«يونيفرسال» تعيد كتابة قواعد اللعبة

«ملك ستيتن آيلاند» يطابق حياة الشخصية والبطل

صورة

في 28 أبريل من العام الجاري، ألقت استوديوهات «يونيفرسال» بقنبلة على صفحات جريدة «وول ستريت جورنال» بتصريحها التاريخي: «لا يهم متى وكيف سيعاد فتح دور السينما، من الآن فصاعداً ستصبح خدمة (ستريمنغ)، أو بث الأفلام منزلياً عبر الإنترنت جزءاً من الواقع الجديد للاستوديو».

لم يكتف جيف شيل، الرئيس التنفيذي لـ«يونيفرسال» بذلك، بل أضاف: «بمجرد إعادة فتح الصالات، فإن (يونيفرسال) ستطرح أفلامها بصيغتين، سينمائية، وعلى خدمة البث (ستريمنغ) الخاصة بها (كومكاست) في آن واحد».

الرجل لم يكن يمزح، فقط طرحت الشركة بالفعل فيلم الأنيميشن «ترولز وورلد تور» على خدمتها «ستريمنغ» في فترة حظر التجول الناتجة عن أزمة «كوفيد-19»، وحصدت 100 مليون دولار في ثلاثة أسابيع، وهذا أكثر مما حصده الجزء الأول من الفيلم الذي طرح عام 2017.

المتابع لأخبار «يونيفرسال» يلاحظ أنها ليست بعيدة عن «نتفليكس»، التي استحوذت على زخم سوق «ستريمنغ»، فنظرة سريعة على أفلام الاستوديو تبين لنا نشاطه اللافت في هذه السوق المنزلية. منذ شهرين، وبالتزامن مع حالة الإغلاق في الولايات المتحدة، طرحت «يونيفرسال» فيلم «الرجل الخفي» و«إيما» و«ذا هنت». بعد ذلك بفترة قصيرة جداً دفعت «يونيفرسال»

بـ«ترولز وورلد تور»، والأسبوع الماضي هذا الفيلم لمخرج الكوميديا الأميركي الشهير جود أباتاو، بعنوان The King of Staten Island، «ملك ستيتن آيلاند»، الذي كان مخططاً له أن يطرح سينمائياً في هذا الشهر لولا الجائحة. من الواضح أن «يونيفرسال» تفكر في مصلحتها أولاً، وهذا ليس قراراً تلام عليه، رغم امتعاض أصحاب الصالات الذين تضرّرت مصالحهم بشكل كبير، وتعهدوا انتقاماً بالامتناع عن عرض أفلام الاستوديو في صالاتهم مستقبلاً.

لا يعاني المخرج أباتاو مشكلة في توظيف ممثل كوميديا ارتجالية Stand up comedian في أفلام تحوي عناصر سيرة ذاتية. «ملك ستيتن آيلاند»، يمثل ثالث مشروع له في هذا الاتجاه بعدFunny People بطولة آدم ساندلر وTrainwreck بطولة إيمي شومر - التي كتبت النص بالكامل - عامي 2009 و2015. هذه المرة، البطل والمشترك في كتابة النص مع المخرج هو بييت ديفيدسون، الذي يستغل ماضيه لتطوير شخصيته على الشاشة. هذه المرة الموضوع أعمق من المرتين السابقتين المذكورتين في الفقرة السابقة، لأن ديفيدسون يقف في منطقة متداخلة بين الحقيقة والخيال، فلا نعلم إن كان حقيقة مطلقة أو خيالاً مطلقاً. النتيجة أباتاو كما نعرفه: «كوميديا بالتزامن مع لمسات عاطفية ورثاء ممزوج ببذاءة». الفرق هنا أن «ملك ستيتن آيلاند» طويل، وبعد الدقيقة 100 يفقد زخمه حتى النهاية. وهذا لا يعني أن أفلام أباتاو السابقة كانت قصيرة، فمعظمها يتخطى الساعتين. هذه قصة مراهَقة متأخرة لشاب في 24 من عمره يسمى سكوت (ديفيدسون)، بلا روابط عائلية وتحت تأثير المخدرات، ولا مبال بالمستقبل. يعيش سكوت مع والدته مارجي (ماريسا توماي) - هذا شيء عادي في المجتمع العربي، ومعيب في الغربي - وعلاقته ضعيفة مع شقيقته الأصغر كلير (مود أباتاو - ابنة المخرج)، التي تستعد لمغادرة المنزل للدراسة في الكلية.

سكوت لديه مجموعة أصدقاء فاشلين من شاكلته وصديقة تُدعى كيلسي (بيل باولي) يجتمعون معاً للثرثرة وتعاطي المخدرات. يحلم سكوت بمشروع مقزز وهو افتتاح أول مطعم وشوم، أي للذين يريدون تناول الطعام والشراب، بينما ينتظرون فنان الوشوم أن ينتهي من رسم ما يرغبون فيه على أجسادهم.

يصدم سكوت عندما يعلم أن والدته الأرملة منذ 17 عاماً تقع في حب رايموند (بيل بور)، وهو إطفائي. ينفر سكوت بشدة من رايموند، لأن أول لقاء بينهما (قبل التعرف إلى والدته) كان سيئاً، وهذا يقود إلى السبب الثاني للنفور منه، وهو أن هذا الرجل غير مؤهل في نظر سكوت لأخذ مكان والده المتوفى. يعمل سكوت على إظهار عيوب رايموند أمام والدته، وينجح في ذلك لكن العواقب وخيمة، ويدفع سكوت نفسه ثمنها وهو طرده من المنزل. خلفية القصة مثيرة جداً للاهتمام، لأنها تتطابق وحياة بطل الفيلم 100%، فقد توفي والد سكوت (الشخصية والممثل)، الذي كان إطفائياً يوم 11 سبتمبر 2001 بالضبط في تلك الأحداث أثناء تأديته عمله، وكان عمر سكوت (الشخصية والممثل) وقتها سبعة أعوام. وسكوت (الشخصية) بطل الفيلم يتقمصه بييت ديفيدسون (الممثل)، وهو أي الممثل ابن سكوت ديفيدسون الحقيقي، الإطفائي الذي توفي يوم ضربات سبتمبر، يعني الابن يؤدي شخصيته الحقيقية ويستخدم اسم والده.

لأن بييت ديفيدسون - سنستخدم اسمه الحقيقي وليس اسم الشخصية - يؤدي نفسه، وعندما يتحدث عن والده في الفيلم فهو يقصد والده الحقيقي، لهذا فإن المشاهد يحتار إن كان هذا خيالاً أم حقيقة، وغالباً أنه حقيقة، وكل حواراته تبدو عفوية أكثر من مكتوبة، وأداؤه يتسق تماماً مع حواراته، بعكس كل الشخصيات الأخرى في الفيلم التي من الواضح أنها لم تكتب بشكل كامل. وهذا السبب الذي يجعل أداء ديفيدسون آسراً مقارنة بالآخرين.

أقوى مشهد في الفيلم عندما يخرج سكوت مع رايموند وزملاء الأخير لمشاهدة مباراة، وهناك يخبرهم سكوت أنه لا يحب وظيفة الإطفائي، وأن الإطفائي لا يجب أن يتزوج ويكون أسرة، حتى لا يفطر قلب زوجته أو قلوب أبنائه عندما يخرج صباحاً لأداء عمله، ولا يعود إلى المنزل مطلقاً بعد ذلك الصباح.

استطاع أباتاو ابتكار كوميديا ذات وزن هذه المرة، وأفضل من كل المرات السابقة، ليس هناك تهريج أو مواقف مبالغ فيها، وهناك توازن بين الضحك والمواقف الجادة التي تتطلب تعاطفاً من الجمهور.

حضّر أباتاو لهذا الفيلم جيداً، ولعب دوراً كبيراً في تطوير شخصية ديفيدسون الحقيقية ومسيرته الفنية. فقد ظهر ديفيدسون في دور بسيط في Trainwreck، قاده مباشرة إلى الكوميديا الارتجالية في البرنامج الشهير ساتردي نايت لايف.

لهذا ليس من المفاجئ أن أباتاو وديفيدسون منسجمان تماماً في النص والإخراج والعمل ككل. يسلم أباتاو القيادة إلى ديفيدسون بشكل موثوق، كما فعل مع شومر في Trainwreck، لكن الفرق هنا أننا نتعاطف أكثر بسبب التجربة الشخصية، وبسبب الألم المباشر الذي يعكسه ديفيدسون في نفس المُشاهد، ومن المستحيل ألا يتعاطف معه أحد. من الصعب تخيل أي شخص آخر مكان ديفيدسون باستثناء آدم ساندلر، الذي يتشابه مع الأول في الملامح وتقاسيم الوجه. «ملك ستيتن آيلاند» مثال جيد جداً على كيف يجب أن يكون هذا النوع من الكوميديا، فهي ليست مجرد تهريج، بل هي مشاعر تُبث للتخفيف من آلام بشر تعرّضوا لتجارب شخصية قاسية.

لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.


 

«يونيفرسال» تفكر في مصلحتها أولاً، وهذا ليس قراراً تلام عليه، رغم امتعاض أصحاب الصالات الذين تضرّرت مصالحهم بشكل كبير.

الفيلم مثال جيد جداً لما يجب أن تكون عليه الكوميديا، فهي ليست مجرد تهريج، بل هي مشاعر تُبث للتخفيف من آلام بشر تعرّضوا لتجارب شخصية قاسية.

طباعة