رومولا غاراي تتعاطف مع حركة «مي تو»

«أميوليت».. البطء وأفكار غير ناضجة تقوض الرعب

صورة

نعود إلى المعادلة ذاتها في سينما الرعب، بيت مهجور أو معزول أو لا يهم أين يقع، لكن المهم أنه يحوي سراً. وهذا السر موجود في العلية. أحياناً يستطيع صانع الأفلام توظيف المعادلة نفسها 100 مرة، لو أن لديه عشرات الأفكار في مخيلته.

ولا تهم عشرات الأفكار، إنما ما يهم هو كيف يوظفها لإحداث التأثير المرغوب في النفس البشرية، وجعل الفيلم تجربة لا تنسى. الطريقة الأخرى هي عرض الأفكار نفسها المجربة سابقاً، وإنما بشكل جديد لم نشاهده من قبل.

بالضبط كما فعل آري أستر في Hereditary عندما قلب فكرة «روزميريز بيبي» 1968 رأساً على عقب. هي الفكرة نفسها بالضبط، لكنه عرضها بطريقة جديدة. أو كما فعل آستر نفسه عندما قلب فكرة The Wicker Man عام 1973 لروبين هاردي في فيلمه Midsommar العام الماضي.

نعود إلى بيت الرعب وأسرار العلية، في Amulet، «التعويذة» هناك تضارب أفكار كلها جيدة، لكن المخرجة رومولا غاراي، وهي ممثلة إنجليزية تخوض تجربتها الإخراجية الأولى، لا يبدو أنها تحسن طريقة مزج الأفكار مع الموضوع الذي تريد طرحه من خلال الفيلم.

يتكون الفيلم من خطين زمنيين يحوي كل واحد منهما قصة تعتصر القلب، وفنيات مستعارة بشكل مفرط من أفلام رعب البيوت المسكونة بالشياطين والأرواح الشريرة. تقدم غاراي شيئاً واعداً، رغم أنه لا يبدو ناضجاً من ناحية الأفكار، ومحيراً في الوقت نفسه، إذ على المشاهد أن يركب القصتين الواردتين في الخطين في عقله.

تمزج غاراي أيضاً أفكاراً من Body Horror وهو اتجاه فرعي في سينما الرعب يتعلق بتشوه الأجساد بشكل مقزز، ورائده صانع الأفلام الكندي ديفيد كروننبيرغ. ما يعكس أن مخرجة الفيلم ملمة بأساليب الرعب أفضل من كونها كاتبة نص أو قصة.

يقود طاقم الشخصيات في «أميوليت» توماز (الروماني أليك سيكارينو)، وهو في الخط الزمني الأول (المشاهد الاسترجاعية) جندي سابق بجراح نفسية غائرة من الماضي، الذي أمضاه في حرب ربما تكون أهلية في القارة الأوروبية، وغالباً هي إشارة لحرب البلقان التي فككت يوغسلافيا السابقة.

نراه في غابة على بعد يومين من أقرب بلدة يؤدي وظيفة تافهة. ثم فجأة تدخل عليه ميريام (اليونانية أنجليكي بابوليا) في كوخه. تبدو المرأة خائفة وتائهة، وتوماز الذي يظهر كمن يكافح رغبات شريرة يحاول تهدئتها وإشعارها بالأمان. في يوم ما يعطيها توماز تعويذة وجدها مدفونة في الغابة، ويقول لميريام أنها ستحميها من الشرور.

في القصة الرئيسة أو الخط الزمني الثاني، نرى توماز في لندن في وظائف وضيعة حتى يقع حريق يشرده من مأواه، ويضعه تحت رحمة الراهبة كلير (إيميلدا ستونتون). تعرض عليه الراهبة الإقامة عند امرأة في منزل شبه متهالك مقابل القيام بمهام صيانة للمنزل.

صاحبة المنزل هي الخجولة ماغدا (السويسرية كارلا جوري)، التي تعتني بوالدتها المريضة المعزولة التي لا تتوقف عن الصراخ في العلية، وتطهو لتوماز وجبات من اللحوم. تبدأ الأشياء الغريبة بالوقوع، ما قصة مشكلة الحمام المهمل بشكل فظيع؟ ما هذا المخلوق نصف الخفاش نصف الجرذ القابع في المرحاض؟ ما قصة المنزل ومن كان يعيش فيه قبل ماغدا ولماذا غادر أصحاب المنزل وتركوا أغراضهم فيه؟

تجيب غاراي عن كل الأسئلة بدرجات متفاوتة، وتستبدل أولوياتها في السرد، اعتماداً على قوة العلاقة بين توماز وماغدا، لكنها تفعل كل ذلك ببطء شديد جداً تجعل عشاق أفلام الرعب يتساءلون إن كان ما يشاهدوه دراما أم رعباً؟

سبب البطء إصرار غاراي على إدخال الموضوع الذي تريد طرحه، وهو يعكس تعاطفها مع حركة «مي تو»، التي نشأت كردّة فعل على فضيحة منتج الأفلام السابق هارفي واينستين المتهم باستغلال النساء العاملات معه جنسياً.

تمزج غاراي بشكل غير متقن مشاهد رومانسية غريبة ومشاهد تحوي رموزاً عن أساطير لا تحمل في مجملها أي معنى. رغم ذلك فإن الفيلم بشكل عام ليس سيئاً.

تكافئ غاراي المشاهد، الذي يحتمل بطء فيلمها بمفاجأة مشهد النهاية الذي يكشف السر، ولنا وقفة هنا. لو عقدنا مقارنة بين فيلم Hereditary المذكور سابقاً و«أميوليت»، نجد كلاهما بطيئاً في السرد، وهناك فرق.

آستر مخرج الأول يعرض فكرة غامضة ستنكشف بالكامل في المشهد الأخير، وكل ما يفعله هو الاستحواذ باستمرار على انتباه المشاهد بوضع مفاجآت صغيرة وفنيات عالية الجودة، اعتماداً على الإضاءة الخافتة. وكل مشاهد آستر الحوارية، أو الرعب مرتبطة بفكرة الفيلم الرئيسة، لا توجد لقطة واحدة تبدو كأنها من فيلم آخر.

نأتي إلى أميوليت، غاراي لديها بيت مسكون، لكنها لا تذهب باتجاه إخافة المشاهد، لأن موضوعها عن الرجل الشرير الذي يستغل المرأة وكيف تعاقبه. هذا سبب وجود علاقتين رومانسيتين غير ناضجتين بين توماز وميريام في الخط الزمني الأول، وتوماز وماغدا في الخط الثاني.

في الخط الأول لا يوجد أي رعب، لكن يوجد مشهد واحد يوضح ما الذي فعله توماز بميريام ليستحق العقاب في الخط الثاني. في الخط الثاني لا تتطور العلاقة الرومانسية، وإنما تتحول إلى هوس من طرف توماز بماغدا، الذي يقرر إنقاذها من براثن الشيطان الأكبر أو الشر المتأصل في المنزل.

فنيا، فيلم غاراي لا يعتمد على مشاهد الظلام، لكنه يرتكز على المشاهد المقززة للمرأة العجوز في العلية والمخلوقات الخارجة من جسدها.

في مشهد انكشاف السر، وبالضبط كما حدث في Hereditary، فإن توماز هنا يلقي بنظرة على شكل عالم الشياطين، في الفيلم الأول لم تخل اللقطة من ظلام دامس نرى خلاله مشهداً يرسل الرعب في أوصال المشاهد، لكن هنا نرى مخلوقاً نعلم أنها امرأة لا تبدو حتى شيطانة والخلفية بلون وردي، والمشهد برمته أقرب إلى مسرحية أطفال، أو ربما خيال مجنون لفتاة مراهقة، والمشهد لا يتناسب مع الرعب الذي سبقه بدقائق.

ربما لم يكن هدف غاراي الرعب بقدر ما هو تسليط الضوء على رغبتها في انتزاع المظلومات حقوقهن من رجال ظالمين. هذا الفيلم ينتمي لسينما رعب فنية أكثر من جماهيرية.

لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.


هدف غاراي ليس الرعب، بل تسليط الضوء على رغبتها في انتزاع المظلومات حقوقهن من رجال ظالمين.

يستطيع صانع الأفلام توظيف المعادلة نفسها 100 مرة، لو أن لديه عشرات الأفكار في مخيلته.

الفيلم ينتمي لسينما رعب فنية أكثر من جماهيرية.

طباعة