إيثان هوك مبدع في الظروف المناسبة

مايكل ألميريدا يخفق في إيصال التيار الكهربائي إلى «تيسلا»

صورة

شيئان يتبينان بعد مشاهدة فيلم Tesla للكاتب والمخرج مايكل ألميريدا، عن حياة مهندس الكهرباء الشهير والمخترع الأميركي من أصل صربي نيكولا تيسلا. الأول أن المخرج ليس مهتماً بصنع فيلم سيرة ذاتية مباشر، وذلك بتوظيف أسلوب المُلصقة أو الفن التلصيقي، أي أن الفيلم مكون من أجزاء مختلفة النبرة ويمزج التاريخ بالدراما والخيال والتوثيق بشكل فج.

والهدف من ذلك أن ألميريدا يريد من شخصياته أن تتفاعل مع الجمهور لأنه يعلم أن عامل التفاعل لن يكون ممكناً في الأسلوب التقليدي الذي يشبهه الكثيرون بويكيبيديا. والنتيجة لم تثمر بالضرورة بالشكل المطلوب.

والشيء الثاني أن صانع الفيلم اختار أن لا يقدّم «تيسلا» بطريقة كاريكاتيرية لشخصية غريبة الأطوار، والتي وُظفت في أعمال أخرى. بدلاً من ذلك وبمساعدة من بطله إيثان هوك تمكن من صناعة شخصية تراجيدية إلى حد ما ولن يتفق عليها أحد.

لو وضعنا العناصر غير التقليدية جانباً، فإن «تيسلا» عن مخترع عاش في آخر القرن 19 وأول الـ20 مع تركيز أكبر على السنوات الواقعة بين 1884، عندما هاجر إلى الولايات المتحدة وبدأ العمل لدى توماس أديسون، و1905 عندما انهار مشروعه ووردين كليف تاور، الذي موله جزئياً المليونير جي بي مورغان.

رغم أن هذا العمل يغطي مادة فيلمThe Current War نفسها العام الماضي، والذي تقمص فيه نيكولاس هولت شخصية تيسلا إلا أن النبرة مختلفة. يركز الفيلم على الشخصية أكثر من المخترع لأنه يضيف جانباً خيالياً يتعامل فيه تيسلا (هوك) مع أديسون (كايل مكلاكلان)، وجورج ويستنغهاوس (جيم غافيغان)، وجي بي مورغان (دوني كيشاوارز) وسارة بيرنهاردت (ريبيكا دايان).

لو أخذت أي مشهد من «تيسلا» فقد يبدو لك من فيلم سيرة ذاتية عادي، لكن هناك جرعات تنشيطية عدة يضخها ألميريدا في الفيلم لتجديد نبرته بين الفينة والأخرى. تروي آن مورغان (إيف هيوسن) الفيلم وهي ابنة المليونير المذكور. آن شخصية صغيرة في الفيلم تظهر بين حين وآخر على شكل ضمير المخترع.

في الحقيقة قيل إنها كانت واقعة في حبه لكنه لم يبادلها المشاعر. في الفيلم تروي آن القصة من المستقبل، حيث تبحث عن تيسلا من خلال «غوغل» وتصحح مسار الفيلم للمُشاهد بالتحدث إليه مباشرة. وتقول إن تيسلا حافظ على شعبيته حتى في القرن 21 مستشهدة بعدد نتائج بحث «غوغل».

كما يحوي الفيلم مشاهد خيالية أقرب إلى سيريالية نرى فيها تيسلا وأديسون يلطخان وجهي بعضهما بعضاً بآيس كريم! ونراهما يتصالحان فيه في معرض شيكاغو الدولي. تحافظ آن على النبرة الجادة عندما تظهر بعد تلك المَشاهد لتقول إن هذا لم يحدث فعلاً.

ربما أغرب هذه المشاهد السيريالية عندما يظهر تيسلا ممسكاً بمكبر صوت ويغني أغنية «الجميع يريد أن يحكم العالم» لـTears of Fears الشهيرة من الثمانينات.

تمكن هوك - الذي تعاون مع ألميريدا ومكلاكلان منذ 20 عاماً في فيلم هامليت وهي مسرحية لويليام شكسبير نقلت شخصياتها وأحداثها إلى نيويورك في الزمن الحديث - من ابتكار شخصية غير مرتاحة مع نفسها. يعج بالأفكار والاختراعات، بعضها رائع والآخر غير قابل للتطبيق أو مجنون، وكنتيجة ليس لديه وقت ليكون إنساناً اجتماعياً.

في أحيان كثيرة خلال الفيلم يؤدي هوك الشخصية ببلادة أو كأنه مشوش لا يفهم لماذا تبدو الأشياء واضحة له وليست كذلك للآخرين. ردة فعله لرفض مورغان النهائي تمويله والذي يحدث في ملعب تنس قبل مشهد الغناء موجعة، وهوالذي يذكر بموهبة هوك الفذة في الأداء خصوصاً لو أعطي النص المناسب.

عندما كتب ألميريدا أول معالجة نصية للفيلم عام 1982 للمخرج البولندي جيرزي سكوليموسكي، كان العالم مختلفاً. في ذلك الوقت لم تكن الاتصالات اللاسلكية التي آمن بها تيسلا منتشرة. حتى اسم تيسلا لم يكن معروفاً في ذلك الوقت، ولم يتحول إلى علامة تجارية إلا عندما أطلق إيلون مسك سيارته الشهيرة.

رغم أن ألميريدا وجد صعوبة في تسويق النص لأربعة عقود إلا أن الفيلم يأتي اليوم في وقت أصبحت الاتصالات اللاسلكية رمزاً لهذه الحقبة الذهبية، وبالنظر إلى بدايات محاولة المخرج تسويق النص، فإن المقارنة تصبح مذهلة عندما نرى أن العالم انقلب رأساً على عقب وأصبح الناس تتندر على الاتصالات السلكية.

أفلام السيرة الذاتية تعد لغزاً في السينما إذ لا توجد معادلة واحدة واضحة لصنعها أو للنجاح فيها. والنقاش الدائر في هوليوود حولها يلخص في هذا السؤال: كيف يعرف شخص في هذا القرن شخصاً آخر عاش منذ 200 عام؟ أو كيف يصنع مخرج فيلماً عن شخصية من زمن ماضٍ لم يقابلها مطلقاً؟

الجواب: السير الذاتية مجرد تخمين في السينما! نجاح فيلم أو فشله يعتمد على أكثر من مجرد موهبة ممثل أو حنكة مخرج. نعم هناك غموض في المعادلة، ألم يخفق محنك مثل كلينت إيستوود في «جي إدغار» رغم وجود ليوناردو ديكابريو.

سر النجاح غامض، هناك سحر في العملية، ألم ينجح الراحل ميلوش فورمان مع توم هولس في التحفة الموسيقية Amadeus واختطف أوسكار 1984 لأفضل فيلم؟ واختفى هولس بعد ذلك الأداء الأسطوري ولم يعد للواجهة أبداً.

ألم يكررها فورمان مع جيم كيري في «رجل على القمر» عام 1999؟ لكن لم تنجح المحاولة! هذا ما نعنيه والمراد قوله هنا أن «تيسلا» جيد في أجزاء منه فقط، لكن ينقصه عامل السحر أو أنه بعيد عن «التيار الكهربائي» الضروري لانطلاق الفيلم بالشكل المطلوب. «تيسلا» بشكل عام يبدو كأن المخرج صور ملاحظاته عن الفيلم بدل تصوير الفيلم نفسه.

الذين يفضلون أفلام سير ذاتية تسرد مثل كتب التاريخ قد لا يعجبهم «تيسلا» الذي يوظف تكتيكات سينما غير معتادة لوضع الحقائق في سياق ترفيهي بدل سردها في سياق محاضرة مضجرة. لكنه سيعجب أولئك المهووسين بمشاهدة أي فيلم يظهر فيه هوك، خصوصاً أن هذا الرجل يمضي جل وقته في أفلام مستقلة ويبتعد قدر المستطاع عن نظام الاستوديوهات. هذا فيلم فني بالدرجة الأولى صنع لشريحة صغيرة وليس لاستهلاك الجمهور.

• أفلام السيرة الذاتية تُعد لغزاً في السينما إذ لا توجد معادلة واحدة واضحة لصنعها أو للنجاح فيها.

• صانع الفيلم اختار أن لا يقدّم «تيسلا» بطريقة كاريكاتيرية لشخصية غريبة الأطوار، وتمكن من صناعة شخصية تراجيدية.

• «تيسلا» جيد في أجزاء منه، لكن ينقصه عامل السحر.. ويبدو كأن المخرج صَوَّر ملاحظاته عن الفيلم بدل تصوير الفيلم نفسه.

للإطلاع على الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.

طباعة