يقدم نصائح لمعالجة الإدمان

«المعضلة الاجتماعية» يبرز الآثار المدمرة لمنصات التواصل

صورة

من المثير للسخرية، حقاً، أن تعرض منصة نتفليكس إنتاجاً أصلياً عن موضوع إدمان الـ«سوشيال ميديا»، وكيفية الخلاص منه، والمنصة نفسها توظف الأسلوب ذاته في برمجتها، أو ما يسمى algorithm لصنع حالة إدمان لدى مشتركيها.

هذا موضوع بدأ تدريجياً أوائل هذا العقد، لا نتحدث عن بداية ظهور منصات التواصل، لكن عن بداية حالة الإدمان عليها والمصاحبة لتطورها، وهذا كان في 2012 أو 2013، عندما انتشرت ثورة تطبيقات الهواتف الذكية. وأصبح كل شخص يستطيع الولوج إلى تلك المنصات من هاتفه المربوط بالإنترنت على مدار الساعة، وليس بحاجة إلى كمبيوتر شخصي.

فيلم The Social Dilemma (المعضلة الاجتماعية)، يتحدث عن إدمان الـ«سوشيال ميديا» بشكل واضح أكثر من أي وقت مضى، وللمرة الأولى يستشهد صناع الفيلم بمخترعين ومؤسسين سابقين لهذه المنصات يتحدثون عن أسرار تلك المنصات، وكيف أنهم صنعوا بأنفسهم نظاماً من الذكاء الاصطناعي لصنع حالة إدمان لدى المستخدمين، وبالتالي إدرار أرباح خيالية على مؤسسي تلك الشبكات ومستثمريهم.

ما يخبرنا به الفيلم هو أن عقولنا يتم التلاعب بها، وتعاد برمجتها بمنهاج حسابي إلكتروني معقد، هدفه الاستحواذ على انتباه المستخدم، وجعله يصدق أفكاراً غير صحيحة، سواء عن نفسه، أو عن الآخرين، أو عن العالم.

مخرج الفيلم وشارك في كتابته جيف أورلوسكي، الذي صنع وثائقيات مخيفة من قبل عن ما نفعله بأنفسنا دون أن نعلم، مثل: Chasing Coral وChasing Ice، الأول عن المخاطر المحيقة بالبيئة البحرية، والثاني عن جسامة ذوبان الجليد في العالم. هذه المرة عن الفظاعة التي نسببها لأنفسنا بسبب الـ«سوشيال ميديا».

يستضيف الفيلم موظفين كباراً سابقين في «تويتر»، و«إنستغرام»، و«بنتريست» و«فيس بوك»، وغيرها من المنصات التي تغوي البشر، وتطلب منهم معلوماتهم لبيعها. في بداية الفيلم نرى هؤلاء محرجين، ولا يعرفون كيف يبدأون كلامهم، ثم يتضح بعد ذلك أنهم يستخدمون الفيلم للاعتراف بالخطايا والاعتذار.

مثلاً، يستضيف الفيلم جستن روزنستين، مخترع زر الإعجاب لدى «فيس بوك»، والذي يقول إن الهدف الأساسي عند اختراع الزر كان نشر الإيجابية. ما الخطأ في ذلك؟ لكن اتضح أن الزر تسبب في حالة اكتئاب لدى أولئك الذين لم يحصلوا على إعجابات بمقدار ما حصل عليه أصدقاؤهم.

بالتالي غيروا سلوكهم لجلب المزيد من نقرات الإعجاب، وهذا يتضمن القيام بأفعال تهريجية أو سخيفة أو حتى متهورة أو مقالب ثقيلة الظل. نتحدث هنا عن شريحة المراهقين خصوصاً، المراهق لم يعد يقتنع بما يخبره عنه والداه، ويتجه إلى الـ«سوشيال ميديا» للحصول على القبول من المجتمع أو من زملاء المدرسة، فإذا انتقده أحد على منصة ما، فهو سيغير سلوكه أو حتى شكله ليحصل على «لايك».

لو أحصينا عدد المراهقين في كل العالم وليس الولايات المتحدة فقط، فسيكون أمامنا رقم مرعب، وعالم إنترنت فوضوي. لهذا السبب ارتفعت معدلات القلق والاكتئاب في هذا العقد بالولايات المتحدة، أكثر من أي وقت مضى في التاريخ.

كما زادت معدلات انتحار الفتيات من مواليد آخر التسعينات. ثم ظهرت مشكلة جديدة تسببت بها منصة «سناب شات» حسب الفيلم، هي ميل أعداد كبيرة من المراهقين للخضوع لعمليات تجميلية تجعلهم يشبهون صورهم التي تفرزها فلاتر «سناب شات». ويحوي الفيلم فصلاً تمثيلياً سخيفاً، نرى عائلة يدمن ابنها المراهق منصات التواصل ويعد والدته بألا يلمس هاتفه لمدة أسبوع، لكن خبث الطرف الآخر أي العاملين الافتراضيين في تلك المنصات يعيده إلى إدمانه. مشهد العاملين الافتراضيين، أو ربما يمثلون المنهج الحسابي المعقد الذي ذكرناه سابقاً، يبدو كأنه من فيلم خيال علمي ركيك. وهناك أفلام أخرى تفوقت في تصوير هذا الجانب من المعادلة أبرزها Disconnect عام 2012. ويقدم الفيلم اقتراحات جيدة، مثل إصدار تشريعات تفرض على شركات التقنية ضرائب ترتفع كلما زاد حجم البيانات التي تطلبها من المستخدمين، ولا تحصل عليها مجاناً كما يحدث اليوم في عالم قوانينه بالية، مقارنة بالتقدم التقني السريع. كما يقدم الفيلم نصائح ممتازة للعائلات في آخره، مع ظهور أسماء صناع الفيلم على الشاشة عن كيفية معالجة إدمانهم أو إدمان أبنائهم.

كما يتهم الفيلم تلك المنصات بنشر الإشاعات والأكاذيب ونظريات المؤامرة بين المستخدمين، حتى تكونت شريحة كبيرة لم تعد تميز إن كان مرض «كوفيد-19» مصطنعاً أم حقيقياً. ولم يعد المجتمع الأميركي قادراً على إجابة هذا السؤال: هل انتخب الشعب الأميركي الرئيس دونالد ترامب، أم أنه جاء نتيجة التدخل الروسي في الانتخابات؟ هل صنعت نخبة من السياسيين الأميركيين فيروس كورونا وأطلقته؟ أم أنه خرج من الصين؟

وينصح الفيلم المشاهدين بالتحقق من المصادر، وقراءة الأخبار من المواقع المعتمدة، والتوقف عن ترويج فيديوهات لأشخاص غير معروفين، يبثون معلومات مضللة وأكاذيب دمرت عقول المستخدمين، حتى لم يعد أحد يعرف من يصدق.

عودة إلى الفقرة الأولى، وبالنظر إلى نموذج نتفليكس، فإن تطبيق هذه المنصة لا يتوقف عن إرسال إشعارات عن أفلام أو مسلسلات، ينصح المشترك بمشاهدتها استناداً إلى ذوقه، خصوصاً أن نتفليكس توظف الطريقة ذاتها لقراءة وتخمين سلوك وذوق مشتركيها، كما تفعل بقية منصات التواصل.

بعد انتهائك من مشاهدة فيلم أو حلقة من مسلسل، فإن نتفليكس لا تتوقف بل تأخذك إلى فيلم آخر بناء على ذوقك أو الحلقة التالية مباشرة. لذا فهي ليست بريئة أبداً في ما يتعلق بإدمان المستخدم.

وجود منصة نتفليكس ومنصات التواصل، رغم اختلاف غرض كل منها، دليل تقدم علمي مذهل هو أشبه بالسحر. وكما كان اختراع الطائرة كالسحر منذ 100 عام، فإننا اليوم نعيش تلك اللحظة نفسها لكن مع اختراع مختلف.

قد نشعر بصعوبة بالغة في العيش دون «سوشيال ميديا» بهذا العصر الرقمي.. لكن السؤال هو: كيف عشنا دونها قبل 2010؟

لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.


وجود منصة نتفليكس ومنصات التواصل، رغم اختلاف غرض كل منها، دليل تقدم علمي مذهل هو أشبه بالسحر.

صعوبة بالغة في العيش دون «سوشيال ميديا» في هذا العصر الرقمي، لكن السؤال هو: كيف عشنا دونها قبل 2010؟

طباعة