لمّ شمل نجوم السبعينات

    «الإيرلندي».. أفضل تحفة سينمائية في هذا العقد

    صورة

    منحت «نتفليكس» المخرج الأميركي المخضرم، مارتن سكورسيزي، حرية مطلقة لصنع فيلم The Irishman «الإيرلندي»، وهي حرية لا يحصل عليها من استوديوهات هوليوود. فمن ناحية، صنع الرجل تحفة سينمائية معقدة السرد، وآسرة بصرياً، عن قصة قاتل المافيا المأجور، فرانك شيران (روبرت دينيرو في أفضل أداء له بهذا العقد).

    ومن ناحية أخرى، تمكن من لمّ شمل كل أصدقائه القدامى، مع بعض الوجوه الجديدة في هذا العمل، رغم أن مدة الفيلم، ثلاث ساعات ونصف الساعة (209 دقائق)، هي مثالية بالنسبة لمسلسل قصير من أربع حلقات، إلا أنها طويلة جداً للاستهلاك السينمائي حسب المعايير الحديثة، خصوصاً دون استراحة، وهذه المدة كان متعارفاً عليها في حقبتي الخمسينات والستينات.

    دخلت «نتفليكس» الأوسكار، العام الماضي، على صهوة الجواد «روما»، الذي خطف أوسكار أفضل فيلم أجنبي من «حرب باردة»، ونافس على جائزة أفضل فيلم أميركي، بالإضافة إلى العديد من الجوائز العالمية. رغم أن «نتفليكس» لا تصدر أرقاماً بنسبة مشاهدة كل منتج على منصتها بشكل دوري ودقيق، لكن المعروف أن «روما» كان مفضلاً لدى النقاد أكثر من مستخدمي «نتفليكس».

    السبب أن «روما» كان إنتاجاً سينمائياً بحتاً، مشاهدته على الشاشة الكبيرة أفضل من الصغيرة. بينما الأمر ليس مماثلاً بالنسبة لفيلم «الإيرلندي» المُطعّم سينمائياً، لكنه مُفصّل للمشاهدة التلفازية أكثر من السينما، أو ربما لا فرق بين التجربتين.

    مرّ ربع قرن منذ أن تعاون سكورسيزي مع ممثله المفضل منذ عقد السبعينات، روبرت دينيرو، وصنع الاثنان أفضل أفلام القرن الـ20: تاكسي درايفر، الثور الهائج، وGoodfellas «صحبة طيبة»، أما بعد تعاونهما في رائعة «كازينو»، فقد افترقا بسبب صعوبات تمويلية ولوجستية لبعض المشروعات، رغم محاولتهما العمل معاً.

    عودة دينيرو إلى مدار سكورسيزي تذكّرنا ببراعة الممثل عندما يترك الكوميديا التهريجية، فهذه أول مرة يعطي فيها دينيرو أداء يستحق الأوسكار منذ التسعينات (لو تجاهلنا أداءه في Silver Linings Playbook).

    «الإيرلندي» مقتبس من كتاب الصحافي الاستقصائي، تشارلز براندت، بعنوان «سمعت أنك تدهن بيوتاً»، الذي يتناول قصة شيران، التي تبلغ ذروتها بادعاء الرجل أنه اغتال جيمي هوفا (ألباتشينو)، ولا يعرف أحد حقيقة ما حلّ بهوفا يوم 30 يوليو 1975 لكنه اختفى منذ ذلك اليوم.

    توجد نظريات عدة تتعلق بسقوط هوفا، وكيفية اختفائه، لكن رواية شيران هي الأقرب إلى الحقائق على الأرض، وهي الوحيدة المتمتعة بقدر من الصدقية. بغض النظر عن ادعاء شيران ومدى صحته، فذلك لم يضر تحفة سكورسيزي هذه التي يروي فيها قصة الرجل.

    «الإيرلندي» مؤطر حول ذكريات شيران، نراه في نهاية لقطة البداية الطويلة المتواصلة التي تعبر ممرات دار مسنين وتنتهي عنده جالساً على كرسي متحرك، في آخر حياته عام 2003. يأخذنا الرجل في جولة جذورها تمتد إلى الأربعينات، وتمضي معظم أحداثها في الخمسينات والستينات والسبعينات. ورغم أن اغتيال هوفا عنصر رئيس في القصة، إلا أن الفيلم عن قصة حياة شيران، أو حتى دراسة سلوك شخصيته، قبل لقائه هوفا رئيس اتحاد العمال المسمى «تيمسترز»، بفترة طويلة، وإلى اختفائه.

    لكن العلاقة بينهما هي مصدر زخم الفيلم، الذي تتمتع مشاهد شيران وهوفا معاً فيه بقوة أكثر من غيرها. يتناول الفصل الأول من الفيلم تفاصيل عن لقاء شيران بمحامي المافيا، بيل بوفالينو (راي رومانو)، الذي يقدمه لابن عمه راسل بوفالينو (جو بيسكي) زعيم مافيا سكرانتون في فيلادلفيا.

    يقدم راسل شيران إلى بقية عصابة فيلادلفيا فيليكس (بوبي كانافال) وأنجلو برونو (هارفي كايتل)، وكلما يظهر عضو قيادي من العصابة يجمد سكورسيزي الشاشة، ويضع فقرة قصيرة توضح تاريخ موت الشخصية وطريقة قتلها وعدد الرصاصات.

    في نهاية الخمسينات، ارتقى شيران سلالم العصابة وأصبح عضواً فاعلاً في دوائر المافيا، ليتأهل للتعرف إلى هوفا. تنشأ صداقة بين شيران وهوفا، وتتطور خلال عقدي الستينات والسبعينات، اللذين يشير الفيلم خلالهما إلى أحداث تاريخية لارتباط القصة ارتباطاً وثيقاً بها، بسبب احتمال تورط هوفا في تلك الأحداث، مثل انتخاب الرئيس، جون كينيدي، واغتياله، وخليج الخنازير، وسجن هوفا ومحاولته استعادة السيطرة على «تيمسترز»، ولقاء ديترويت في يوليو 1975 الذي اختفى الرجل بعده.

    يمثل «الإيرلندي» عودة سكورسيزي إلى كلاسيكياته السابقة حول قصص العصابات للمرة الأولى منذ «كازينو» 1995. لا نقول إن الفيلم يحمل رؤية جديدة عن أفلام العصابات، بالعكس هو كلاسيكي بالمعايير القديمة التي عشقها جمهور سكورسيزي، الذي تابع أعماله في 50 سنة الماضية.

    هناك رأي يقول إن أقوى أعمال سكورسيزي قبل هذا الفيلم، كان «صحبة طيبة» 1990، ربما لأنه عكس الصداقة والعلاقات الشخصية داخل العصابة. وهناك رأي ينحاز لـ«كازينو»، لأن قصته أشمل، وتحمل تفاصيل صعود وسقوط إمبراطورية المافيا بلاس فيغاس في السبعينات. الأول قصة من منظور شخصي عن دوافع صبي يريد أن يدخل عالم العصابات، بينما «كازينو» عن قصة متشعبة تتسم شخصياتها بالغرور والجشع.

    «الإيرلندي» مختلف عنهما، لأنه فيلم ذو طابع تأملي أكثر، وهو الأكثر عاطفية من أفلام سكورسيزي التي تناولت العصابات. أقنع سكورسيزي جو بيسكي بترك تقاعده والعودة إلى دور أخير مختلف عن دوريه في «صحبة طيبة» و«كازينو». دور بيسكي هنا مقيد وهادئ أكثر من المجرم المجنون الشرس في «كازينو».

    سرق ألباتشينو الأضواء ممن حوله في كل مشهد ظهر فيه، من الصعب تصديق أن هذا أول تعاون بين أسطورتين مثل ألباتشينو وسكورسيزي، لكنه التعاون الثالث بين دينيرو وألباتشينو، بعد اقتسامهما الشهير للشاشة في رائعة مايكل مان Heat عام 1995، ثم ظهورهما في الفيلم الرديء Righteous Kill عام 2008، وبالطبع التقيا كممثلين في الجزء الثاني من «العراب» 1974، دون الظهور معاً في أي مشهد، أما «الإيرلندي» فيبرز للمرة الأولى أول انسجام ذي معانٍ عميقة بينهما.

    هذا الفيلم لا يقدم جديداً بالنسبة لسكورسيزي مقارنة بأفلامه السابقة، لكن إن كان المشاهد يفهم لغة أفلام العصابات التي أسسها سكورسيزي منذ السبعينات، وبلغت ذروتها بداية التسعينات، سيشعر بالقوة التعبيرية فيه.

    هذا الفيلم وداعيّ لجيل من نجوم السبعينات الذين فقدوا زخمهم بداية الألفية الجديدة، بسبب التقدم في السن الذي فرض نوعاً آخر من الأدوار لا يتناسب ومكانتهم. سكورسيزي فقط الذي حافظ على مستواه في 50 عاماً، و عندما عرضت عليه «نتفليكس» العمل معها دون أي تضييق، قرر الرجل العودة إلى اللغة والأسلوب ذاتيهما، اللذين اخترعهما وألهم بهما أجيالاً من صناع الأفلام.

    عاد سكورسيزي محاطا بالحرس القديم (دينيرو/‏‏‏‏ ألباتشينو/‏‏‏‏ بيسكي) الذين أثبتوا أن التقدم في السن وقلة الزخم لا تقتلان البراعة والخبرة وموهبة التمثيل الفطرية المتأصلة في داخلهم. يعكس الإيرلندي سينما أصيلة وهو أفضل فيلم عام 2019 والأفضل في هذا العقد الذي اتسم بالإفلاس السينمائي.

    لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.


    منحت «نتفليكس» المخرج، مارتن سكورسيزي، حرية مطلقة، وهي حرية لا يحصل عليها من استوديوهات هوليوود.

    عودة دينيرو إلى مدار سكورسيزي، تذكرنا ببراعة الممثل عندما يترك الكوميديا التهريجية.

    50

    عاماً حافظ خلالها سكورسيزي على مستواه، وهذا فيلم وداعيّ لجيل من نجوم السبعينات الذين فقدوا زخمهم بداية الألفية الجديدة بسبب التقدم في السن.

    لا يعرف أحد حقيقة ما حلّ بهوفا يوم 30 يوليو 1975.

    طباعة