سايمون بيغ بعيداً عن الكوميديا

«ميراث».. بداية واعدة تتبخر في ثرثرة النهاية

صورة

يحدث أحياناً كثيرة أن يكتب شخص غير متمرّس نص فيلم ويملؤه بحوارات مثالية، أو جُمل يكررها باعتبارها حِكَماً مبهرة، ستظل معنا لأيام بعد مشاهدته، لكنه ينسى أن الفيلم تحمله القصة أو شخصية رئيسة ولا تحمله جملة!

منذ أسبوعين كانت لدينا هذه المشكلة مع فيلم «أكاذيب خطيرة»، كأن كاتب النص فكّر في عنوان جذاب ثم كتب حوله القصة. في فيلم Inheritance (ميراث)، جملة تتكرر هي «العائلة تأتي أولاً»، أو «من يهدد عائلتي فإنني سأشتري صمته أو ألقي بجثته في النهر»، أو «نحن من عائلة كذا ونحمي بعضنا بعضاً».

يجذب الفيلم المشاهد في نصف الساعة الأولى، فهناك حوارات جيدة، ولو أنها أقرب إلى المثالية تعكس سمات الشخصية الرئيسة، وهناك مشهد للبطلة تجري، يتقاطع مع مشهد لرجل يجري ويلهث، والمشهدان يتقاطعان مع مشهد لها وهي تجيب عن أسئلة الصحافيين عن شقيقها الذي يسعى لإعادة انتخابه في الكونغرس.

يشير ذلك إلى فيلم يحوي قصة صراع نيات أو فساد سياسي، لكن سرعان ما يتغير كل ذلك بمجرد مرور المقدمة وظهور الشخصيات وتأسيس المواقف. تتخذ الشخصيات قرارات غير منطقية، وتظهر قصة فرعية لا تخدم القصة الرئيسة، وتنتهي بلا حل، وصراع النيات الذي وُعدنا به يتبخر، والنهاية عبارة عن مشهد ثرثرة يحمل مفاجأة غير مُفاجئة، خصوصاً للمشاهد المتمرس.

نظراً إلى المقدمة الجيدة، فهناك سيناريوهات عدة كان بإمكان المخرج فون ستين (أخرج تيرمينال عام 2018)، وكاتب النص ماثيو كينيدي (هذا أول نص له)، اختيار أي منها، لكنهما اختارا الأسهل والأرخص والأكثر استهلاكاً.

في بداية الفيلم، نرى المدعية العامة في منهاتن، لورين مونرو (ليلي كولينز)، في المحكمة تتحدث عن مثاليات عملها ومحاربتها الفساد، في الوقت نفسه نرى والدها آرتشر (باتريك ووربرتون) يتعثر خارج منزله ويلهث ويركب سيارته، من الواضح أنه مريض وسرعان ما يسقط ميتاً على مقود سيارته.

تبلغ صحافية لورين بوفاة والدها في مؤتمر صحافي، وبعد أيام عدة نرى محامي العائلة هارولد (مايكل بيتش)، يقرأ وصية آرتشر أمام العائلة، ونعلم أنه ترك معظم ثروته لزوجته كاثرين (الدنماركية كوني نيلسون)، وابنه المفضل ويليام (تشيس كراوفورد) الذي يكافح في سباق انتخابات الكونغرس.

تحصل لورين على قليل من المال، ويتضح أن هناك ضغينة بين آرتشر وابنته، فهي خالفت رغبته في العمل لدى مكتب محاماة والتحقت بمكتب المدعي العام، وخالفته وتزوجت من شاب يعمل كذلك في الحكومة، أو كما يسميها آرتشر وظيفة عامة لا تثري صاحبها مثل نظيرتها في القطاع الخاص.

الشيء الثاني الذي يتركه آرتشر لابنته وحدها من دون علم الآخرين، هو وحدة تخزين USB تحوي فيديو له، يخبرها عن مكان سري خلف منزلهم الصيفي، وهو الميراث السري.

تذهب لورين إلى المكان لتكتشف حفرة، بها سلم يؤدي إلى قبو أو غرفة كبيرة أشبه بملجأ تحت الأرض. هناك في الأعماق تجد مورغان وورنر (سايمون بيغ) المقيد في الظلام منذ 30 عاماً. مورغان لديه قصة، لكن قبل أن يخبرها للورين، يبلغها بمطالبه (وجبته المفضلة) فتحضرها ويبلغها بأسرار والدها، يتملك لورين الفضول وتصغي إليه أكثر فأكثر حتى تتعاطف معه وتقرر تحريره.

تتكرر زيارات لورين لمورغان في ذلك القبو السري، ويصبح الأمر مثل لعبة قط وفأر، كالتي لعبتها كلاريس ستارلنغ مع هانيبال ليكتر منذ 30 عاماً في «صمت الحملان». طبعاً صناع هذا الفيلم لا يصلون أبداً لمستوى ذلك الفيلم المليء بالتشويق والرعب.

كلما يثرثر مورغان يقلّ اهتمامنا به وبالطبع هناك احتمالان لا ثالث لهما: إما أنه يخبرها الحقيقة عن والدها، أو أنه يتلاعب بمشاعرها ويخدعها. لو كان هذا فيلما ذكياً، سيكون الغموض أعمق من هذا المستوى وأكثر تعقيداً. النص لا يجيب عن الكثير من الأسئلة وإن أجاب فليس مقنعاً. يعرف مورغان كل تفاصيل حياة لورين وهو محبوس في قبوه قبل أن تولد، ويعلم كل ذلك لأن آرتشر أخبره عندما كان يجلب له الطعام والشراب. نحن نعلم في نهاية الفيلم لم حبس آرتشر مورغان في القبو، لكننا لا نعرف آرتشر لنفهم لماذا اختار هذه العقوبة الطويلة؟ وكيف ومتى بنى هذا القبو المزود بأسباب الحياة ومرحاض كالذي في السجون، كيف أقنع المقاول ببنائه في نيويورك التي لا تتعرض لأعاصير أو فيضانات أو كوارث تتطلب وجوده، ألم يشتبه المقاول في نية آرتشر؟

ولماذا لم يخبر آرتشر ابنته في الفيديو بالقصة الكاملة وتركها لتسمعها كاملة من مورغان؟

تدخل لورين على مورغان الذي من المفترض أن يكون قذراً وهو يشبه مغني فرق الروك بشعر طويل لكنه حليق الوجه. لا يبدو أن القبو فيه تهوية، والرجل محبوس منذ 30 عاماً، هل يستحم يوميا؟ فلنفترض ذلك، لكن كيف دخلت لورين القبو وتنفست بشكل طبيعي هواء لا يتجدد؟

خرجت لورين مع مورغان ليريها جثة رجل قتله والدها خطأ في حادث دهس، ودفنه في مكان معزول، كيف عرف مورغان مكان دفن الجثة بالضبط رغم مرور 30 عاماً عليه وهو محبوس في قبو مظلم، ورغم أن الموقع ليس مكاناً يتردد عليه مورغان قبل الحادث؟ حتى خرائط غوغل تخطئ لو تغيرت معالم أي مكان، فكيف يتذكر هذا المحبوس أكثر من ربع قرن مكان جثة مدفونة في العراء وبلا أي معالم؟ ليلي كولينز صغيرة جداً على دور مدعية عامة، عمرها 31 حالياً، وتبدو 25، وهي أقرب إلى مراهقة منها إلى امرأة ناضجة، لكن رغم ذلك فهي تعطي أداء جيداً. سايمون بيغ، رفيق توم كروز في أفلام «مهمة مستحيلة»، ومعظم أدواره كوميدية، يحاول أن يكون مخيفاً في هذا الدور وينجح في ذلك، لكن طول الحوارات، والثرثرة، وشرح ما ليس بحاجة إلى شرح، تقوض أداءه. تبقى لدينا شخصية ويليام شقيق لورين، ماذا تفعل قصة سياسية فرعية في فيلم عن رجل محبوس في قبو منذ 30 عاماً؟ لا يعطي الفيلم أي إجابة لأنه يتركها تماماً بعد ظهورها الأول. مرة أخرى، كما قلنا في قراءة فيلم «أكاذيب خطيرة»، نقول «ميراث» فيلم مستعجل يحوي تفاصيل أكثر من سعته الزمنية، ومن الأفضل لو كان مسلسلاً قصيراً.

لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.


فيلم مستعجل يحتوي على تفاصيل أكثر من سعته الزمنية، ومن الأفضل لو كان مسلسلاً قصيراً.

ماذا تفعل قصة سياسية فرعية في فيلم عن رجل محبوس بقبو منذ 30 عاماً؟

طباعة