يتزامن مع الاحتجاجات المندّدة بالعنصرية

«دا فايف بلودز».. سبايك لي غاضب ومشتّت بين فكرتين

صورة

من الصعب مشاهدة فيلم للمخرج الأميركي الأسود، سبايك لي، من أجل الترفيه فقط، أو مشاهدته من دون أخذه بجدية، فأفلام (لي) مشحونة سياسياً لأن الرجل ناشط في هذا المجال وداعم لحركة «حياة السود تهم»، وحتى لو صنع (لي) فيلماً بغرض الترفيه فهو يحرص على بث رسائل توعوية من خلاله، أو أحياناً يسعى (لي) لتحدي الوضع القائم أو السلطة الحاكمة، خصوصاً إدارة الرئيس الحالي دونالد ترامب.

يشكو البعض أن (لي) يمثل السود فقط، لكن ذلك حكم غير دقيق، لو أراد أي مشاهد تجاوز السياسة للاستمتاع بأي من أفلام هذا المخرج، فإنه حتماً لن يتمكن من ذلك، والسبب أن السياسة ضاربة في جذور النص ومرتبطة به عضوياً.

يأتي فيلم Da 5 Bloods، وهو من أعمال «نتفليكس» الأصلية، ومن إخراج (لي) في توقيت مثالي، إذ يتزامن مع الاحتجاجات التي تعصف بالولايات المتحدة، بسبب مقتل رجل أسود يدعى جورج فلويد، على يد الشرطي الأبيض ديريك شوفين.

أي إنه يأتي في لحظة تحاول خلالها فئات المجتمع الأميركي محو العنصرية المتبقية بين مكوناته، لكن حتى الاحتجاجات نفسها تحولت إلى فوضى وأضافت انقسامات جديدة إلى الانقسامات، المهم أن هذا لا يعد جديداً بالنسبة للمخرج الذي تدور أفلامه حول الموضوع نفسه منذ عقود، ومن النادر ألا تتعمق أفلام (لي) في علاقات الأعراق.

يبدأ الفيلم بمونتاج أرشيف يظهر فيه الملاكم الراحل، محمد علي، ومارتن لوثر كينغ، وخطاب الرئيس السابق، ليندون جونسون، الشهير الذي أعلن فيه أنه لن يسعى لترشيح نفسه لولاية ثانية عام 1968، كما يحوي لقطات لحرب فيتنام والاحتجاجات الأميركية المناهضة لها.

في أرض المعركة تعلق الأمر بحماية الجنود بعضهم بعضاً، وبعد انتهاء الحرب اتضحت الأمور: فقد كان الجنود السود يحاربون ويموتون في دولة بعيدة من أجل بلادهم التي لا تهتم بهم ولا تقدر قيمتهم كمواطنين وبشر. حسب الفيلم فإن 11% من سكان أميركا هم من السود عام 1970، لكن 35% من الجنود الأميركيين المقاتلين في فيتنام في ذلك الوقت كانوا سوداً. يقسم (لي) الفيلم إلى قسمين، الأول راسخ في أول السبعينات حين كانت حرب فيتنام مستعرة، والثاني في حقبة ترامب، الذي يسخر منه المخرج بوضع صورته وتحتها اسمه الذي اختاره (لي) وهو: الرئيس نتوءات العظام المزيفة، أو الرئيس كلانسمان.

الاسم الأول يشير إلى طبيب ترامب الذي شخّصه، وكشف أنه يعاني مشكلة في عظامه، ما ساعد في إعفائه من المشاركة في فيتنام، وبالطبع كلمة «مزيفة» ساخرة هي الأخرى، وتعني أن المخرج لا يصدق تشخيص الطبيب، وفي الوقت نفسه هي الكلمة التي يكررها ترامب عندما يتحدث عن نشرات الأخبار.

أما الاسم الثاني فيعني أن المخرج يتهم الرئيس بالعنصرية، بالطبع شرحنا المعاني في حال أراد القارئ أن يعرف موقف المخرج من الإدارة الأميركية في البيت الأبيض.

في القسم الثاني من الفيلم نرى أربعة جنود أميركيون نجوا من الموت في تلك الحرب، و هم جوفيال ميلفين (أيزايا ويتلوك)، وأوتيس (كلارك بيترز)، وإيدي (نورم لويس)، والغاضب العدائي بول (ديلروي ليندو)، نراهم يعودون إلى فيتنام المتطورة جداً اليوم والممتلئة بمطاعم أميركية! أي إن ما فشلت أميركا في تحقيقه في الحرب حققته فيتنام من تلقاء نفسها عندما نبذت الاشتراكية وتبنت النظام الرأسمالي.

سبب عودة الأربعة هو تحديد مكان بقايا قائد فرقتهم أيام الحرب نورمان (تشادويك بوزمان - نراه في المشاهد الاسترجاعية)، وكذلك استرجاع صندوق سبائك ذهب مملوك لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، وقرر الجنود إخفاءه والعودة للاستيلاء عليه بعد أن تضع الحرب أوزارها.

ينضم ديفيد (جوناثان ميجرز)، وهو ابن بول، إلى الجنود الأربعة. ويتلقون مساعدة من أشخاص عديدن من مدينة هو تشي منه، أولهم تيين وهي عاهرة من أيام الحرب أقامت علاقة مع أوتيس، ومرشد الجنود فين (جوني تري نغوين) الذي يسمي ذلك الصراع «حرباً أميركية»، ورجل أعمال فرنسي يجسده النجم الفرنسي، جون رينو، فضلاً عن فتاة فرنسية مثالية تدعى هيدي (ميلاني تيري) وهي عضو مؤسسة لإزالة الألغام.

كلما نتعمق في الفيلم يتبين لنا أنه يحاول أن يكون شيئين في آن واحد، ولا يتمكن من ذلك بالضرورة، فهو يشير بوضوح شديد إلى أفلام حرب فيتنام في السبعينات، وعلى رأسها Apocalypse Now، «القيامة الآن» 1979 لفرانسز فورد كوبولا، الذي يظهر ملصقه في مشهد الملهى الليلي عندما تُسلّط عدسة الكاميرا عليه، ومشهد آخر تسخر فيه الشخصيات من فيلم «رامبو»، فلا مكان للإيحائية في هذا الفيلم.

لكنه يتحول في منتصفه إلى فيلم سرقة أو مغامرة، وتحديداً فإنه تحديث لموضوع رائعة جون هيوستن الكلاسيكية The Treasure of the Sierra Madre، «كنوز سييرا مادري» عام 1948. يستعير كتّاب النص: لي و داني بيلسون و بول ديميو و كيفن ويلموت، من نص جون هيوستن المقتبس من رواية بي تافيرن، بشكل مدهش. في ذلك الفيلم كان دوبز (همفري بوغارت) شخصاً طبيعياً قبل أن يتملكه الوسواس القهري، وتدريجيا انحدر إلى الجنون، وهنا يمر بول بالأطوار نفسها. موضوع تلك الكلاسيكية هو بالضبط موضوع هذا الفيلم، أو النصف الثاني منه، وهو حب الأموال أصل كل الشرور، أو نقتبس عبارة هاورد الشهيرة من ذلك الفيلم: «أعرف ما يفعله الذهب بأرواح البشر»، بالطبع (لي) لا يستنسخ الجملة لكنه يترجمها إلى مشاهد أكشن.

من اللافت فنياً، استخدام (لي) أبعاد إطار مختلفة للتفريق بين حقبتي الفيلم، للسبعينات استخدم إطاراً بأبعاد 1.33:1، يعني بحجم مربع على شاشة عريضة، وللقطات حقبة ترامب استخدم 2.35:1 أي شاشة عريضة بالكامل. يعاني الفيلم الكثير من الشحوم، يعني أنه طويل جداً، بما يفسد نبرته ويؤثر في موضوعه سلباً، مثلاً مشاهد الرومانسية بين ديفيد وهيدي لا داعي لها، لأن العلاقة لم تتطور بما فيه الكفاية لتثير اهتمامنا، وتالياً أصبحت مضجرة وتضيع وقت المُشاهد.

وهنا نلوم «نتفليكس» لأنها تجذب صناع الأفلام بميزانيات مغرية وحرية مطلقة، وهذا سيف ذو حدين، لأنه يؤثر في جودة الفيلم. هناك صناع أفلام متمرسون، لا يدعون طول المدة الزمنية تؤثر في جودة الفيلم، كما فعل مارتن سكورسيزي في «الإيرلندي». لكن (لي) أضاف نصف ساعة أو 40 دقيقة، جعلت الفيلم مملاً جداً وأكثر مما يتحمله السيناريو.

لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.


يقسّم «لي» الفيلم إلى قسمين، الأول راسخ في أول السبعينات حين كانت حرب فيتنام مستعرة، والثاني في حقبة ترامب، الذي يسخر منه المخرج.

كلما نتعمق في الفيلم يتبين لنا أنه يحاول أن يكون شيئين في آن واحد، ولا يتمكن من ذلك بالضرورة.

طباعة