حاز أوسكار أفضل فيلم تسجيلي

«مصنع أميركي».. صراع مَنهجَيْ عمل ضحيتهما الإنسان

صورة

عام 2008 أغلق مصنع شركة جنرال موتورز في مدينة دايتون بولاية أوهايو الأميركية. كان صانعا هذا الفيلم التسجيلي ضمن شهود ذلك الحدث، وهما ستيفن بوغنار وزوجته جوليا ريكرت، اللذان لم يكتفيا بالتصوير خارج المصنع ومقابلة العمال (المُسرّحون حالياً)، لكنهما زودا العمال بكاميرات صغيرة لتصوير آخر السيارات على خط الإنتاج قبل الإغلاق.

كانت النتيجة فيلماً قصيراً بعنوان «الشاحنة الأخيرة: إغلاق مصنع جنرال موتورز»، وطرح عام 2009، وترشح في خانة أوسكار أفضل فيلم قصير آنذاك، هذا ليس الخبر ولا حتى نهاية القصة.

فبعد سنوات عدة، تم شراء المصنع وإعادة افتتاحه بغرض إرجاع الوظائف التي فقدت، وتبدو تلك وكأنها النهاية الأسعد، لكن فيلم بوغنار وريكرت التالي بعنوانAmerican Factory، «مصنع أميركي»، الموجود على «نتفليكس»، يعرض بشكل واضح كيف أن تلك النهاية تحديداً ليست بالضرورة هي الأسعد للمصنع لكنها كذلك لصانعي الفيلم.

هذا ما يحدث عندما يكون صانع الفيلم مثابراً ومتابعاً لقصته لا يتركها مهما كانت صغيرة، فعندما تابع بوغنار وريكرت القصة إلى نهايتها، وتحول فيلم قصير من 42 دقيقة إلى 110 دقائق، نال ترشيح أفضل فيلم تسجيلي في نسخة الأوسكار الأخيرة وفاز بالجائزة.

اشترى المصنع ملياردير صيني اسمه تشاو ديوانغ عام 2014، الذي اختار إعادة فتحه كفرع لشركته الصينية «فوياو»، المتخصصة في صنع زجاج السيارات. بناء على تصور ديوانغ المعروف في مجموعته باسم الرئيس تشاو، ترتكز الخطة على توظيف 2000 عامل محلي، أي أميركيين، وتعزيزهم بـ200 عامل من الصين لتدريب نظرائهم الأميركيين.

أثناء إعلان خططه لعمال المصنع، يتحدث تشاو عن آماله في تغيير الأفكار الأميركية المسبقة أو المنحازة ضد الصين، ويعلن أنه يؤمن أن الجانبين يمكنهما العمل معاً وبتناغم تام. المرحلة الأولى هي سد الفجوة الثقافية، نرى العمال الصينيين يدخلون دورات لفهم طريقة التفكير الأميركية، وما يحفز الشخصية الأميركية في العمل.

مثلا، يُبلّغ الصينيون أنه يُسمح للأميركيين بارتداء ما يشاؤون وتبادل النكات عن أي شخص حتى لو كان الرئيس نفسه، وهنا ترتسم الدهشة على وجوه الصينيين المعتادين على احترام رموزهم السياسية.

في المقابل، يتم إبلاغ الأميركيين، الذين كان بعضهم موجوداً في فترة ما قبل الإغلاق، بأن الشركة الجديدة لن تختلف كثيراً عن السابقة، وأنها شركة أميركية قلباً وقالباً، والتغيير فقط في وجود عمال صينيين مشرفين على نظرائهم الأميركيين، وأن رواتبهم ستخفض إلى النصف، وقد قبلوا بهذا التخفيض مادام ثابتاً ونظراً إلى انعدام البديل. في البداية تظهر الأمور كأنها تمشي في الاتجاه الصحيح، خصوصاً عندما ينخفض التحامل، أو الأفكار المسبقة لدى الطرفين عن بعضهما. المشكلة أن الفروق بين الجانبين في ما يتعلق بثقافة العمل، موجودة في فطرتهما ولا يمكن تجاهلها.

مثلاً، يكتشف ديوانغ متأخراً أن المنهج العملي المتبع في الصين يختلف جذرياً عن المنهج الأميركي، وما جعل فوياو شركة ناجحة في مسقط رأسها هو حقيقة أن العمال هناك يعملون مثل روبوتات، أو كالتروس في آلة، وليس كالبشر. فهم يعملون أوقاتاً إضافية، وفي إجازات نهاية الأسبوع لو طلب منهم ذلك، لأن ما يطلبه رب العمل هناك هو إلزامي، وقواعد السلامة في العمل ليست متبعة بمعايير عالية، وهذا حسب كلام ديوانغ، منهج لن يؤتي بثمار في أميركا.

في محاولة منه لسد الفجوة، يرتب ديوانغ رحلة لرؤساء الأقسام الأميركيين في المصنع إلى الصين، ليتعرفوا إلى نظام العمل المتبع هناك، لكن رؤساء الأقسام أخفقوا في نقل ما تعلموه لسبب واحد منطقي: نظام العمل الصيني متجذر في الشخصية الصينية من المهد إلى اللحد، والشيء نفسه للشخصية الأميركية المعتادة على نهج عمل محمي بالقوانين والعقود منذ قيام الدولة.

يشكو الصيني أن الأميركي كسول ولا يعمل، ويأخذ ثمانية أيام في الشهر كإجازات أسبوعية، فضلاً عن إجازات الدولة الدينية والسياسية. ويشكو الأميركي أن الصيني لا يأخذ إجازة أبداً ولا يهتم برؤية عائلته، ولا يأخذ حتى راحة في العمل، وهذه الراحة تحديداً يسميها الصيني وقت ثرثرة لا حاجة له. في مشهد نرى ديوانغ يأمر بوضع تلفاز في منطقة الاستراحة، ويعرض أطفالاً صينيين يغنون ويصلون، ونرى موظفاً أميركياً يقول: «لسنا بحاجة إلى مشاهدة هذا، هذه أميركا»، وهنا خطأ ديوانغ الذي حاول استغلال براءة أطفال لتشريب أو تسريب دعاية سياسية صينية إلى موظفيه الأميركيين، الذين لا تسمح لهم عقليتهم وشخصيتهم بتقبلها.

يتملك ديوانغ الإحباط نتيجة انخفاض الإنتاج في مصنعه الأميركي، ويتملك العمال الأميركيين الإحباط بسبب رواتبهم المنخفضة وكثرة الإصابات في المصنع، وبحسب كلام أحد المصابين «فإنه لم تقع له إصابة واحدة لأكثر من 10 أعوام في المصنع السابق»، ونتيجة لذلك يقرر بعض العمال الأميركيين التصويت للانضمام لنقابة العمال المحلية، وهي حركة أغضبت ديوانغ، الذي هدد بإغلاق المصنع وتسريح الجميع.

كما في أفلامهما الماضية، يوظف بوغنار وريكرت أسلوباً سردياً هادئاً لموضوعهما، أي يتركانه يكشف التفاصيل بشكل طبيعي من دون حشوه بآراء سياسية، أي أنهما يتجنبان إبلاغ المشاهد بما يجب أن يشعر به. النصف الأول من الفيلم خفيف كأنه من فيلم كوميدي، ويعكس التجانس التام بين الجانبين الصيني والأميركي.

لكن سرعان ما يتبدل ذلك عندما ينتقل الفيلم من التركيز على الصدام الثقافي إلى الصراع على التصويت للانضمام إلى نقابة العمال، خصوصاً عندما يستعين تشاو بشركة استشارات مقابل مليون دولار، لإلقاء محاضرة على عماله الأميركيين وتبيان مساوئ انضمامهم إلى النقابة لو اختاروا التصويت لها. هنا يبدأ الفيلم نبرة ظلامية قليلاً عندما نرى إدارة المصنع تستهدف العمال الذين اختاروا التصويت. النهاية ليست سعيدة لكنها كقصة بدأت عام 2008 وانتهت بشكل محزن بعد 10 أعوام، ستكون جزءاً لا يتجزأ من تاريخ حركة الطبقة الكادحة الأميركية، وتكتسب أهمية بالغة، خصوصا في وجه التحديات التي تفرضها المتغيرات الصناعية.

نهاية الفيلم تتحدث عن انتقال المصانع إلى مرحلة الميكنة الكاملة بحلول 2030، وهو موضوع بالكاد يمت بصلة إلى مادة الفيلم، لكن الصورة تركز على عمال أميركيين وصينيين يخرجون من مقار عملهم في أميركا والصين، وهي تقول إيحاء: بغض النظر عن المنهجين الصيني الصارم والأميركي المتساهل فإن الإنسان هو الضحية.

لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.


الصورة تركز على المنهجين الصيني الصارم والأميركي المتساهل، وتقول: الإنسان هو الضحية.

يوظف بوغنار وريكرت أسلوباً هادئاً لموضوعهما، أي يتركانه يكشف التفاصيل بشكل طبيعي من دون حشوه بآراء سياسية، فيتجنبان إبلاغ المشاهد بما يجب أن يشعر به.

طباعة