يحاكي نمط هوليوود القديم

«تريبل فرونتير» يكسر قواعد أفلام السرقة

صورة

رغم كل التسييس الذي تعرضت له السينما الأميركية في هذا الزمن، من التصفيق للسلوك الجنسي الشاذ، والانحلال الأخلاقي، ثم إبراز تنوع الأقليات، والتوازن بين الجنسين، وتمكين المرأة، وحملة «مي توو»، فمن الغريب أن يأتي إلينا فيلم لا يعير كل ذلك اهتماماً، ويضع أمامنا قصة جميلة مليئة بالمعاني والعبر.

فيلم Triple Frontier، فيلم رجالي بامتياز، يحاكي نمط هوليوود الذي ساد في القرن الماضي، ولا مشكلة في ذلك مادام الفيلم يقدم شيئاً جديداً وفناً راقياً. هذا فيلم سرقة غير تقليدي، إذ إن كل أفلام السرقة تركز على التخطيط الذي يسبق العملية بينما «تريبل فرونتير» يركز على ما يحدث بعد السرقة.

يحوي «تريبل فرونتير» تصويراً رائعاً وفق أعلى المعايير، وأداء قوياً، ومشاهد أكشن منفذة بحرفية عالية تدفع الأدرينالين في عروق المشاهد. المخرج جي سي تشاندور، الذي أثبت نفسه في أفلام جيدة هذا العقد، أبرزها «مارجن كول» و«ضياع كل شيء» و«A Most Violent Year»، صنع واحداً من أفضل أفلام منصة البث المنزلي «نتفليكس» حتى الآن.

«تريبل فرونتير» عن مجموعة من العسكريين النخبة السابقين، ينفذون عملية سرقة جريئة وسط أدغال أميركا الجنوبية. قائد مجموعة المرتزقة، سانتياغو غارسيا، مدبر العملية الملقب بوب (أوسكار آيزاك) يبحث عن أفضل العروض التي تأتيه.

ينضم إليه ويليام ميلر الملقب بـ«آيرون هيد» (تشارلي هانام)، الذي يمضي وقته في إلقاء الخطب التحفيزية على المجندين الجدد في القوات المسلحة. ثم ينضم بعد تردد شديد توم ديفيس الملقب بـ«ريدفلاي» (بين أفليك)، ويزول تردده بعد معرفته قيمة الأموال في العملية. ثم يأتي شقيق «آيرون هيد» وهو بين ميلر (غاريت هيدلند)، وأخيراً فرانسيسكو مور الملقب بـ«كات فيش» (بيدرو باسكال)، وهو طيار ممنوع من الطيران لتورطه في قضية تهريب كوكايين.

والهدف زعيم عصابة المخدرات لوريا (رينالدو غاليغوس)، الذي يخبئ أمواله في قصر شديد الحراسة، مبني في موقع مخفي وسط الأدغال. تتضمن العملية إخراج مصدر معلوماته يوفانا (أدريا أرهونا) وشقيقها من قبضة لوريا، وتسهيل سفرهما إلى أستراليا. تمرّ أفلام السرقة بمشاهد جمع أعضاء الفريق الإلزامية، وهذه الجزئية أحياناً تستغرق ساعة من وقت الفيلم، وإن لم يكن المخرج محنكاً فإنها تحدث خللاً في التوازن، نظراً إلى طبيعتها البطيئة مقارنة بالإثارة التي تأتي لاحقاً. «تريبل فرونتير» يكسر قواعد أفلام السرقة باختصاره مرحلة التخطيط والتركيز على عواقب العملية.

مرحلة التخطيط والتنفيذ مبهمة التفاصيل، أو بالإمكان القول إن تشاندور يقتصد في عرضها لأنها ليست نقطة التركيز، ولأنه يريد ترك أكثر من ساعة بعدها لعرض أفضل مشاهد الفيلم: سفر الخمسة عبر الأدغال والجبال للوصول إلى البحر محملين بحقائب من الأموال.

هو فيلم سرقة بالمقلوب، فالعملية نفسها أسهل جزئية، لكن عملية النقل عبر شاحنة ومروحية وبغال وعلى الأقدام هي مادة الفيلم، لأنها تجعل الخمسة هدفاً سهلاً للعناصر المعادية من جهة، ونشوب الخلافات بينهم جراء المواقف التي يواجهونها والتي تضعهم في مرمى الخطر من جهة أخرى. تشاندور يفهم جيداً كيف يتعامل مع المادة التي بين يديه، ويعلم كيف يصنع الإثارة والتشويق ويضعهما بحرفية في التفاصيل كلما يبرز تحدٍّ جديد أمام الشخصيات.

«تريبل فرونتير» ليس فيلم إبراز عضلات كما هي العادة مع أفلام الجنود الأميركيين في الأدغال، لكنه يعيد إلى الذاكرة موضوعات جميلة برزت في كلاسيكيات سينمائية، أبرزها رائعة جون هيوستن «كنوز سييرا مادري» عام 1948، من بطولة أسطورة هوليوود في الأربعينات والخمسينات همفري بوغارت.

في ذلك الفيلم تقمص وولتر هيوستن، والد المخرج، شخصية هاورد الذي كانت له عبارتان شهيرتان، الأولى: «إذا لم نعثر على ما نبحث عنه فستبقى بيننا هذه الأخوة النبيلة، لكن إذا تراكم الذهب علينا فستبدأ المشكلات»، والثانية: «أعرف ما يفعله الذهب بأرواح الرجال»، وكل من شاهد ذلك الفيلم يعلم كيف تتمحور قصته حول هاتين العبارتين.

أبرز «كنوز سييرا مادري» التأثير الفاسد للجشع في أشخاص طيبين بالفطرة، ودفعهم إلى التصرف بعنف وجعل أحدهم يصاب بمرض الوسوسة والرهاب، فقط لمجرد التفكير أن صاحبه قد يتآمر ضده ويسرق حصته من الذهب.

بإمكاننا مقارنة «تريبل فرونتير» بذلك الفيلم من ناحية القصة وليس التصنيف، ففي ذلك الفيلم ليست هناك سرقة، بل رحلة لمنقبي ذهب إلى الجبال وما يصادفونه من تحديات تهدد العلاقات بينهم. وهو بالضبط ما يحدث في هذا الفيلم بعد السرقة، وتقييم كل رجل علاقته مع الآخر بناء على الأموال التي حصل عليها وليس على الصداقة والمودة.

فنجدهم لا يلتزمون بالخطة ويتصرفون بإهمال ويتشاجرون، وشيئاً فشيئاً تنسحب إنسانيتهم إلى الخلفية، وتبرز الوحشية مكانها. نجدهم ذاهبين في مهمة لقتل لوريا لكن تتراكم خلفهم الجثث على طول الطريق، ما يعكس خطأ حساباتهم للموقف.

يتناول الفيلم موضوعاً آخر، تكرر في بعض أفلام هوليوود ذات الطابع العسكري منذ السبعينات، هو تخلي الحكومة الأميركية عن أفراد القوات المسلحة بمجرد انتفاء فائدتهم. يعمل «بوب» مثلاً مرتزقاً لمصلحة حكومات أجنبية، و«ريدفلاي» غارق في الديون إلى درجة أنه لا يجد مفراً من قبول عملية السرقة، حتى إن بوب يقول له «رغم إصابتك برصاصات من أجل هذه البلاد إلا أنك لا تستطيع تسديد رسوم تعليم ابنتك»، من الواضح أن شخصيات الفيلم ضحايا قرارات آلة حرب لا تقيم أي اعتبار للجانب الإنساني. تحولت «نتفليكس» إلى نجم صاعد في صناعة المحتوى الأصلي، الذي تنافس به نظيرتها ودور السينما المحلية. من تحفة سينمائية مثل «روما» نصّب نفسه فائزا بكل جدارة واستحقاق في أقوى المسابقات، إلى «بيرد بوكس» و«تريبل فرونتير» وهما من فئة الأفلام الشعبية. رغم أنه فيلم منصة بث منزلي إلا أن «تريبل فرونتير» يتمتع بمزايا أفلام الصالات، وهي إشارة إلى أن مفهوم أفلام الفيديو قد تغير، فهي لم تعد سوق أفلام درجة ثانية مصنوعة بمعايير رديئة، بل هي أفلام جوائز تنافس المعروض في السينما بشراسة وتتفوق عليه. كلمة أخيرة: ربما أفلام الصالات في خطر أو تلفظ أنفاسها الأخيرة.

لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.


يحوي «تريبل فرونتير» تصويرا رائعاً وأداء قوياً، ومَشَاهد أكشن منفذة بحرفية عالية تدفع الأدرينالين في العروق.

مفهوم أفلام الفيديو تَغيَّر، فهي لم تعد سوق أفلام درجة ثانية مصنوعة بمعايير رديئة، بل هي أفلام جوائز تنافس المعروض في السينما بشراسة وتتفوق عليه.

طباعة