أداء هاريسون فورد يرتقي بالفيلم

    «نداء البرية» يحتار بين «الأنيميشن» والحركة الحية

    صورة

    لطالما كانت استديوهات ديزني مصدراً أو مصنعاً لأفلام العائلات، خصوصاً تلك التي تدور حول شخصية كلب. هذا ليس منذ التسعينات فحسب، بل يعود تاريخ ديزني مع هذه الأفلام إلى خمسينات القرن الماضي. لذا من المفاجئ أن يكون فيلم The Call of the Wild (نداء البرية)، من إنتاج «21 سنتشتري» قبل انضوائها تحت جناحي ديزني بعامين، أي أنه كان قيد التطوير عام 2017، واشترت ديزني الشركة، العام الماضي.

    هذا الاقتباس الأحدث لرواية جاك لندن الكلاسيكية بالعنوان نفسه، ويعد فيلم الحركة الحية الأول للمخرج كريس ساندرز، الذي أخرج أفلام أنيميشن، مثل: «ليلو وستيتش»، و«كيف تدرب تنينك». ساندرز لم يبتعد عن منطقته في هذا الفيلم، الذي يحكي قصة صداقة بين كلب وإنسان، المخلوق الأذكى على المعمورة.

    رغم أنه لا يحظى بشرارة الانطلاق المطلوبة لإشعال أحداث القصة، أي أنه بطيء إلى حد ما في البداية، فإن أداء هاريسون فورد والكلب باك بطل القصة يرتقي بنداء البرية، خصوصاً أن الكلب مصنوع بالكامل من المؤثرات الخاصة. ننوه بأن هذا ليس فيلم هاريسون فورد كما يشير ملصق الفيلم، فالنجم الأميركي العجوز يظهر في بداية الفيلم، ثم يختفي ويعود بعد الساعة الأولى.

    هذا الفيلم عن الكلب باك فقط. تقع الأحداث أثناء سباق البحث عن الذهب في إقليم كلونديك أواخر القرن 19. يتناول الفيلم قصة باك، كلب من نوع سينت برنارد سكوتش كولي، الذي يعيش حياة دلال في سانتا كلارا بكاليفورنيا مع مالكه القاضي ميلر (برادلي ويتفورد).

    في إحدى الليالي يُخدع باك ويُختطف من المنزل، ويباع لشركة شحن في منطقة يوكون بكندا. يباع هناك مرة أخرى لصالح بيرو (عمر ساي)، وهو ساعي بريد لطيف يأخذ على عاتقه تدريب باك، ليكون ضمن فريق الكلاب المخصصة لجر عربة الرسائل والطرود البريدية عبر الأراضي الكندية.

    أثناء الرحلة، يتقاطع طريق باك مع جون ثورنتون (فورد)، وهو رجل وحيد اشتعل رأسه شيباً، يتجول في البراري بعد فقدان ابنه وزوجته. عندما يصادق باك فورد ويخرجان في رحلة لاستكشاف الذهب بمقاطعة يوكون، يتغير باك ويبتعد شيئاً فشيئاً عن الحياة الحضرية وأسيادها البشر، ليكون وسط محيطه الطبيعي وبين أقرانه بعد انجذابه للبراري.

    باك بطل الفيلم، وإن كان صامتاً، إلا أنه يعبر من خلال وجهه وعواطفه، وهو عنصر الفيلم الآسر في أحيان كثيرة. باك مصنوع باستخدام تقنية motion capture، وصمم حركاته تيري نوتاري. ويتمتع باك بقدرات تعبيرية عالية، ساعدت على خلق الرابط العاطفي المطلوب بينه وبين المشاهد.

    أحياناً يظهر باك بشكل كارتوني، وحركات لا تناسب سوى فيلم أنيميشن، وهذا من عيوب الفيلم، أي كأن المخرج محتار بين أسلوب الأنيميشن والحركة الحية، لكن بالنظر إلى الفيلم ككل نلاحظ أن قرار صنع الكلب من المؤثرات الخاصة بشكل كامل قرار في محله، لأن مجريات القصة تضعه في مواقف صعبة وخطيرة، تتطلب منه القتال ليبقى، وهذا سيكون صعباً جداً باستخدام كلب حقيقي مدرب، أو الانتقال بين كلب حقيقي ونسخته الرقمية. حتى ونحن نعلم بأنه رقمي بالكامل، فإننا نتعاطف معه في حال تعرضه للاعتداء أو الإهمال أو التهديد، وهذا بفضل دقة عمل نوتاري وفريقه.

    وكما يظهر المخرج ساندرز واثقاً بنفسه قدر المستطاع بتجسيد باك كمخلوق حقيقي، إلا أنه يعاني عندما يتعلق الأمر بالعناصر الطبيعية للفيلم الذي يظهر بشكل محسوس، كأنه فيلم أنيميشن معاد صنعه لقطة بلقطة ليكون فيلم حركة حية، بالضبط كما فعلت ديزني في أفلامها منذ بداية العقد الماضي، مثل «ماليفسنت» و«الجميلة والوحش» و«سندريلا» و«الأسد الملك» و«علاء الدين»، وغيرها.

    عندما تنجح هذه الطريقة، فهي تسمح لساندرز، ومصوره البولندي جانوس كامنسكي، بتقديم القصة من وجهة نظر باك، وعندما لا تنجح فإن المدقق يلاحظ أن نداء البرية مصور في استوديو باستخدام الشاشة الخضراء. لكن هذا لا يمنع أن الفيلم يحترم أحاسيس الكاتب لندن، ووجهة نظره تجاه الطبيعة.

    عمل كامنسكي على قدر عالٍ من الإتقان، وهو بالمناسبة يعمل مع ستيفن سبيلبيرغ منذ عام 1993، وتحديداً منذ فيلم Schindler›s List، وبفضله ظهرت يوكون بشكل حي على الشاشة، رغم أن طاقم العمل لم يغادر كاليفورنيا، وليس أي مصور قادراً على إظهار مؤثرات بصرية خاصة بهذا الشكل الآسر.

    النص المقتبس بواسطة مايكل غرين، الذي اقتبس Murder on the Orient Express، منذ ثلاثة أعوام، غير متوازن بإعطاء باك قصة متينة يصاحبها تغيير كامل وواضح في شخصيته، من كلب مكسور إلى آخر يقود القطيع، إضافة إلى ذلك نسمع صوت الراوي (فورد نفسه) يخبرنا بذلك قبل حدوثه. لكنه في الوقت نفسه يتجنب بشكل غريب التعمق في الموضوعات والأفكار، التي تطرحها رواية لندن. الشيء نفسه ينسحب على الشخصيات الإنسانية للفيلم، فهي تتدرج من بسيطة وجذابة، كما هي الحال مع بيرو وشريكته فرانسوا (كارا جي)، اللذين كانا يستحقان مساحة أكبر، إلى شخصية نمطية ببعد أحادي، مثل الباحث عن الذهب الشرير هال (دان ستيفنز)، وهذا بالطبع ليس خطأ ممثلين، وإنما خطأ الكاتب والمخرج. من حسن الحظ أن فورد يرفع الحمل الثقيل على كتفيه بالنسبة للجانب البشري في الفيلم، حيث إنه يظهر قدراً عالياً من الرثاء لشخصية ثورنتون، التي عاشت معاناة تراجيدية قبل بداية أحداث الفيلم. يتمتع فورد، أيضاً، بانسجام رائع مع باك، رغم عدم وجود كلب حقيقي أثناء التصوير، وهذا من أصعب جزئيات التمثيل، إذ على الممثل أن يتخيل وجود كلب أو مخلوق على الجانب الآخر ليتفاعل معه.

    قد يعاني نداء البرية في شباك التذاكر، لأنه ليس من كاتالوغ ديزني أصلاً، وشخصياته غير معروفة عالمياً، لكن في النهاية هي قصة كلب جيدة للعائلة، رغم عدم اكتفائنا أو اقتناعنا بمساحة فورد في الفيلم. وحتى لو لم يكن باك مقنعاً بالكامل لأنه ليس حقيقياً، فتذكروا أن أي كلب حقيقي سيظهر بملامح جامدة، ولن يتمتع بعواطف ومشاعر باك الظاهرة بوضوح على الشاشة.

    لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.


    الفيلم قد يعاني في شباك التذاكر، لأنه ليس من كاتالوغ «ديزني» أصلاً، وشخصياته غير معروفة، لكن في النهاية هي قصة كلب جيدة للعائلة.

    فيلم هاريسون فورد ليس كما يشير ملصق الفيلم، فالنجم الأميركي العجوز يظهر في بداية الفيلم، ثم يختفي ويعود بعد الساعة الأولى.

    طباعة