بدأ في التسعينات وتصريحات يوسف الشريف أعادته إلى الواجهة

«السينما النظيفة».. سجال الوسط الفني يعود إلى الواجهة

صورة

في ظل الجدل الذي فجّره الفنان يوسف الشريف، حول رفضه أداء مشاهد عاطفية في أعماله الفنية، عاد من جديد مصطلح «السينما النظيفة» ليفرض نفسه على الساحة الفنية، عبر سجال أعاد القضية إلى الواجهة. وهي ليست المرة الأولى التي يظهر فيها هذا المصطلح في مصر، فبدايته تعود إلى النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي، مع طرح أفلام كوميدية ذات طابع شبابي، وتخلو من المشاهد أو الإيحاءات الساخنة، وتخاطب كل أفراد الأسرة، مثل «إسماعيلية رايح جاي»، بطولة محمد فؤاد ومحمد هنيدي وحنان ترك، وإخراج كريم ضياء الدين، ثم فيلم «صعيدي في الجامعة الأميركية» لمحمد هنيدي وأحمد السقا ومنى زكي، وإخراج سعيد حامد، الذي حقق نجاحاً غير متوقع، وحصد إيرادات فاقت أفلام النجوم في تلك الفترة، ولكن النجاح الأبرز للفيلمين وما تلاهما من أفلام سارت على التوليفة نفسها هو عودة الأسر والعائلات إلى دور العرض السينمائي من جديد، بعد فترة مقاطعة طويلة نتجت عن موجة أفلام المقاولات، وهو مصطلح أطلق على أفلام كانت تُعَد بميزانيات ضئيلة، ومستوى فني رديء، لتعبة شرائط فيديو، وتصديرها إلى دول الخليج، وبدأت تقريباً في منتصف الثمانينات، وبلغت ذروتها عام 1986، إلى جانب أفلام أخرى، ركز بعضها على ظاهرة المخدرات، والبعض الآخر حمل لافتة «للكبار فقط»، وهو ما أدى إلى إحجام العائلات المصرية عن «فسحة السينما» الأسبوعية، التي شكلت ملمحاً من ملامح حياة الطبقة الوسطى المتعلمة في مصر في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، ليقتصر رواد دور العرض على الشباب بشكل كبير.

جدل واسع

كذلك شهدت فترة الثمانينات جدلاً واسعاً، ربما كان من أبرز محاولات فرض معايير أخلاقية على العمل الفني، حول فيلم «للحب قصة أخيرة»، 1986، للمخرج رأفت الميهي، بطولة يحيى الفخراني ومعالي زايد وعبلة كامل، حيث تقدم عدد من المحامين بطلبات لوقف عرض الفيلم، ومحاكمة بطليه بتهمة تضمنه مشاهد ساخنة، وبالفعل مثل الفخراني ومعالي زايد أمام نيابة الآداب للتحقيق معهما، قبل أن يصدر الأمر بتبرئتهما. ولكن تكررت هذه الدعاوى القضائية في التسعينات ضد أفلام عدة، من أهمها «طيور الظلام»، و«الإرهاب والكباب»، لوحيد حامد وشريف عرفة، و«يا دنيا يا غرامي» لمجدي محمد علي، و«جنة الشياطين» لأسامة فوزي، الذي قدم كذلك فيلمين آخرين أثارا جدلاً واسعاً في العقد الأول من القرن الجاري، وهما «بحب السيما» و«بالألوان الطبيعية».

جيل الشباب

النجاح الذي حققه فيلم «صعيدي في الجامعة الأميركية»، شجع على ظهور جيل من الفنانين الشباب، الذين أصبحوا مع الوقت نجوم هذه المرحلة، منهم أحمد السقا ومحمد هنيدي وأحمد حلمي وكريم عبدالعزيز وشريف منير ومنى زكي وغادة عادل وياسمين عبدالعزيز، والفنانة حنان ترك التي ارتدت الحجاب، وحاولت الاستمرار في التمثيل، وقدمت مسلسلات تلفزيونية، ولكنها في النهاية قررت الاعتزال. واتسمت أفلام هؤلاء الفنانين بخلوها من المشهد الساخنة، وطابعها العائلي الذي يناسب الكبار والصغار معاً، وتمسك معظمهم برفض المشاركة في أعمال تحوي مشاهد عري أو جريئة، وهو ما دعا الكتاب والمخرجين الذين يعملون معهم لاستبعاد أي موضوعات تتطلب مشاهد جريئة، بينما استعان منتجون ومخرجون بفنانات غير مصريات للأدوار الجريئة.

تأييد ومعارضة

ظهور تيار «السينما النظيفة» قسم الآراء على الساحة الفنية إلى نصفين، مؤيد يرى أن له الفضل في استعادة الجمهور إلى دور العرض مرة أخرى، ووضْع حد لسيطرة الأفلام التي كانت تعتمد على المشاهد الساخنة على صناعة السينما، إلى جانب أنه يتماشى مع طبيعة المجتمعات العربية، ويحترم عاداتها وتقاليدها. ومعارض يرى أن هذا التيار يحاكم الأعمال الفنية بمعايير أخلاقية، وهو أمر غير منصف، ولا يكشف عن قيمتها الفكرية والاجتماعية والفنية بدقة، كما يتعارض مع دور الفن في أن يعبر عن الحياة الواقعية بكل تفاصيلها ومواقفها وقضاياها، إضافة إلى أنه يدفع المؤلف لفرض رقابة ذاتية على ما يكتبه إرضاء أو خوفاً من حكم المجتمع أو من رفض الفنانين الموافقة على تأدية المشاهد، معتبرين أن الأفلام التي تم تقديمها تحت مسمى «السينما النظيفة» خلت من المشاهد الساخنة، وكذلك خلت من القضايا العميقة والملحة في المجتمع، واكتفت بتقديم قصص اجتماعية بسيطة. بينما اعتبرت بعض الآراء أن هذا التيار سيزداد تشدداً مع الوقت ليصبح ضد السينما والفن بوجه عام. ومع الوقت وبداية من 2007 تقريباً، عادت الأفلام الجريئة للظهور بقوة من خلال عدد من الأفلام التي ناقشت قضايا اجتماعية بأسلوب جريء، منها «الريس عمر حرب» و«كبارية» و«الفرح» و«حين ميسرة» و«دكان شحاتة» الذي افتح مجدداً باب الجدل حول السينما والأخلاق، كما قامت وزارة الثقافة بتقديم منح تمويل لبعض الأفلام، مثل «بالألوان الطبيعية» لأسامة فوزي، و«رسايل بحر» لداوود عبدالسيد.

في مرمى النيران

هذا الجدل عاد من جديد بقوة، بعد تصريحات الفنان يوسف الشريف، خلال برنامج تلفزيوني، بأنه يضع بنداً في عقود الأعمال التي يقدمها، حرصاً على عدم تقديم «مشاهد ساخنة»، تنفيذاً لنصيحة والديه بالابتعاد عن هذا النوع من الأعمال، عقب مشاهدتهما لفيلم «هي فوضى»، حيث انقسمت الآراء بين مؤيد يرى أن ما يقوم به الشريف يندرج ضمن إطار الحريات الشخصية، وحقه في أن يعمل وفق قناعاته الشخصية. بينما اعتبر الرأي الآخر أنه بذلك يفرض قيوده وشروطه على بقية العاملين معه، ما يؤثر على حريتهم أيضاً، إلى جانب أن رفضه القيام بتأدية مشاهد معينة يتضمن إدانة لبقية الفنانين الذين يقومون بأدائها. مشدداً على أن الفن لا يخضع لشروط، وأن هناك معايير فنية ثابتة للحكم على جودة العمل الفني، ولا تتضمن المعايير الشخصية التي تختلف من شخص إلى آخر. بينما ظهر رأي ثالث اتهم أصحابه يوسف الشريف بالمزايدة في موقفه، وهي ليست المرة الأولى، حيث سبق وغرد ناصحاً جمهوره بعدم ترك الصلاة لمتابعة الأعمال الدرامية المعروضة في شهر رمضان، ومن بينها عمل قام ببطولته، مشيرين إلى أن كثيراً من الفنانين يقدمون أفلاماً لا تتضمن مشاهد ساخنة، ولكنهم لم يذكروا هذا الأمر صراحة أو يعلنوه لجني تعاطف فئات معينة من الجمهور.


- شهدت فترة الثمانينات جدلاً واسعاً، ربما كان من أبرز محاولات فرض معايير أخلاقية على العمل الفني.

- الدعاوى القضائية لاحقت كثيراً من الأفلام، أهمها: «طيور الظلام» و«الإرهاب والكباب» و«بحب السيما» و«بالألوان الطبيعية».

طباعة