أداء استثنائي لنيكول كيدمان

«مدمرة» يعاني فجوة بين النص والفنيّات

صورة

من المفترض من فيلم Destroyer، «مدمرة» أن يعيد بعض الاعتبار إلى النجمة الأسترالية نيكول كيدمان على الأقل من ناحية الحصول على ترشيح أوسكار، إن لم يكن إعادتها إلى الواجهة بعد عقد كامل من الأفلام الضعيفة والمتوسطة.

لكن اتضح الآن وبعد شهر من طرحه في الولايات المتحدة وصدور قوائم ترشيحات الأوسكار الرسمية، أن «مدمرة» ذهب في طي النسيان، وضاعت كيدمان في زحام الترشيحات.

القصة مألوفة جداً ونشاهدها منذ تسعينات القرن الماضي، ولسنا بحاجة إلى الغوص أبعد من ذلك في أعماق تاريخ هذا الصنف السينمائي، لكن «مدمرة» يؤنث الدور بعد أن كان حكراً على الرجال في العقود الماضية.

محققة في شرطة لوس أنجلوس مهووسة بالقبض على زعيم عصابة بعد مطاردته لـ17 عاماً، أصبحت خلالها سكيرة وأهملت ابنتها، وإن بدت تحاول مع اقتراب المطاردة من نهايتها أن تصلح علاقتها معها.

المخرجة كيرين كوساما (أشهر أفلامها Girlfight عام 2000، وإيون فلكس 2005 والدعوة 2015) تضفي عناصر موجة noir الجديدة (أفلام جريمة ازدهرت في السبعينات) على «مدمرة» بشكل جميل لكنه غير كافٍ ليجعل من الفيلم كلاسيكياً في تصنيفه، ويتقاطع الفيلم مع «فوكس لوكس» الصادر آخر العام الماضي من ناحية تدهور علاقة أم بابنتها. والفيلمان ذهبا في طي النسيان.

عندما تظهر المحققة إيرين (نيكول كيدمان) في الخط الزمني الرئيس للفيلم، نراها في حالة مزرية، وجه شاحب متألم يعكس شيخوخة مبكرة أو ربما تسمية زومبي هو الأقرب لوصفها. ينقلب عالمها رأساً على عقب عندما تكتشف الشرطة جثة تفهم إيرين من مجرد نظرة إليها أن القاتل هو عدوها اللدود سيلاس (توبي كيبيل) زعيم العصابة الذي تطارده منذ ما يقرب من عقدين، والرجل الذي تسبب في تدهور حالتها النفسية والصحية والاجتماعية.

تتتبع إرين الأدلة التي توصلها إلى شركاء سيلاس السابقين، ومن ضمنهم صديقته السابقة بيترا (تاتيانا ماسلاني) حتى يضيق عليه الخناق، في الوقت نفسه تقودها الرحلة إلى ذكرياتها الملغمة التي من خلالها نعرف كيف دخلت منذ 17 عاماً في علاقة رومانسية مع زميلها كريس (سباستيان ستان) الضابط المتخفي معها في عملية اختراق عصابة سيلاس، حيث كان لتلك العلاقة عواقب وخيمة طاردتها منذ ذلك الحين.

ورغم اهتمامها بابنتها المراهقة، إلا أنها لا ترى نفسها مناسبة لرعاية الفتاة وتتنازل عن المهمة لإيثان شريكها السابق (سكوت مكنيري)، وعند اصطدام الماضي بالحاضر تكافح إيرين كي تعثر على الخلاص ولو بالحيلة.

يحتوي الفيلم خطين زمنيين متوازيين، الأول يبدأ من جريمة مشهد البداية ومحاولة إيرين حلها والوصول إلى سيلاس، والثاني مشاهد استرجاعية عن حياة إيرين وكريس أثناء اختراقهما عصابة سيلاس، والخطان مثل أي فيلم آخر يلتقيان عند النهاية باستثناء أن هناك مفاجأة في طريقة ربط كوساما الخطين.

قد يجد البعض تشابهاً بين «مدمرة» وموجة أفلام ظهرت في السبعينات عن الفساد المستشري في جهات إنفاذ القانون في الولايات المتحدة وأفراد شرطة محبطين، يلجأون إلى الاقتصاص عندما يبدو القانون معطلاً عاجزاً عن إرجاع الحقوق لأصحابها، مثل أفلام «ديرتي هاري» الشهيرة، لكن إضافة كوساما ترتقي بمادة الفيلم المكررة إلى دراسة سلوك شخصية امرأة محطمة نفسياً.

لن يكون هناك إجماع على قوة أداء كيدمان، وغالباً ستتم مقارنتها بتشارليز ثيرون في فيلم Monster، «وحش» عام 2003 أو «كيك» لجينيفر أنيستون عام 2014.

تقدم كيدمان أداء ممتازاً مقارنة بكل أدوارها في العقود الماضية، بكلمات أخرى، نحن لا نشاهد كيدمان في دور استثنائي كهذا كل عام. كيدمان كما نعرفها هي أفضل حسناء أسترالية صنعتها هوليوود والأكثر اقتداراً.

لو تناولنا مسألة التحول الشكلي، فنحن أمام معضلة، صحيح أن الحسناء انقلبت إلى قبيحة من أجل الدور بالضبط، كما حدث مع الجنوب إفريقية ثيرون في 2003، لكن قصة تحوّل وجه كيدمان إلى قبيح اشتهرت أكثر من الفيلم نفسه! هذا الجانب الوحيد الذي تناولته صحافة هوليوود من الفيلم بعناوين مثل: انظروا كيف بدت كيدمان قبيحة في فيلمها المقبل! وهذا قبل افتتاح الفيلم.

كيدمان نجمة وممثلة موهوبة جداً ومن أقوى الموجودات في الساحة اليوم، حتى عندما تراجع مستواها في العقد الحالي فإن قصص إخفاقاتها كانت أفضل من قصص نجاحات الممثلات الأخريات. كيدمان لا تتردّد في المخاطرة واتخاذ قرارات متطرفة مثل أداء شخصية إيرين.

إيرين شخصية خيالية بعكس ثيرون التي تقمصت دور القاتلة أيليين وورنوس، ومن المثير للاهتمام التدقيق في إضافات كيدمان على إيرين، مثل طريقة مشيها وصوتها وطريقة تحدثها، وهي كلها جوانب تحسب لكيدمان. كيدمان الممشوقة القوام كما نعرفها ظهرت تمشي كرجل في الفيلم وتتحدث بصوت هامس لا يكاد يسمع، وتستخدم لهجة عصابات، بالإضافة إلى تعابير وجهها الصامتة التي تعكس ألماً شديداً مكتوماً نتيجة أشياء حدثت في الماضي تكشفها المشاهد الاسترجاعية شيئاً فشيئاً، فضلاً عن نظرات عينيها التي تحمل مشاعر أم مجروحة من رفض ابنتها لها.

هذه كلها إضافات كيدمان التي لم يلتفت إليها سوى قلة بينما ذهب الأغلبية للتحدث عن شكلها القبيح على أساس أنه الإنجاز، والحقيقة أن قبح الشكل ربما لم يكن ضرورياً مقارنة برؤية الممثلة لشخصيتها.

يعاني الفيلم مشكلة في الإيقاع خصوصاً بعد مشهد الذروة الذي تنتهي به كل التفاصيل المهمة، وتتبقى بعده مشاهد مختلطة من الماضي والحاضر لا تفعل شيئاً سوى إبطاء الجزئية الأخيرة.

توظف كوساما فنيّات عالية جداً لترجمة مشاهد noir (خلفيات ملونة ووجوه مظلمة) على الشاشة، لكن على غير عادة أفلام الجريمة فإن الفيلم لا يحتوي على أي لقطة تشويقية أو حابسة للأنفاس سوى مشهد سرقة البنك. وبالمنطق نفسه، موسيقى الفيلم مخيفة تسبب توتراً في المعدة وتوحي بأن خطراً قادماً إلا أن الفيلم يفتقد ما يواكب موسيقاه.

الطريف أن كيدمان حازت أوسكار أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «الساعات» عام 2002، عندما غيرت شكل أنفها بـ«الميك آب» لتجسد شخصية الكاتبة الشهيرة فرجينيا وولف.

لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.


قصة تحوّل وجه كيدمان إلى قبيح اشتهرت أكثر من الفيلم نفسه، وهو الجانب الوحيد الذي تناولته صحافة هوليوود من الفيلم بعناوين مثل: انظروا كيف بدت كيدمان قبيحة!

طباعة