الفيلم عُرض بمناسبة احتفالات مصر بحرب أكتوبر

    «إحسان» أضحك جمهور «الممر» وأغضب الصحافيين

    أصحاب الانتقادات أكدوا أن المراسلين العسكريين ضربوا أمثلة بارزة في الشجاعة خلال الحرب. أرشيفية

    رغم الحماس الكبير الذي استقبل به المصريون فيلم «الممر» عند عرضه على شاشات التلفزيون بمناسبة احتفالات مصر بنصر السادس من أكتوبر عام 1973، إلا أن الأمر لم يخل من تحفظات، بل وانتقادات أيضاً من البعض، حيث أثار الفيلم غضب واستياء صحافيين مصريين، مبدين رفضهم للصورة التي ظهر بها المراسل الصحافي، المتمثلة في شخصية «إحسان» التي جسدها الفنان أحمد رزق، واعتبر عدد كبير من الإعلاميين المصريين أن الشخصية، بحسب ما ظهرت في الفيلم، بعيدة كل البعد عن المراسلين الصحافيين الذين عاصروا حرب أكتوبر، وكانوا بمثابة جنود في الجيش المصري خلالها، واستطاعوا أن ينقلوا إلى الشارع المصري والعربي صوراً من بطولات الجيش المصري في الحرب، ورووا عشرات القصص الإنسانية عن الجنود الذين شاركوا فيها، ولم يبخلوا بأرواحهم فداء للوطن وطلباً للنصر، ومن هؤلاء المراسلين الإعلامي حمدي الكنيسي، والراحل جمال الغيطاني، وعبده مباشر، ومحمد باشا، وصلاح قبضايا وغيرهم.

    وتعددت انتقادات الصحافيين لشخصية «إحسان»، المراسل الحربي في الفيلم، بداية من مظهره العام، معتبرين أن وزن وتكوين أحمد رزق الجسماني لا يتناسب مع مواصفات الأشخاص الذين يمكن أن يوجدوا على جبهة القتال، وصولاً إلى قدراته المهنية، فظهر «إحسان» في الفيلم كصحافي غير قادر على القيام بعمل جاد في عمله، ويقوم بتغطية أخبار الملاهي الليلية. كذلك طالت الانتقادات صفاته الشخصية، حيث ظهر بشخصية لاهية بعيدة عن الجدية، جعلته موضع سخرية الجنود والضباط في الكتيبة، وكان الجميع يتعامل معه باستعلاء واستخفاف، وهي صورة مخالفة تماماً للصورة الحقيقية للمراسل الحربي، الذي يتم اختياره بدقة، ويتلقى تدريبات نفسية ومهنية حتى يستطيع التعامل مع المواقف المختلفة التي يمكن أن يواجهها على الجبهة.

    أمثلة مشرّفة

    أصحاب هذه الانتقادات أكدوا أن المراسلين العسكريين ضربوا أمثلة بارزة في الشجاعة والحماس خلال الحرب، مستندين إلى بعض الشهادات التي كتبت ورويت في هذا الاتجاه، ومنها شهادة الشهيد العميد إبراهيم الرفاعي، قائد المجموعة ٣٩ قتال، عن المراسل العسكري الصحافي عبده مباشر، أثناء حرب الاستنزاف، والتي جاءت ضمن مذكرة رفعها الرفاعي إلى وزير الحربية ليعرضها على رئيس الجمهورية. وقال فيها: «قدم المراسل الحربي عبده مباشر التماساً إلى إدارة المخابرات الحربية وإلى الاستطلاع، يطلب فيه مرافقة المجموعة ٣٩ قتال في عملياتها خلف خطوط العدو، وتصدّق له بعد أن كتب تعهداً بأن الإدارة غير مسؤولة عنه في حال استشهاده». وكتبت مديرة تحرير مجلة «نصف الدنيا» المصرية هبة باشا، ابنة الكاتب محمد باشا الذي عمل مراسلاً عسكرياً فترة طويلة، على حسابها على موقع «فيس بوك»: «للتاريخ.. بما أن فيلم الممر سيعرض سنوات طويلة قادمة في احتفالات السادس من أكتوبر، أؤكد للأجيال القادمة أن المراسل الصحافي العسكري ما كان مهزوزاً ولا مهزوماً ولا بـ(يتبرق له) و(بيتشخط فيه) من العساكر و(يتريقوا) عليه، ولا كان الجيش - حتى اليوم - يوافق على ترشيح أي (جرنال) لصحافي بهذه المواصفات، ولا تاريخه المهني كان في نشر أخبار البارات. فالمراسل العسكري كان يعيش معهم في الخندق واحد، ويوثق بقلمه بطولاتهم، وحتى مشاعرهم الإنسانية، وسطوره كانت هي التي تشد عزم الشعب، لأن (الجرنال) كان وسيلة رئيسة ومهمة لنقل المعلومات من حرب الاستنزاف إلى بعد 73، وكانوا أيضاً مثل الجنود، تاركين بيوتهم وزوجاتهم وأولادهم، وكل مراسل عاد نال أعظم الأوسمة والتكريمات من الرئاسة والجيش والنقابة ووزارة الإعلام وكل محفل لسنوات طويلة، وعادوا وربوا أولادهم على الوطنية والكرامة والشجاعة في المواجهة، وقول الحق».

    حساسية زائدة

    في المقابل، اعتبر البعض أن استياء الصحافيين يعكس حساسية زائدة للموضوع، وأن الفيلم قدم شخصية معينة في سياق درامي معين، وليس بالضرورة أن تكون نموذجاً عاماً لكل الصحافيين، في حين رأت أصوات أن شخصية «إحسان» لا تسيء إلى صورة الصحافي والمراسل العسكري، ولكن تم توظيفها لتضفي طابعاً كوميدياً على أحداث الفيلم من جهة، ولتعكس حالة الإحباط والضياع التي كان يعانيها غالبية الشعب، ومنهم صحافيون، في الفترة ما بين نكسة 1967 وحتى نصر أكتوبر 1973، كما يظهر التغير الكبير الذي شهدته الشخصية خلال الحرب، والذي جعل «إحسان» يمسك بالسلاح ويقاتل.. التغير العميق الذي أحدثه نصر أكتوبر في نفوس المصريين والعرب، وكيف أعاد إليهم إيمانهم بقوتهم وثقتهم بأنفسهم.

    النقد ليس خيانة

    من جانب آخر، أثار الفيلم جدلاً كبيراً بين الجمهور، فالبعض تعامل معه باعتباره وسيلة لرفع الحالة المعنوية للمصريين، واستعادة روح الانتماء والفخر بوطنهم وإنجازات جيشهم، وبالتالي أي هجوم عليه يمثل هجوماً أو تشكيكاً في نصر أكتوبر، أو محاولة لتثبيط روح الحماس التي خلقها الفيلم في نفوس المشاهدين، خصوصاً الشباب. معتبرين أن العناصر الفنية في الفيلم يمكن التجاوز عنها في مقابل اعتباره وسيلة لتكريس الروح الوطنية في نفوس النشء والشباب بشكل خاص، وتعريفهم ببطولات الجيش المصري. في الوقت الذي ذهب فيه البعض إلى أن الفيلم يجب التعامل معه مثل أي فيلم آخر، والحكم عليه ونقده بناء على العناصر الفنية التي يضمها، وتسليط الضوء على ما شابه من ضعف في السيناريو والقصة، أو ما ظهر فيه من أخطاء تخص فنيات الحرب واستخدام الأسلحة، لا يعني التشكيك في نصر أكتوبر أو خيانة الوطن ورفض مشاعر الوطنية والانتماء إليه.


    - تعدّدت انتقادات الصحافيين لشخصية المراسل الحربي

    في الفيلم، بداية من مظهره العام وصولاً إلى

    شخصيته اللاهية التي جعلته موضع سخرية الجنود

    الذين تعاملوا معه باستعلاء واستخفاف.

    طباعة