مستوحى من وقائع حقيقية

«غرايهاوند».. توم هانكس في دور كابتن للمرة الثالثة هذا العقد

صورة

مع تطوّر أفلام الحروب في واقعيتها لم يعد الأمر مقتصراً على مشاهد رصاصات متطايرة وانفجارات قنابل أو لقطة من طائرة تناور فوق الهدف، لإعطاء الجمهور إحساساً بوجودهم في قلب المعركة.

بل أصبح صناع هذه الأفلام يتعمدون إدخال مصطلحات عسكرية في الحوارات ويدمجون سيناريو الفيلم بالوقائع على أرض المعركة. نعم، قد لا تفهم كل ما يحدث لأن الصراع في يد الجنود والعسكر، لكنك لست وحدك فحتى الصحافي الذي يغطي تلك المعارك لا يفهم أنواع الأسلحة وتأثيرها لكنه ينقل إليك الصورة العامة، وهذا هو التأثير الذي نحصل عليه عند مشاهدة أفلام حربية تغلب عليها المصطلحات.

كتبنا عن «ذا آوتبوست» الأحد الماضي، وهو الآخر يغمس المشاهد في قلب الصراع وسيناريو الفيلم هو نفسه الذي حدث في الميدان، وهذه النزعة في أفلام الحروب تتمتع بتوثيق بصري أقرب إلى عمل صحافي أصيل.

اليوم لدينا Greyhound، المستوحى من وقائع حقيقية وإن كان في قصته قدر من الخيال، والمقتبسة من رواية The Good Shepherd، «الراعي الطيب» للمؤلف سي إس فوريستر المنشورة عام 1955. لكنه أي الفيلم يعطينا شعوراً قوياً بأنه قصة حقيقية لأن الأحداث محصورة في سفينة حربية واحدة وكل السيناريو والحوارات عن العمليات الحربية اللوجستية.

في فبراير عام 1942، كانت السفينة الحربية «غرايهاوند» تقود موكباً من 37 جندياً خلفهم مجموعة سفن إمداد في أخطر منطقة من شمال المحيط الأطلسي وتسمى الحفرة السوداء. سميت بهذا الاسم لأن موقعها بعيد عن أوروبا وبعيد أيضاً عن قارة أميركا الشمالية، وتالياً يصعب على جيوش الحلفاء من طرفي المحيط تغطيتها من الجو.

يمضي الموكب 50 ساعة من الإبحار في المنطقة ذات الأمواج المتلاطمة، لكن التهديد الحقيقي ليس من الأمواج العاتية إنما من الغواصات الألمانية التي تظهر فجأة على سطح البحر كأنها أسماك قرش من فيلم Jaws. السؤال: هل يستطيع طاقم غرايهاوند تفجير أي غواصة يواجهونها قبل أن تفجرهم وتغرقهم؟

يقود الكابتن إيرنست كروس (توم هانكس) معارك غرايهاوند خلال الحرب العالمية الثانية، وبمجرد اقتراب غواصة ألمانية نسمع مصطلحات عسكرية وأصوات قذائف ورصاص وتعليمات ملاحية بين البحارة.

تتسارع حركة الكاميرا ويهيمن التوتر على وجوههم وترتفع المؤثرات الصوتية التي تخفت قليلاً لتسمح للموسيقى بالحلول مكانها وتبث القلق في المشاهد نفس. ويتولد الأكشن في المشهد، لكن هذا ما شاهدناه في أفلام كثيرة عن الحرب العالمية الثانية على وجه الخصوص، الإضافة هنا هي تعابير وجه هانكس التي تخبئ تحتها عدائية وقلقاً.

فهو القبطان الشجاع الحاسم لكنه يشك في قدراته قليلاً، ويظهر ذلك على تقاسيم وجهه. رغم أن معظم مشاهد القتال تدور في الهواء الطلق إلا أن «غرايهاوند» يمكن تصنيفه فيلم «حرب غواصات»، نظراً لأن كل مشهد حربي يبدأ داخل قمرة القيادة ثم نرى نتيجته في البحر: إما قذائف غرايهاوند على العدو، أو تغيير اتجاهها والتفافها على صواريخ التوربيدو المطلقة عليها.

مشاهد الحرب في البحر وتفجير الغواصات ومشاهد سفن الموكب البحري كلها رقمية. رغم ذلك فهي دقيقة جداً في إعادة رسمها لمشاهد حربية حقيقية. الفيلم مغرق في تفاصيل عسكرية على حساب الدراما، ربما السبب أن الفيلم - الذي كتب نصه هانكس نفسه وأخرجه آرون شنايدر وأنتجه تحالف شركات منها شركة هانكس بلاي تون - كسيناريو مكتوب بشكل يشبه المذكرات، فكل جزئية تتضمن تفاصيل زمنية دقيقة عن يوميات الحرب، وقد يكون الفيلم استعار هذا من الرواية.

يعاني الفيلم ضعفاً في توصيف الشخصيات لكن ذلك لا يعني أنها سيئة تماماً، الممثلان ستيفن غراهام في دور الملاح المخلص كول وكذلك الممثل روب مورغان في دور جورج كليفلاند زميل كول، يجعلان حضورهما محسوساً.

أيضاً من نقاط ضعفه مشهد معركة طويل تم تصويره بفلتر مظلم لا يظهر منه شيء ويذكر بمعركة سيئة الإعداد والتصوير لا يظهر منها شيء في أسوأ وأردأ موسم من مسلسل لعبة العروش وهو الأخير.

يكسر شنايدر مشاهد المعارك بلقطتين استرجاعيتين من ذاكرة بطله تجمعه مع حبه إيفي (إليزابيث شو) التي يودعها قبل بداية الحرب. يؤنسن المشهد الكابتن قائد غرايهاوند والذي يتبين لاحقاً أنه متدين وحريص على الصلاة.

يراقب كروس رجاله ولا يسمح لهم بالتفوه بكلمات نابية حتى لو كانت بحق العدو، وعندما يصف أحد أفراد طاقمه الألمان بوصف تحقيري بعد انفجار غواصتهم يرد كروس: فقد العالم أرواحاً بهذه الضربة. إضافة إلى صلواته وقت الطعام مهما كانت الوجبة متواضعة.

وعندما تأتيه أخبار أن الرادار تعطل وسط هجمة غواصة فلا يغضب بل يكتفي بقول: مفهوم، ويشكر من جاءه بالأخبار السيئة. يعترض الألمان اتصالات السفينة ويبثون رسائلهم الساخرة: هل تظنون أنكم أفلتم من «الذئب الرمادي» (وصف الألمان لغواصاتهم)، أنت ورفاقك ستموتون اليوم.

في «غرايهاوند»، هذه ثاني مرة يؤدي فيها هانكس دور قبطان سفينة، وكانت الأولى في فيلم «كابتن فيليبس» الرائع، وثالث مرة في دور كابتن بعد دور ريتشارد فيليبس تحت إدارة بول غرينغراس وكابتن الطائرة تشيسلي سولينبرغر في «سولي» مع كلينت إيستوود.

في «غرايهاوند» نرى هانكس يؤدي شخصية خيالية في قصة حقيقية، وأما «كابتن فيليبس» و«سولي» فهما قصتان حقيقيتان بالكامل. لو تعمق شنايدر أكثر في شخصية كروس لربما أمكن مقارنة دور هانكس مع دور أيقونة هوليوود في الحقبة الذهبية همفري بوغارت في الفيلم التحفة The Caine Mutiny عام 1954 أيضاً في معركة بحرية من الحرب العالمية الثانية، عن قبطان سفينة حربية مصاب بالوسواس القهري والرهاب يواجه عصياناً بين بحارته الذين يعزلونه ويمسكون بزمام الأمور خوفاً على حياتهم من قراراته المتهورة.

في اليوم الأخير وعندما تنفد ذخيرة غرايهاوند تأتي النجدة من سلاح الجو في اللحظات الأخيرة لتقصف آخر غواصة وعندها نتنفس الصعداء ونسأل أنفسنا: كيف شعور من شارك في تلك الحرب؟ ربما هناك آلاف الأجوبة لهذا السؤال. فيلم غرايهاوند بتفاصيله الدقيقة للمعركة من تلك الحرب الكونية هو إحدى الإجابات.

لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.


كيف شعور من شارك في تلك الحرب؟ فيلم غرايهاوند بتفاصيله الدقيقة للمعركة من تلك الحرب الكونية هو إحدى الإجابات.

السيناريو الذي كتبه هانكس نفسه بشكل يشبه المذكرات مغرق في تفاصيل عسكرية على حساب الدراما.

طباعة