جزء غير ضروري لفيلم منسي

«غودزيلا: ملك الوحوش».. معارك وضجيج ومحاضرات مملة تفتك بالمشاهد

صورة

ما المثير للاهتمام والجذاب في مشاهدة ساعتين من معارك متواصلة بين وحشين؟ هل انتهت كل القصص الإنسانية في السينما لنذهب ونشاهد وحشين في معركة طاحنة؟ ما الفرق بين هذا النوع من السينما وألعاب الأطفال؟ ما الفرق بينها وبين ألعاب الفيديو؟ هل هذه سينما القرن 21؟ يبدو أن توقعاتنا المذكورة في مقال نهاية السينما والفيلم الأخير ستكون حقيقية بعد 30 عاماً من اليوم!

فيلم «غودزيلا: ملك الوحوش» هو الجزء الثاني من فيلم «غودزيلا» عام 2014 الذي لا يتذكره أحد أصلاً ومر مرور الكرام ولم يحقق النجاح المالي المذكور، ولم نشاهد فيه سوى شبح غودزيلا، ليأتي ملك الوحوش ليفتك بنا بمعاركه وضجيجه ومحاضراته المملة، وليصر على تذكيرنا بأحداث فيلم موجود بسبب «غوغل»، وليس لأنه فيلم عظيم راسخ في ذاكرتنا! طبعاً لا يوجد سبب لصنع جزء ثانٍ لفيلم منسي إلا المال!

العوامل الأخرى لصناعة هذا الفيلم هي، أولاً: وجود وحش غودزيلا الياباني ،الذي استعارته هوليوود بعد أن حظي في بلده الأصلي بما يقارب أو يزيد على 30 فيلماً، إذ لن تفوت هوليوود استغلال الوحش وتزجه في قصة رديئة وحوارات ركيكة ونص غالباً لم يكلف كتابه وأحدهم المخرج مايكل دورتي أنفسهم مراجعته، كل هذا من أجل بناء عالم سينمائي للوحوش على غرار عالم مارفيل السينمائي! وهذا بالضبط أهم ملامح سينما هذا القرن حتى الآن.

العامل الثاني هو المزاج الشعبي العالمي العام الذي خلقه مسلسل لعبة العروش بوحشه الطائر (دروغون)، الذي حقق جماهيرية وقبول منقطعي النظير لصنف الخيال والأساطير، ففي هذه الأجواء بالضبط ستخرج إلينا كل وحوش السينما بحُلة جديدة! ولا غرابة من تقليد السينما الأخرق لإبداعات التلفزيون!

دورتي الذي لا يتمتع بأي رؤية سينمائية يأخذ فيلمه باتجاه ضجيج «ترانزفورمرز» وليس صوب «كيجو»، يعني بلغة مفهومة نقول إن غودزيلا يجر الفيلم بأكمله وليس العكس! بكلمات أخرى: «كتب النص من أجل غودزيلا والمؤثرات الخاصة».

يرسل الفيلم إشارات كثيرة تقديراً لتاريخ غودزيلا، الذي يمتد 65 عاماً إلى درجة توظيف موسيقى أفلام توهو الكلاسيكية. يهجم الفيلم بشكل فج على حواس المشاهد بأسلوب رائد سينما الفوضى الشهير مايكل باي، صانع سلسلة «ترانزفورمرز» عديمة الفن والروح إلى درجة عدم التمييز بين عنصر وآخر على الشاشة.

يقدم الفيلم مشاهد الدمار الشامل وهي ضرورية في كل أفلام غودزيلا الأصلية بأدق التفاصيل، ويتجاهل بالطبع كل الخسائر البشرية التي لو قدرناها بمقاييس الفيلم فإنها حتماً تتخطى المليون نسمة. مشكلة ترانزفورمرز هي الهوس في تصوير مشاهد الدمار إلى درجة تجاهل كل العناصر الأخرى، وهي أيضاً مشكلة هذا الفيلم.

الفرق بين «غودزيلا» 2014 الذي أخرجه إدوارد غاريث، وملك الوحوش، أن الوحش لم يظهر سوى في بعض المشاهد هناك، بينما هنا هو المهيمن على أحداث الفيلم ومعه ثلاثة وحوش من كلاسيكيات توهو: رودان و موثرا والملك غيدورا. حققت أفلام «كيجو» والكلمة تعني صنف أفلام الوحوش اليابانية شعبية كبيرة في الستينات والسبعينات عندما كان كل فيلم غودزيلا عبارة عن مبارزة بين وحشين. بعد ذلك اتسمت الأفلام بالسطحية والاصطناع وتحولت إلى مهرجان وحوش إلى درجة أن غودزيلا حظي بابن! يعتمد ملك الوحوش على أسلوب المصارعة الحرة ويوظف نبرة قاتمة وجادة أكثر من الأفلام اليابانية، ويستعرض موضوعات الإرهاب البيئي والمجازر التي يرتكبها البشر.

نجاح أفلام الوحوش يعتمد بدرجة كبيرة على ما يحدث بين المعارك أو عندما لا يكون الوحش على الشاشة، وعندما يغيب ملك الوحوش عن الشاشة، فإن المنطق أن تتوجه الكاميرا ناحية العنصر البشري. لا نتوقع قصة عظيمة لفيلم عن وحش، ولا نتوقع شخصيات قوية، إنما كل ما نريده هو أن نهتم بمجريات وأحداث الفيلم.

هذا تحديداً ما أخفق فيه دورتي الذي أعطانا شخصيات سطحية تتسكع في نص غبي، وتعطينا محاضرات عن البيئة، وأن الإنسان هو المجرم الأول والأخير! و كأننا لم نسمع هذه الاسطوانة منذ التسعينات! فضلاً عن دراما عائلية بين الدكتورة إيما (فيرا فارميغا) ومارك (كايل تشاندلر) وابنتهما ماديسون (ميلي بوبي براون).

أما مرشحو الأوسكار والبافتا والغولدن غلوب كين واتانابي وزانغ زي وبرادلي ويتفورد وسالي هوكنز (في ثاني دور لها مع وحش بعد شكل الماء) ووتشارلز دانس فكلهم بلا استثناء يضيعون وقتهم في هذه الكارثة.

لا توجد قصة تذكر، كل ما عليك معرفته هو أنه بخروج الوحوش من قمقمها ستبدأ المعارك، وستصاب بالصداع وأنت ترى مشاهد الدمار الشامل والناس تموت. ثم سترى قنبلة نووية! وطياراً يقفز من قمرة القيادة لينتهي في فم وحش! فضلاً عن وحش يطير بمحاذاة طائرة من المفترض أنها أسرع من الصوت!

هل القارئ بحاجة إلى معرفة المزيد؟ هل يهتم أحد بأمر فتاة عالقة بين أمها العالمة المجنونة ووالدها كاره غودزيلا؟ هل يهتم أحد بإرهابي بيئة يشبه تايوين لانستر ينوي إعادة إطلاق وحوش؟

قبل أن يتحول غودزيلا إلى بقرة حلوب، كانت هناك نية لأن يكون فيلماً جاداً موجّه للكبار عما يحدث للبشر عندما يتلاعبون بمحيطهم دون أدنى تصور للعواقب بالضبط، كما حدث في قصة فرانكنستاين.

لكن في ملك الوحوش كل ما نسمعه هو محاضرات مملة عن البيئة! يبدو أن دورتي نسي أن السينما هي فن الإيحاء والتشبيهات، وليست للثرثرة والمحاضرات كما المسرح!

كلمة أخيرة: «لاحظ كاتب هذا الموضوع أن الفتى المراهق الجالس بجانبه في الصالة انشغل بلعبة فيديو على هاتفه الذكي! أما صديقه فقد أزال الحواجز بين المقاعد ونام! هذا أبلغ مشهد للتعبير عن رداءة هذا الفيلم! لا تشاهد ملك الوحوش حتى لو كنت تبحث عن تسلية! فللترفيه عناوين أخرى أقربها نتفليكس بضغطة زر على جهازك الذكي أو تلفازك!».

لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.


شخصيات سطحية تتسكع في نص غبي، وتعطينا محاضرات عن البيئة، وأن الإنسان هو المجرم الأول والأخير.

لا يوجد سبب لصنع جزء ثانٍ لفيلم منسي إلا المال.

طباعة