

في دراما المحاكم وسوركين، قد يربط شخص هذا الفيلم بفيلم A Few Good Men (بضعة رجال صالحين) عام 1992. الفيلمان يختلفان كثيراً في النية، ولو نظرنا إلى هذا الفيلم فإنه بشكل عام دراما، أما الآخر فيحوي عناصر بوليسية.

النص بشكل عام أقرب إلى «حرب تشارلي ويلسون» الذي أخرجه مايك نيكولز، وأقرب كذلك إلى «لعبة مولي» من ناحية المنهاج، والأخير كان أول تجربة إخراجية لسوركين. رغم أن هذا الفيلم يحوي رسالة جادة فإنه يحوي كذلك لحظات كوميديا سوداء. النبرة ليس بها مزاح إطلاقاً لكن هناك عناصر تثير السخرية؛ مثل تأكيدات القاضي هوفمان أنه لا يمت بصلة إلى المتهم الذي يشاركه الاسم الأخير.

هذا مثل كل أفلام سوركين، أي إنه مليء بالحوارات من أول مشهد إلى آخر دقيقة، ولا يشد الانتباه كل الوقت، فهناك لحظات قد يتعب فيها تركيز المشاهد، خصوصاً المتأمل الذي يبحث عن لقطات فنية ليتذوقها. سوركين لا يعطي استراحة، وأطول مشهد بلا حوار قد لا يتجاوز 20 ثانية.

لكن لو قارنا «محاكمة سبعة شيكاغو» بـ«لعبة مولي»، فإن الأول أفضل كثيراً من الثاني من ناحية القصة والرسالة والأداء وطاقم الممثلين. «لعبة مولي» كان ثرثرة بالمطلق، وبطلته جيسيكا تشاستين تشرح كل ما لا يحتاج إلى شرح، ولا تترك فرصة للمشاهد ليستوعب ما تقول، فهي إما تسرد أو تتحاور مع الشخصيات. وهذا أسلوب يتقنه بشكل أفضل مخرجون كبار مثل مارتن سكورسيزي.

لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.


سوركين.. كاتب مميز

سوركين كاتب مميز سينمائياً وتلفزيونياً، إذ كتب أعمالاً حازت الإعجاب والجوائز، للتلفزيون كتب مسلسل «الجناح الغربي» الشهير، الذي فاز بعض مواسمه بجوائز إيمي لأفضل دراما في بداية الألفية الجديدة، كما كتب مسلسل غرفة الأخبار.

وللسينما كتب «ذا سوشيال نيتوورك» 2010، وستيف جوبز 2015، وهذا الفيلم.. وهي أهم أفلامه في العقد الأخير.

هناك لحظات قد يتعب فيها تركيز المشاهد.. خصوصاً المتأمل الذي يبحث عن لقطات فنية ليتذوقها.

مايكل كيتون ظهر في مشهدين فقط.. إلا أنه خطف الأضواء وسيطر تماماً بطاقته الآسرة.

طباعة