الأجرأ والأشد تعقيداً للمخرج

«تينيت».. كريستوفر نولان يعيد تعريف سينما الخيال العلمي للمرة الثانية

صورة

«تينيت» أو Tenet أو «تينيت»، كلمة تُقرأ من الجهتين باللغتين، حتى لو ذكرنا الاسم بالعربية مرتين في هذه الفقرة فإنه ليس عبثاً. «تينيت» تُعني عقيدة أو مبادئ، لا تنظر إلى المعنى فهو لا يعني شيئاً، لكن انظر إلى الاسم باللغتين واقرأه من الجهتين.

ثم انظر إلى ملصق الفيلم، ستجد البطل يصوب مسدسه في اتجاهين متعاكسين في الوقت نفسه، وكأنه انعكاس لنفسه. هل شاهدنا هذا في أفلام سابقة؟ ربما ولكن «تينيت» يبقى فيلماً مختلفاً. تأتي العبقرية السينمائية بأشكال مختلفة، ربما ليس مطلوباً أن يكون الفيلم أصلياً بالكامل، لكنها تعتمد على طريقة العرض. فيلم «سبوتنيك» الروسي كمثال. أو تعتمد على عرض القصة نفسها بإعادة تدوير الشخصيات (ثلاثية الويسترن الكلاسيكية لهاورد هوكس وجون وين: ريو برافو 1959

وإلدورادو 1967 وريو لوبو 1970)، أو تعتمد على عرض الفكرة نفسها بطرق مختلفة، لكن كل طريقة تبهر المشاهد في حد ذاتها. وهنا يتفرّد صانع الأفلام الإنجليزي كريستوفر نولان بطرقه الخاصة.

«تينيت» وTenet و«تينيت» صدقونا التكرار ليس عبثاً، وإنما هو في الشفرة الوراثية للفيلم، هذا ليس Groundhog Day وليسEdge of Tomorrow، ولا حتى Terminator أو Predestination هذا فيلم لم تشاهدوه من قبل! هذا فيلم يشاهد من البداية إلى النهاية وبالعكس!

هذا فيلم عليك أن تختار إما أن تفهم القصة أو تستمتع بمشاهد الحركة والإثارة والمطاردات والتفجيرات والقتال.. إن اخترت فهم القصة فذلك ليس مضموناً، لأنه «تينيت» من الجهتين، وإن اخترت الأكشن فلن يضاهي متعتك هنا أي شيء آخر.

نولان عبقري، لا يأتي إلا بسينما أصلية وأفكار غير عادية في حقبة سينما مفلسة أصلاً. هذا الفيلم الذي يتوقع الخبراء أنه سينقذ السينما من ركود وباء «كوفيد-19»، وهو الفيلم الذي أصرّ صانعه على عرضه سينمائياً وتنازلت استوديوهات «وورنر بروس» عن عرضه في الولايات المتحدة أولاً، حيث يفتتح الأسبوع المقبل في بعض الولايات دون أخرى. لكنه افتتح في الشرق الأوسط وأوروبا.

وهو أغلى فيلم أصلي لصاحبه، لكن لا يهمنا إن كان سينقذ صناعة مفلسة أصلاً، المهم هو قدرة نولان على صنع فيلم أصلي وبجودة عالية يجعل المشاهد يحك رأسه من الحيرة الشديدة بعد مشاهدته ويفكر فيه لأيام، هذا بالضبط الذي يُسمى سينما أصلية.

«تينيت» فيلم خيال علمي عملاق ومحير، فيلم ترفيهي بالدرجة الأولى، يواجه بطله الذي يُسمى «شخصية رئيسة» توغلات من المستقبل، بينما الحركة الزمنية تذهب بالاتجاهين في الوقت نفسه، أي من الماضي إلى المستقبل وبالعكس، يعني عوالم متوازية.

يوجد مشهد مذهل لطائرة طراز 747 تنفجر ثم تصطدم بمستودع في مطار وتتحطم! ثم بحركة عكسية تخرج من الحطام ولا يحدث الاصطدام ولا الانفجار، هل فهمتم شيئاً؟ لا تحاولوا فهذه غرابة «تينيت»! ستتضح الأسباب لاحقاً في الفيلم عندما تشرح إحدى الشخصيات حركة الزمن.

يتصل نيل (روبرت باتنسون) ضابط في المخابرات البريطانية في مومباي بشخصية رئيسة (جون ديفيد واشنطن).

يتلقى «شخصية رئيسة» أوامر من وكالة أميركية حكومية سرية بمعالجة أزمة متعلقة بحرب باردة جديدة، وهي هجوم من المستقبل من قوات قادرة على التلاعب بالزمن و جعله معكوساً.

الفقرتان السابقتان تبدوان غير مترابطتين، أو كأنهما مشهدين منفصلين، نرجو المعذرة، هذا «تينيت»!

ترى «شخصية رئيسة» مسدسات تمتص الرصاصات بدل إطلاقها ويندهش كما نندهش! السؤال: «من سيستغل هذه التقنية المرعبة التي تعكس الزمن وكيف يمكن مواجهتها؟»، هذا يقود بطلنا دون اسم إلى تاجرة أسلحة هندية ثرية تُدعى بريا (ديمبل كاباديا)، والروسي الأوليغاركي أندريه ساتور (كينيث براناه)، وزوجته المضطهدة كات (إليزابيث ديبيكي)، وساتور هذا يمتلك التقنية للتنقل عبر الزمن بالاتجاهين، أي أنه حسب قواعد لعبة الفيلم يتحكم في العالم.

من ناحية الأداء، فإن ديبيكي تتسيد الفيلم لأن دورها يتطلب إظهار الكثير من العواطف، فهي الزوجة المضطهدة من زوج شرير ظالم يهدّدها بالحرمان من ابنها، فنراها تخطط وتغضب وتبكي وتتألم. أما البقية فجميعهم يؤدون بلا عواطف، خصوصاً واشنطن وباتنسون اللذين يعملان معاً، والأخير يلقي بالنكات بين حين وآخر. وهناك ظهور لمايكل كين في دور ضابط مخابرات بريطاني، وكين موجود في كل أفلام نولان تقريباً.

هذه القصة المبسطة ولا داع أبدا للتوسع أكثر لأن النص معقد جداً، إن أردت أن تنجو بعقلك وتفهم شيئاً من الفيلم، فهناك طريقة بسيطة: فكر بالعكس، كل شيء معكوس، أو كما يقول نيل لصاحبه: «لديك مستقبل في الماضي!»، لقطات كثيرة تتكرر في الفيلم من اليمين إلى اليسار والعكس!

كلما تكررت لقطة تظهر تفاصيل جديدة تكتشفها «شخصية رئيسة»، يوجد مشهد تحطم طائرة وعكسه ومطاردة سيارات رهيبة وعكسها ومشهد معركة في مستودع مطار وعكسه! الحركة معكوسة والناس تمشي للخلف، لكن هل شاهدت شخصين يتعاركان بالعكس؟! وهل تحرق النار شخصاً دخل زمنا معكوساً؟! هذه غرابة «تينيت».

نولان مهووس بفكرة الوقت والسفر عبر الزمن، ولو عدنا لكل أفلامه الأصلية باستثناء ثلاثية باتمان سنجد التالي: «ميمينتو» عن رجل مصاب بفقدان ذاكرة قصير الأمد لا يتذكر ما حدث، أخيراً،

والفيلم عن تحقيق الرجل في مقتل زوجته يأخذ القصة في سيناريو للأمام ومشاهد استرجاعية تعود بالزمن إلى الخلف.

ثم أتى نولان بـ«إنسومنيا»، وهو إعادة لفيلم نرويجي بالعنوان نفسه، عن محقق يذهب إلى آلاسكا للتحقيق في جريمة قتل، وعندما يتغير عليه الوقت (نهار ستة أشهر وليل ستة أشهر) يصاب بالأرق ويقتل شرطياً بالخطأ نتيجة هذيانه.

ثم «ذا برستيج» وهو اقتباس من رواية ويتضمن جهازاً يتلاعب بالزمن، ثم «إنسبشن» عن رجل متخصص في سرقة الأفكار أو زراعتها بغزو أحلام ضحاياه، وهنا تختلف سرعة الوقت بين طبقات الحلم والواقع.

ثم «إنترستيلار» عن رجل يسافر عبر المجرات ليكتشف كوكباً بديلاً بعد دمار الأرض، وكلما حل على كوكب يتباطأ الزمن بشدة أو يتسارع بشدة حتى غدا عمره أكثر من 100 عام ولم يتغير شكله. وفي هذا للفيلم أعاد نولان تعريف سينما الخيال العلمي.

ثم «دنكيريك» ويحوي قصة من ثلاث وجهات نظر: الأولى تجري على الأرض على مدى أسبوع. الثانية تحدث بالبحر في يخت يشارك في عمليات الإنقاذ في يوم واحد. الثالثة تحدث في الجو مدة ساعة واحدة.

وأخيراً «تينيت»! قلنا في قراءتنا لدنكيرك في هذه المساحة في صيف 2017 إن «كريستوفر نولان أعاد تعريف سينما الحرب العالمية الثانية»، ونقول اليوم إن «(تينيت) يعيد تعريف سينما الخيال العلمي، خصوصاً أفلام السفر عبر الزمن للمرة الثانية في عقد واحد». لاحظ كل أفلام نولان الأصلية عنوانها كلمة واحدة.

هذا الفيلم جريء ومعقد ومجنون لدرجة لا توصف، وليس مهماً أن تفهمه، وربما ليس مطلوباً فهمه، لكن عليك تقدير هذه التحفة السينمائية الأصيلة التي صنعها نولان.

لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.


«يجعل المشاهد يحك رأسه من الحيرة الشديدة بعد مشاهدته ويفكر فيه لأيام، هذا بالضبط الذي يُسمى سينما أصلية».

«إما أن تفهم القصة أو تستمتع بمشاهد الحركة والإثارة والمطاردات والتفجيرات والقتال».

هذا الفيلم الذي يتوقع الخبراء أنه سينقذ السينما من ركود وباء «كوفيد-19».

طباعة