الفيلم يتحرّر بشكل كبير من الرواية

    «غريب لكن حقيقي».. توظيف جيد للغموض قبل صدمة النهاية

    فيلم Strange But True (غريب لكن حقيقي) الذي يُعرض ابتداء من اليوم في صالات الدولة، يحمل تفاصيل غريبة ومؤلمة.

    من النادر مشاهدة هذه النوعية من الأفلام اليوم، وهي على تواضعها أفضل كثيراً من أبطال مارفل المزعجين، لأنها تبث مشاعر وإنسانية من الشخصيات رغم الوحشية التي تتعرض لها. هنا فتاة أثبتت نفسها جيداً في السنوات الماضية، مارغريت كوالي ابنة الممثلة وعارضة الأزياء الأميركية السابقة أندي مكدويل.

    انطلقت كوالي تلفزيونياً من مسلسل The Leftovers، وأكدت موهبتها في Novitiate ثم ظهرت في دور الفتاة المتعاطية من عشيرة مانسون في «ذات مرة في هوليوود». كل هذه أدوار جيدة في أعمال قوية، وأداؤها الجميل في هذا الفيلم يضفي صدقية بمثابة إنجاز في سجلها رغم تواضع المشروع مقارنة بأعمالها السابقة.

    حيرة

    تظهر ميلسيا (كوالي) حاملاً في بداية الفيلم، وتعلن بوجه بريء أن الذي في أحشائها طفل لشاب كانت تخرج معه، وتوفي منذ خمسة أعوام. تشير ميليسا أن الأمر حصل بمعجزة. ويحتار المشاهد: هل يصدقها أم يصدق أنها تصدق نفسها؟ هذه الحيرة تفسر أداء كوالي الجميل والغريب والغامض.

    فيليب (نيك روبنسون) مصور فوتوغرافي يتعافى من إصابة في قدميه، ويعيش في منزل والدته المطلقة تشارلين (إيمي رايان) التي يتجادل معها كثيراً. في جذور هذا الخلاف العائلي البسيط تقبع حادثة أليمة ألمت بهذه العائلة وهي موت شقيق فيليب الأصغر روني (كونور جيسب) في حادث سيارة منذ خمسة أعوام.

    فلا غرابة أنه عند ظهور ميليسا (كوالي) عند باب العائلة وإبلاغهم أن روني الراقد في قبره هو والد الطفل الذي في بطنها، لا غرابة من برود تشارلين تجاه الفكرة وطردها ميليسا في ما بعد.

    يقرّر فيليب المستغرب كما والدته من ظهور ميليسا والمتعاطف معها، فك الغموض ومعرفة كيف حملت من شقيقه المتوفى، بينما والدته الموظفة السابقة في مكتبة عامة تقرر هي الأخرى فك طلاسم اللغز بتمضية ساعات على الإنترنت في المكتبة العامة تبحث عن إجابات في مقالات بحثية حول نظريات الحمل البديل.

    ينتج عن بحث فيليب إحضار بقية شخصيات الفيلم إلى دائرة الغموض، وهم والده ريتشارد (غريغ كينر) وهو طبيب في مستشفى وكان يعمل في مناوبته عندما توفي ابنه؛ ما عزّز فرضية أن ريتشارد أخذ عينة من سائل روني وجمده خمسة أعوام ثم أعطاه إلى ميليسا، كما وصل فيليب إلى والدي ميليسا بالتبني غيل والشرطي المتقاعد بيل (بليث دانر وبرايان كوكس). كتب الفيلم إريك غارسيا من رواية جون سيرلز بالعنوان نفسه، والتي نشرها عام 2004.

    غرابة ولدت تناقضاً

    هناك غرابة في الفيلم الذي صور في ثلاثة أسابيع قد تكون بسبب عملية الاقتباس التي استغرقت أكثر من 10 أعوام؛ إذ بالنظر إلى توقيت نشر الرواية نلاحظ أنه كان قبل عصر الهواتف الذكية، وهو ربما ما يفسر اضطرار تشارلين إلى الجلوس في مكتبة عامة لإجراء عملية البحث وهو من سمات الماضي، أمّا اليوم فبالإمكان إجراء بحث كهذا على الهاتف الذكي أو حتى «آي باد».

    الغرابة ولدت تناقضاً، إذ إن شخصيات الفيلم تستخدم في بعض المشاهد هواتف ذكية أي كأن الفيلم يقع في زمنين مختلفين في آن واحد. الفيلم من إخراج الإنجليزي من أصل هندي روان آثال يوظف الغموض بشكل كبير، والذي استلهم أجواءه من أفلام كلاسيكية مثل الهولندي الشهير «الاختفاء» 1988 وGone Girl عام 2014.

    يمضي الفيلم باتجاه الرعب، ويدعم هذا الاتجاه بمشهد عن عرّافة أو امرأة تتصل بالعالم الآخر، لكنه لا يعود إلى المشهد ولا العرافة ويأخذ اتجاهاً آخر نحو التشويق النفسي والغموض. يتمتع الفيلم بأداء مميز من كوالي وكينر ورايان، وفي الوقت نفسه يفوّت فرصة استغلال شخصية كوكس واستخراج أداء من الرجل يتناسب مع شخصيته.

    روبنسون هو الضحية في هذا النص، إذ لم يفلح غارسيا في كتابة حوارات شخصيته جيداً، وكذلك المشهد الذي يروى بداية الفيلم، ويقول: «لو علمنا كل الحقيقة، هل سنكون أقل خوفاً.. أم أكثر؟» العبارة ضعيفة ولا داعي لها.

    في مشهد آخر مثلاً يجمعه مع العرّافة، إذ يبدأ بهيمنة العرافة على شخص فيليب وقدرتها على إخباره بما يدور في خلده، ما يولد لحظة ترقب حاسمة تحطمها العرافة بجملة لا تليق بهيبة المشهد هي: «أقبل الدفع ببطاقة فيزا أو ماستر كارد»!

    يوظف آثال وغارسيا اللذان تحررا بشكل كبير في اقتباسهما من الرواية أسلوب إظهار التفاصيل الضرورية فقط لكل مشهد، وإبقاء الحوارات عند أقل مستوى، والمهم عدم إغراقنا في ثرثرة الشرح الطويل. الأسلوب فعّال لأن النص يدور حول محورين، الأول خلاف الشخصية التي يدورعليها النزاع ضد كل من التقت بهم باستثناء والديها بالتبني.

    المحور الثاني هو سعي الطرف المضاد (فيليب ووالدته) للحصول أو اكتشاف معلومات (فك الغموض). يلعب آثال ببطاقة الغموض حتى آخر ربع ساعة، ويكشف المفاجأة وعندها لا يبقى عنده سوى التشويق الذي يوظّفه بشكل عادي وليس في مستوى الغموض نفسه.

    فنياً، يوظف آثال تكنيك الحركة البطيئة والمونتاج الموازي للتنقل بين أحداث مختلفة زمنياً من القصة نفسها، والغرض زيادة الرعب وإثارة الفضول وحبس الأنفاس. الفيلم آسر ما دام المشاهد لا يعلم اتجاهه، لو كان رعباً أو خيالاً عن فتاة حامل من شبح صديقها المتوفى.. والغموض هنا يعطي الفيلم لمسة سريالية.

    التوتر في ذروته

    يتفوق الفيلم في التصوير، وبناء أجواء الغموض حول حمل ميليسا، وعندما يصل التوتر ذروته وتنكشف المفاجأة؛ فإن الفيلم يصبح صادماً ومؤلماً نفسياً. لن نكشف شيئاً لكن عندما ظنت ميليسا أن حملها حدث بمعجزة فإنها كانت تقول الحقيقة من وجهة نظرها! هذا الفيلم جيد ويستحق المشاهدة.

    • آثال يلعب ببطاقة الغموض حتى آخر ربع ساعة، ويكشف المفاجأة.

    • روبنسون الضحية في هذا النص، إذ لم يفلح غارسيا في كتابة حوارات شخصيته.

    • أداء كوالي الجميل في الفيلم يضفي صدقية بمثابة إنجاز في سجلها.

    • 2004 العام الذي ظهرت فيه الرواية جون سيرلز المقتبس عنها الفيلم بالعنوان نفسه.

    للإطلاع على الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.

    طباعة