تحديث جيد لسينما الجريمة في السبعينات

«ألون».. أفضل وأجود فيلم تشويق في 2020

صورة

فيلم Alone (وحيدة)، يدور حول بطلته، التي تريد أن تكون كذلك، لكن الصدفة تضع في طريقها أسوأ صحبة يتوقعها أي شخص.. سفاح.

«وحيدة» هو إعادة أميركية من فيلم سويدي، بعنوان Torsvunnen، طرح عام 2011.

المخرج جون هيمز (أخرج يونيفرسال سولجر لجون كلود فاندام 2009)، تمكن من صنع إعادة ممتعة، وغير تقليدية في أحيان كثيرة.

هذه قصة صراع بقاء في الطبيعة، تبدأ بمطاردة سيارات وتنتهي بصراع في سيارة، ويعرض الفيلم في الولايات المتحدة، بوقت تزدهر فيه سينما السيارات بسبب ظروف «كوفيد-19».

جيسيكا (جولز ويلكوكس) تقود سيارة مربوطة بمقطورة، تضع فيها أغراضها وهي خارجة من مدينة بورتلاند، بولاية أوريغون شمال غرب الولايات المتحدة، فيما يبدو أنها مغادرة بلا عودة. يستغرق الفيلم وقتاً حتى نعلم سبب خروجها، وهو يُذكر لكن دون تفسير. بغض النظر عن السبب، المهم أن جيسيكا تعيش حالة نفسية صعبة، وتريد الخروج لنسيان شيء ما حدث لها، لأنها تشعر بانهزام. تتلقى جيسيكا وهي في طريق خروجها مكالمة من والديها، اللذين من الواضح أنهما غير سعيدين بقرارها.

على عكس المعهود

وأثناء صعود سيارتها طريقاً جبلياً، يقطع منطقة نائية تجد أمامها سيارة دفع رباعي سوداء بطيئة جداً. تسد السيارة السوداء طريق جيسيكا، وعندما تحاول الأخيرة التجاوز، تضايقها السيارة السوداء حتى كادت جيسيكا أن تتصادم بشاحنة في الاتجاه المقابل.

لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد لاحقتها السيارة حتى اضطرت بطلة الفيلم إلى التوقف جانباً لالتقاط أنفاسها. في اليوم التالي بمواقف فندق صغير، يظهر سائق السيارة السوداء - ويجسده مارك مينشاكا - ويطرق نافذة سيارتها، ليعتذر لها عن تصرفه الأرعن.

يشبه السائق نيد فلاندرز من مسلسل الأنميشن الأميركي الأشهر «ذا سيمبسونز»، تسريحة شعره قديمة، كأنها من السبعينات، ويتوسط وجهه شارب كثيف جداً، ويتطاير الشرر من عينيه؛ رغم أنه يحاول إخفاءه أثناء اعتذاره.

ربما من الأفضل تشبيهه بالقاتل بوب ويلفرتون (كيفر سذرلاند) في فيلم Freeway عام 1996. يبتعد الرجل عنها بعد اعتذاره لكن الرعب يتجدد كلما عاد للظهور في طريقها. بعد نصف الساعة الأولى يتمكن منها عندما تتعرّض لحادث من تدبيره، ويقفز في سيارتها، ويخدرها ثم يختطفها.

عند هذه النقطة يبدو أن الفيلم سيتجه إلى المعهود من أفلام هذه النوعية وهي مشاهد تعذيب القاتل السادي لضحيته، وهي موجة أفلام راجت وازدهرت في منتصف العقد الماضي، إبان الاحتلال الأميركي للعراق، وانتهت بانتهائه، لكن هيمز لحسن الحظ يعلم أن الجمهور سيتوقع ذلك، وبالتالي يغيّر مسار الفيلم.

تتمكن جيسيكا من الهرب من البيت الخشبي وسط الغابة حيث احتجزها المختطف، ويركز ما تبقى من الفيلم على مطاردة حابسة للأنفاس ومحطمة للأعصاب، تجري في الغابة المحيطة بذلك البيت الخشبي. يركز هيمز كثيراً في تفاصيل المطاردة التي تدور أحداثها في منطقة باسفيك نورث ويست، وتتضمن مواجهة مع صياد (أنثوني هيلد)، واجتياز النهر الذي يمر وسط الغابة سباحة للهروب من السفاح. المواجهة مع الصياد ثم التعاون معه لا يستمران طويلاً، والمشاهد ذو الخبرة يعلم أن الصياد كقانون في هذه الأفلام لا يستمر في القصة، ومن عنوان الفيلم فجيسيكا يجب أن تواجه السفاح وحدها. السفاح بلا اسم، ويرغب في اغتصاب ضحيته، وهذه سمة في سيناريوهات هذه الأفلام منذ أول السبعينات، لكن هيمز يتحرر منها، ويدفع باتجاه إطالة المطاردة بإضافة مزيد من التفاصيل الفنية إليها.

شخصيات مكتملة

لا توجد قصة أصل لجيسيكا في النص الذي كتبه ماتياس أولسون، وهو كاتب ومخرج الفيلم السويدي الأصلي المقتبس منه هذا الفيلم، لكن ويلكوكس متمكنة تماماً من دورها، من خلال حصر أدائها في تعبيرات وجهية تعكس القلق والخوف والألم الجسدي؛ ما يعطي إيحاء بأن الشخصية شبه مكتملة. لذة الفيلم في أداء مينشاكا المقيد، شرير الفيلم مقنع لدرجة لا توصف، لو شاهدت مشهد اعتذاره لجيسيكا ستتمكن من رؤية الشرير بداخله من خلال شرارات عينيه التي ندركها نحن ولا تدركها بطلة الفيلم. من أجمل مشاهد الفيلم الذي نرى فيه البطلة مختبئة خلف باب في البيت الخشبي، وتراقب السفاح وهو يجري مكالمة هاتفية مع عائلته. في هذا المشهد نرى الوجه الآخر للسفاح، فهو زوج طيب وأب حنون ويحدث زوجته بأدب وحنان شديدين، وهي - أي الزوجة - لا تعلم أبداً عن هوايته الدموية التي يمارسها في هذا المكان المعزول. هنا لدينا بُعد آخر لا نعرفه لشخصية السفاح ويستحق الاستكشاف، لأنه يمنح مينشاكا مساحة أوسع للأداء، ولو أنها مختصرة جداً.

قالب فني رائع

هذه قصة مخيفة جداً، يضعها هيمز في قالب فني رائع يخفف كثيراً تجهمها. ويحوي الفيلم الكثير من العناصر الفنية التي تعكس نبرة الفيلم الظلامية من ناحية، وتخففها من ناحية أخرى.

مثلاً مشهد اختطاف جيسيكا يلتقطه مصور الفيلم فريدريكو فيراردي في ظلام دامس، ويستخدم الإضاءة لإبراز هيئتي جيسيكا والسفاح المظلمتين، في إشارة فنية رائعة لأفلام الجريمة في السبعينات (أفلام نوار الموجة الثانية). كما يستخدم فيراردي عدسة الكاميرا لالتقاط لقطات عريضة للغابة من الأعلى (لقطة عين الطير)، يظهر فيها لون الغابة الأخضر على الشاشة بأكملها، وهي توحي بالغموض والتشتت والضياع، وأن جيسيكا ضائعة في متاهة هذه الغابة. في الوقت نفسه يوظف هيمز هذه اللقطة في الفيلم أكثر من مرة، ليعطي المشاهد استراحة بين جولات المطاردة، يلتقط أنفاسه قبل استئناف الجولة التالية. كما يستخدم هيمز مؤثرات صوتية غريبة ومزعجة، قد تجبر المشاهد على تغيير وضعية جلوسه من الاسترخاء إلى وضعية الترقب والحذر، أو قد تجعله يقف لمتابعة اللقطات الحابسة للأنفاس، ثم الجلوس عندما تهدأ الأوضاع. بناء على كل التفاصيل الفنية المذكورة؛ فإن Alone من أجمل أفلام هذا النوع (تشويق/‏ رعب) خلال العقد المنصرم، ويتفوق على أفلام سبقته، مثل: Ravage وRange Runners، والفرنسي العنيف جداً Revenge، وكلها عن امرأة تخوض صراع بقاء ضد أشرار في الطبيعة.

لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.


أسلوب تصوير غريب

يطبق المخرج جون هيمز أسلوباً غريباً في تصوير لقطات هجوم جيسيكا على السفاح وليس العكس، يبدأ المشهد بلقطة استعدادها، ثم نسمع المؤثرات الصوتية المزعجة، متبوعة بلقطة اشتباكها معه، دون أن نشاهد لقطة بداية الاشتباك. يعني هي تستعد على بعد متر منه، ثم فجأة هي ملتصقة بجسده، ولا نرى كيف قطعت المسافة.

ويلكوكس متمكنة تماماً من دورها، من خلال حصر أدائها في تعبيرات وَجْهِية تعكس القلق والخوف.

نرى الوجه الآخر للسفاح، فهو زوج طيب، وأب حنون، ويحدث زوجته بأدب وحنان شديدين.

طباعة