يواكب معايير «بريكنغ باد»

    «إل كامينو» يكمل أفضل حلقة أخيرة لمسلسل هذا العقد

    صورة

    هل يمكن مشاهدة فيلم El Camino دون مسلسلBreaking Bad الويسترن الشهير وهو، أي الفيلم، يضع اسم المسلسل في عنوانه؟ سؤال يحير الكثير من محبي المسلسلات الذين يجدون أفلاماً عن مسلسلاتهم المفضلة، سواء في السينما أو على شاشات التلفاز، كما تفعل «نتفليكس» هنا بعرضها الفيلم حصرياً على منصتها.

    حتماً لا، إذ لا يمكن أبداً إخراج أي فيلم عن سياقه، ولا يمكن النظر إلى الغصن باعتباره الشجرة. إل كامينو يكمل الحلقة الأخيرة من مسلسل «بريكنغ باد» (2007-2013)، الذي أطلق العصر الذهبي الثالث في صناعة التلفزيون المستمر إلى اليوم.

    نتحدث عن أحد أجمل وأفضل المسلسلات في القرن 21 وفي تاريخ التلفزيون، إذ يحتل مركزاً ضمن الـ10 الأوائل، والفائز بجائزة أفضل دراما عامين متتاليين 2013 و2014، الذي فاز موسمه الأخير نفسه في المرتين، وحازت حلقته الأخيرة - التي بثت بتاريخ 29 سبتمبر 2013 - تقييم أفضل وأقوى حلقة أخيرة في هذا القرن في اتفاق عالمي وليس أميركياً فقط.

    يتناول المسلسل قصة وولتر وايت (برايان كرانستون)، مدرس الكيمياء المريض بالسرطان الذي شاهد خبر مداهمة مقر عصابة مخدرات وانبهر من كثرة الأموال المصادرة، فقرر إعادة النظر في وظيفته واستغلال خبرته في الكيمياء لصنع المخدرات بالتعاون مع أحد طلابه جيسي بينكمان (آرون بول) وشيئاً فشيئاً تحوّل إلى الأسطورة هايزنبيرغ، الذي سيطر على سوق المخدرات من ولاية نيو مكسيكو إلى بعض مناطق المكسيك.

    نعود إلى إل كامينو الذي يضيف ساعتين إلى الحلقة الأخيرة من التحفة التلفزيونية التي ألفها فينس غليغان، وهو كاتب ومخرج الفيلم الذي يكمل من حيث انتهت الحلقة، إذ نرى جيسي بينكمان (بول) هارباً من مقر عصابة النازيين الجدد بعد أن حرره بطل المسلسل وولتر وايت (كرانستون) أثناء المواجهة الأخيرة ضد العصابة في مشهد ذروة لم نر له مثيلاً حتى في المسلسلات المتخصصة في الأكشن.

    يقود جيسي المحطم جرّاء اختطافه وتعذيبه من قبل العصابة سيارة إل كامينو التي سرقها من خاطفه تود (جيسي بليمونز). ويذهب إلى أقرب أصدقائه باجر (مات جونز) وبييت النحيل (تشارلز بيكر) اللذين يسلمانه الأموال التي تركها له وولتر وايت.

    يسعى جيسي إلى الوصول إلى إيد غالبريث (روبرت فورستر الذي توفي يوم عرض الفيلم على نتفليكس)، والذي يدير عمليات غير قانونية لتغيير هويات وإخفاء مجرمين من خلال محله، وهو واجهة متخصصة في بيع مكانس كهربائية، ويطلب جيسي منه أن يساعده في الاختفاء، خصوصاً أنه مطلوب للشرطة.

    يعرض الفيلم مشاهد استرجاعية تدعم سياقه وتجيب عن بعض الأسئلة بالنسبة للمشاهد الذي لا يعرف المسلسل، لكنها لا تغني أبداً عن مشاهدته. المَشاهد جديدة وهي غير موجودة في المسلسل وتتناول العلاقة بين جيسي وخاطفيه، خصوصاً تود، وهناك مشهد مؤلم عن كيف استعبدت العصابة جيسي.

    يعيد غليغان بعض الشخصيات التي لعبت أدواراً مهمة في المسلسل، مثل مايك (جوناثان بانكس) الموجود فيBetter Call Saul المسلسل المتفرع من «بريكنغ باد»، الذي بدأ عام 2015 ويتناول شخصية سول غودمان (بوب أودينكيرك) محامي عصابات المخدرات المحتال في مدينة البوكيركي في ولاية نيو مكسيكو مسرح أحداث المسلسل. كما يعيد جين (كريستين ريتر) أول صديقة لجيسي من خلال مشاهد استرجاعية، وحتى وولتر وايت يظهر في مشهد استرجاعي واحد آخر الفيلم.

    ولا ننسى تود، الموظف في شركة مبيدات حشرية تتحوّل إلى واجهة لتنفيذ أجندة وولتر وايت. تود يبدو موظفاً بسيطاً، لكن في داخله قاتل شرس لا يتورع عن قتل أم وطفلها، كما يحدث في المسلسل، ثم الذهاب إلى النوم قرير العين دون أن يرف له جفن. وامتداد تود تلك العصابة العنصرية التي اختطفت جيسي.

    يحمل الفيلم بعضاً من بصمات المسلسل ويختلف عنه في النبرة والسرعة والتصوير بسبب اختلاف صيغته، فهذا فيلم مدته ساعتان، وذلك مسلسل 62 حلقة. إل كامينو أسرع من بريكنغ باد لأنه لا يأخذ وقته مع الشخصيات التي قدمها المسلسل وانتهى منها.

    لكن الفيلم يحوي مشاهد جديدة تعكس قدرة غليغان وبراعته في إكمال قصة انتهت منذ ستة أعوام. ولو صدر الفيلم بعد المسلسل بعامين لربما لن يكون بهذا المستوى، لكننا هنا نتحدث عن طبخة نضجت في الأعوام الستة الأخيرة. يختار غليغان لقطاته بعناية فائقة ويكتب حواراته بحكمة وترو، كما فعل في المسلسل، ولا يكتفي بذلك بل يرسم مشاهد أكشن جيدة التنفيذ. يعطي الفيلم البطولة لجيسي الشخصية المساعدة في المسلسل، الذي تأخذه كل قراراته إلى الهاوية، ليتدخل وولتر وايت وينقذه مرات عدة، وهنا نرى شيئاً مختلفاً، إذ إن جيسي يفكر لوحده وباستقلالية تامة عن وايت ويتصرف للمرة الأولى من تلقاء نفسه دون أي تدخل خارجي. ويضع الفيلم نهاية لقصة جيسي تتناسب مع نهاية قصة وايت، كل حسب قراره الأخير. وبالتناسب مع اسم ومعايير بريكنغ باد، الذي بات علامة تجارية مميزة لها وزنها في صناعة التلفزيون.

    الفيلم ليس مصنوعاً ليشاهَد منفرداً وهو ليس تشويقياً، رغم وجود مشهد مواجهة رهيب بالمسدسات على طريقة مشهد فيلم الويسترن الكلاسيكي High Noon عام 1952، بالأحرى يمكن تسميته فيلم شخصية تعاني اضطراباً ما بعد الصدمة تهرب من خاطفيها وتبحث عن ملجأ نهائي.

    كان مسلسل بريكنغ باد حول عواقب قرارات الشخصيات وأولها وايت، المصاب بالسرطان الذي يتوقع موته بعد عامين يستغلهما لصناعة المخدرات، كي يوفر الأمان المالي لعائلته. قرار وايت وبينكمان صنع المخدرات أخذ المسلسل في منحى غريب وأعطاه قصة جميلة ومشوقة. بالتماشي مع موضوع المسلسل، فإن قراراته الفنية والإبداعية أخذت مسلكاً مماثلاً بشكل لم يسبق له مثيل من خروج وايت وبينكمان إلى الصحراء في الحلقة الأولى إلى مشهد معركة الرصاص الدموية في الأخيرة.

    أعطى هيكل المسلسل المشاهد ثقة بأن كل قرار مرتبط بعواقب سيثير فضوله واهتمامه، وهذا جزء من متعة مشاهدة المسلسل والهوس الذي صنعه لاحقاً بين الناس. فقد كان مشهد لعبة تسقط من السماء في حوض سباحة لا يفسر إلا بعد أشهر من ظهور اللقطة لأول مرة.

    ولو اشتهر مسلسل 24 بأنه الذي أعاد تعريف طريقة إدخال الصدمات والنهايات المزعجة في المسلسلات، فإن بريكنغ باد اشتهر بلقب المسلسل الخالي من العيوب.

    ننصح الذين يعرفون المسلسل بمشاهدة الحلقة الأخيرة منه قبل الفيلم، وننصح من لا يعرفونه بمشاهدته. يذكر أن غليغان احتفظ بالعرض التقديمي أو Presentation للحلقة الأخيرة من المسلسل وخطتها المفصلة كتذكار، وأعارها عام 2014 لمعرض «نيويورك أبيكس آرت»، ليرى زوّار المعرض جزءاً مهماً من تحفة كلاسيكية تعدّ من أجود ما صنع على الشاشة الصغيرة.

    «ننصح الذين يعرفون المسلسل بمشاهدة الحلقة الأخيرة منه قبل الفيلم، وننصح من لا يعرفونه بمشاهدته».

    يحمل الفيلم بعضاً من بصمات المسلسل ويختلف عنه في النبرة والسرعة والتصوير.

    لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.


    2007

    أسس مسلسل «بريكنغ باد» بداية العصر الذهبي الثالث في صناعة التلفزيون.

    طباعة