أول فيلم للمخرجة ناتالي جيمس

«ريليك».. أساسيات الرعب الكلاسيكية ترتقي بالعناصر التقليدية

صورة

نتساءل: «لماذا تقريباً كل أفلام الرعب أبطالها نساء؟»، لو تتبعنا جذور أفلام الرعب النسائية، أو كما تسمى أفلام «الفتاة الأخيرة»، يعني التي تنجو في النهاية سننتهي عند هالوين 1978 لجون كاربنتر.

سينما الرعب مليئة بالمعادلات المتنوّعة والموجات المتناغمة أو المتعاكسة، أحياناً ضحايا القاتل أولاد مراهقين، وأحياناً فتيات، وأحياناً عائلة يموت فيها الأب أولاً، وينحصر الصراع بين عنصر الشر ضد الأم وابنتها.

بكلمات أخرى، ما شاهدناه في 40 سنة الماضية كان معادلة فيلم هالوين تُحدث باستمرار حسب متطلبات الأجيال، وبالطبع حسب قوة التأثير في نفسية الجمهور، مثلاً، مشاهدة فتاة تواجه القاتل المقنع أفضل من لقطة رجل يواجهه، السبب لأن سيناريوهات الصراع في حالة الفتاة مفتوحة على احتمالات أكثر من حالة الرجل.

الرجل ضد قاتل مقنع قد يكون صراعاً متكافئاً، لكن الفتاة ضد القاتل فهنا نعلم أن الفتاة هي العنصر الأضعف، وبالتالي سنهتم أكثر في مجريات الصراع. أفلام الرعب فتحت المجال أكثر لتحوي العلاقة بين زوجين ضد كيان شرير (ذا كونجورينغ)، وتتوطد علاقة الزوجين كلما واجها الكيان وهو شيطان في هذا الفيلم، لكن في النهاية الزوجة توجه الضربة القاضية للشيطان.

تتناول هذه الأفلام كذلك العلاقة بين الأم وابنتها ضد شيطان، والرجل هنا قسيس (أشهر مثالThe Exorcist طارد الأرواح لويليام فردكن 1973)، والآن دخل ما يبدو أنها موجة جديدة وهي صراع جدة وأم وحفيدة ضد كيان شرير، الظريف أن هالوين نسخة 2018 هو أول من قدمها، واليوم لدينا فيلم Relic وهو ينسخ ذات المعادلة: جدة وأم وحفيدة ضد كيان غامض.

لكن «ريليك» مختلف جداً في تكوينه، إذ يمكن النظر إليه من زاويتين في الوقت نفسه، الأولى كيان شيطاني أو غامض مستحوذ بالكامل على فرد من العائلة، بينما البقية تحاول إنقاذه وهم يعلمون أنهم متجهون نحو نهاية ظلامية أو غامضة بلا حل. أمثلة: روزميريز بيبي 1968، وHereditary في 2018 والثاني مستلهم من الأول.

والثانية، شخص يعاني نوبة جنون غامضة من وجهة نظر بقية أفراد العائلة. كاي (إيميلي مورتيمر) أم لمراهقة ممتعضة تُدعى سامانثا (بيلا هيثكوت). تبلغ الشرطة كاي أن والدتها وجدة سامانثا، إدنا (روبين نيفين) مختفية منذ عدة أيام.

تهرع الأم وابنتها إلى بيت الجدة الواسع، الذي بالطبع يقع في منطقة معزولة ومبني من الخشب وخلفه غابة، لأنه من دون هذه المواصفات فلن يكون لدينا فيلم رعب! بعد يومين تيأس كاي وتفقد الأمل في ظهور إدنا، لكن الجدة تظهر فجأة دون مقدمات في المطبخ وقدماها قذرتان بلون أسود. لكن المخيف أنها تتصرف بشكل عادي وكأن شيئاً لم يحدث.

تسأل إدنا: «أين ذهب الجميع؟»، السؤال محير لأن الجميع موجودون. يظهر طبيب «غافل» بمنطق الفيلم ويتحدث بلغة طبية، مثل كل أطباء أفلام الرعب ليقول: «إدنا طاعنة في السن ومصابة بالخرف، وكل أفعالها طبيعية في هذا السياق، وهي بحاجة إلى رعاية خاصة في دار مسنين».

تأخذ المرأتان إدنا إلى منزلها وتتناقشان في إمكانية إدخالها إلى دار رعاية. بينما هما في هذا النقاش، تبدأ الأشياء الغريبة في الحدوث لإدنا وللمنزل، وهي أشياء لا يمكن شرحها ولا تفسيرها لأن هذا ليس هدف الفيلم.

هناك بقعة سوداء تزحف على الجدار متجهة إلى السقف، هناك صوت حركة داخل الجدران، هناك شعور بأن الجدران نفسها تتحرك، هناك هيئة مغطاة بسواد تمشي خلف كاي، فضلاً عن غسالة تعمل من تلقاء نفسها. إضافة إلى لقطة بشعة لإدنا تفتح قميصها لنرى بقعة سوداء ضخمة تغطي صدرها، الذي توجه إليه طعنات بالسكين كلما انتابها الجنون.

المخرجة ناتالي إريكا جيمس، وهذه تجربتها الإخراجية الأولى، التي شاركت في كتابة النص مع كريستيان وايت، تعتمد على أساسيات سينما الرعب المعروفة، مثل الأصوات الغامضة، قصاصات أوراق صغيرة تعلقها إدنا في أماكن لتذكرها بوقت الدواء، وقصاصات أخرى مكتوب عليها عبارات غامضة مثل: «لا تتبعه».

إضافة إلى لقطات لدهاليز المنزل وإحدى اللقطات لدهليز مظلم آخره باب توظف ناتالي فيها أسلوب «الزاوية الألمانية». وهذه اللقطة تحديداً تبرزها المخرجة بشكل لافت في منتصف الفيلم وبمعزل عن مشاهد أحداثه.

في النصف الثاني من الفيلم تتسارع الأحداث وتستغل ناتالي ممثلاتها الثلاث أفضل استغلال، فلا توجد ممثلة بلا شئ تفعله. الجدة تعيش نوباتها والأم تحاول فهم أسباب النوبات غير مصدقة أن ما يحدث بفعل قوى خفية، في الوقت نفسه سامانثا تدخل دولاباً لتكتشف عالماً خفياً وراءه وتضيع فيه.

هناك مشهد غير منطقي ويبدو أن ناتالي وضعته لربط مشهدين كان بالإمكان ربطهما بطريقة أخرى. الجدة في الحمام جالسة في المغطس الذي امتلأ بالكامل والماء يفيض منه ليصب على الأرض. تنتقل الكاميرا إلى مقبس كهرباء بين المغطس والمرحاض موصول بجهاز تدفئة على ما يبدو.

السؤال: «في أي نوع من الحمامات في العالم يضع المقاول مقبس كهرباء في هذا المكان الذي من المستحيل ألا يصله الماء؟».. طبعاً الماء يصل وتنطفئ الكهرباء بفعل صاعق كهربائي، وتنتقل الكاميرا إلى خارج المنزل لنرى أن أضواءه انطفأت بالكامل.

ألم تكن هناك طريقة أخرى لإطفاء النور! المعروف أن مقابس الكهرباء في الحمامات تكون بجانب المرآة وبعيداً عن الصنبور أو مصادر المياه، لكن يبدو أن ناتالي أرادت فرض رابط لمشهدين لا يرتبطان منطقياً. أو أن الحمامات في أستراليا، حيث تدور قصة الفيلم تحوي مقابس بجانب مصدر الماء وهو ما نستبعده تماماً.

يحوي الفيلم مشاهد رمزية، مثل لقطة الجدة تأكل صور ذكرياتها في الغابة المجاورة، وهو ما يوحي أنها تحاول حماية ذكرياتها من ذلك الكيان الغامض في المنزل الذي قد يرمز لمرض الزهايمر.

نهاية الفيلم ظلامية وتقليدية في الوقت نفسه، لكن العبرة ليست في النهاية ولا حتى في تفسير ما يحدث. إنما العبرة في قدرة المخرجة في تجربتها الأولى على صنع فيلم رعب بمعايير عالية، وعلى توظيفها الممتاز للشخصيات ولعناصر سينما الرعب الكلاسيكية، وابتكارها مشاهد مخيفة قد نكون شاهدنا مثلها سابقاً، لكنها تتناغم بشكل عميق في سياق جو عام من التوتر والخوف يغلف حالة صراع نفسي تقع ضمن صراع أكبر ضد قوى خفية.

لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.


نهاية الفيلم ظلامية وتقليدية في الوقت نفسه، لكن العبرة ليست في النهاية ولا حتى في تفسير ما يحدث.

يحوي الفيلم مشاهد رمزية، مثل لقطة الجدة تأكل صور ذكرياتها في الغابة المجاورة، وهو ما يوحي أنها تحاول حماية ذكرياتها.

«لماذا كل أفلام الرعب - تقريباً - أبطالها نساء؟».

طباعة