يستخدم الأغاني لرسم مشاهد سريالية

«روكيت مان» يُضيّع إلتون جون في فضاء كليشيهات الصنف

صورة

في عام 1988 طرح المغني الإنجليزي المخضرم إلتون جون ألبومه المعنون «ريغ سترايكس باك» بمعنى «ريغ يعود». وكان يشير إلى عودة المغني إلى الساحة بعد فترة من الركود في منتصف عقد الثمانينات. كان الألبوم عودة إلى جذوره وتخلياً عن مظهره التهريجي الاستعراضي الذي رافقه في السبعينات.

وللمرة الأولى منذ عام 1973 كان جون نظيفاً وبعقلية رزينة متزنة بعيداً عن تأثير مسببات الإدمان، مثل الكحول والمخدرات، وقادراً على التركيز على تأليف الموسيقى بدل الضياع في الملهيات. لا يتضمن فيلم Rocketman وهو فيلم سيرة ذاتية في قالب سريالي عن المغني الشهير أي أغنية من الألبوم المذكور في فقرة الافتتاح.

لكن الفيلم يركز أكثر على الأحداث التي وقعت في آخر الثمانينات والتي شهدت تحول إلتون جون من مدمن مثير للجدل إلى مغن متزن محبوب، وأيقونة لموسيقى البوب الإنجليزية وهي الصورة التي حافظ عليها في الـ25 سنة الماضية.

يسرد روكيت مان عن طريق المشاهد الاستعادية (فلاش باك) عندما نرى إلتون جون (تارون إيغرتون) في منتصف الثمانينات يتأمل حياته الماضية من عيادة إعادة تأهيل مدمنين. يمتد الفيلم لفترة تصل إلى 30 عاماً يبرز خلالها الكثير من الإنجازات والإخفاقات في حياة المغني، وفي الوقت نفسه يستخدم 20 من أفضل أغاني جون معظمها من فترة السبعينات.

يركز الفيلم على علاقة جون المتوترة مع والديه خصوصاً والدته شيلا (برايس دالاس هاورد في أحد أفضل أدوارها وبلهجة بريطانية متقنة) المتحفظة في آرائها، وأيضاً على علاقة جون الطويلة مع شاعره بيرني توبن (جيمي بيل)، وعلى علاقته السيئة مع مدير أعماله جون ريد (ريتشارد مادن) وعلى جحيم المخدرات والكحول الذي غرق فيه. رغم أن روكيت مان يعلم أنه لا يسرد الحقائق بحذافيرها فإن من حقنا الاندهاش من أن المغني حقق نجاحاً أسطورياً ومسيرة مثمرة رغم كل ما مر به.

لم يرغب المخرج الإنجليزي ديكستر فليتشر في تكرار تجربة «بوهيميان رابسودي» خصوصاً أنه لم يحصل على استقلالية كاملة في قراراته الفنية، لأنه جاء مكان المُقال برايان سينغر الذي أخرج 70% من ذلك الفيلم.

هنا تظهر أكثر رؤية فليتشر، فبدلاً من اتباع الطريقة التقليدية لأفلام السيرة الذاتية وإدخال الأغاني بين المشاهد، يستخدم روكيت مان الأغاني في رسم مشاهد سريالية ولإبراز اللحظات العاطفية، فمثلاً أثناء أغنية «كروكودايل روك» التي غناها جون في حفلة تروبادور عام 1970 نجد جون والجمهور معلقين في الهواء على أنغام الأغنية.

حتى المشاهد الانتقالية بين الأزمنة منفذة بالأغاني، فمثلاً يبدأ جون أغنية في سن معينة وزي معين وينهيها في مرحلة لاحقة من حياته. لا نستبعد زحف اسم تارون إيغرتون على قائمة مرشحي الأوسكار آخر هذا العام رغم أننا لم ننبهر بأدائه. ليس تقليلاً من جهود الرجل لكن شاهدنا الأفضل منه وأقرب مثال رامي مالك في دور فريدي ميركوري في «بوهيميان رابسودي».

يبذل إيغرتون جهداً كبيراً لكن هناك لمسة ناقصة وهناك مبالغة ربما لتتناسب مع النبرة السيريالية التي اختارها فليتشر، لكن إن سألنا سؤالاً مشروعاً: هل يغوص إيغرتون داخل إلتون جون كما غاص مالك داخل ميركوري أو كما غاص كريستيان بيل في ديك تشيني، أو كما تفعل النجمة ميريل ستريب عندما تغوص داخل شخصياتها؟ وعندما نقول يغوص أي أن المشاهد ينسى وجود الممثل ولا يرى سوى الشخصية المراد تجسيدها. الجواب هو لا، وكل ما نراه هو إيغرتون يذكرنا بأنه إلتون جون! بدل أن يضعه أمامنا.

ربما يكون السبب أن جون وإيغرتون لا يتشابهان في تقاسيم الوجه، وأنف جون كبير ويحتل مساحة من وجهه بينما إيغرتون وسيم ذو أنف رفيع. وربما كان من الأفضل وضع أنف اصطناعي على وجه إيغرتون وقليل من «الميك» ليشبه جون قدر المستطاع.

ميزة إيغرتون هنا هي إضافة صوته على أغاني جون وليس تحريك شفتيه على صوت المغني كما فعل مالك في «بوهيميان رابسودي». الممثلان الآخران الرئيسان في روكيت مان هما جيمي بيل وريتشارد مادن. بيل يؤدي بيرني توبن بعمق إنساني رهيب رغم أن الشخصية لم تكتب بشكل يوازي عمق أداء الممثل. نقول هذا رغم أن نجاح جون مرتبط بشكل جوهري بعلاقته مع توبن، فكل أغاني روكيت مان باستثناء بينبول ويزارد، شارك توبن في كتابتها.

مادن بالمقارنة يستخدم الكاريزما التي يتمتع بها (مثل دور برينس تشارمنغ في سندريلا 2015 تحت إدارة كينيث برانا) في تجسيد جون ريد من مرحلة إبراز سمات الأخير المشابهة للمغني من ناحية ميول الشخصيتين إلى الانحراف السلوكي المتعلق بالجنس إلى مرحلة تحوله إلى الفظاظة والقسوة. روكيت مان فيلم عادي ومستعجل ويضيع إلتون جون في كليشيهات ولا يليق بحجمه في عالم الموسيقى.

يذكر أن صناعة الموسيقى تعاني أزمة هذا العقد بسبب عامل التقنية الذي يتيح الاستماع إلى الكثير من الأغاني دون دفع ثمنها، سواء بالقرصنة أو بإتاحة المستخدمين الملف الصوتي أو الفيديو الترويجي لأغنية ما في موقع «يوتيوب».

وعندما أتاحت شركة «أبل» فرص الاشتراك في مكتبتها الموسيقية وأيضاً شركة سبوتفاي انتعشت صناعة الموسيقى بعض الشيء، لكن هذا الحل خلق طبقات في سوق الموسيقى، فالفنان ذو الشعبية الكاسحة هو الرابح، أما ذوو الشعبية المتوسطة والبسيطة فلا يجدون لهم سوقاً.

وبسبب هذه الأزمة اتجه كبار المغنين إلى استوديوهات الأفلام لبيع حقوق استخدام قصصهم في السينما، وبالتالي إعادة تنشيط بيع ألبوماتهم وتحقيق أرباح لتعويض خسائرهم منذ فجر الألفية الجديدة، أو يتجه الكثير منهم إلى إقامة الحفلات، وهذا سبب ازدياد موجة الأفلام الغنائية في السنوات الأخيرة.

أما المغنون الأقل من ذلك فيضطرون إلى ترك الساحة بسبب قلة شعبيتهم. يذكر أن صناعة الموسيقى فقدت نصف قيمتها السوقية بسبب عامل التقنية أو توقف الناس عن شراء الألبومات.

الطريف أن ريتشارد مادن الذي أدى شخصية جون ريد كان قد مثل شخصية روب ستارك في مسلسل «لعبة العروش»، بالمقابل ظهرت شخصية ريد أيضاً في فيلم «بوهيميان رابسودي» وأداها ممثل آخر من «لعبة العروش» هو أيدان غيلين الذي جسد ليتل فينغر في المسلسل.

• الفيلم يركز على الأحداث التي وقعت آخر الثمانينات، والتي شهدت تحول إلتون جون من مدمن مثير للجدل إلى مغن متزن محبوب، وأيقونة لموسيقى البوب الإنجليزية.

• لا نستبعد زحف اسم تارون إيغرتون على قائمة مرشحي الأوسكار آخر هذا العام رغم أننا لم ننبهر بأدائه.

للإطلاع على الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.


طباعة