مرشح لـ 8 جوائز أوسكار

كريستيان بيل يتحول إلى ديك تشيني في «نائب»

صورة

تخيل أنك دخلت السينما لمشاهدة فيلم Vice، «نائب»، دون أن تكون لديك أي فكرة عن من يمثل شخصية نائب الرئيس الأميركي الأسبق، ديك تشيني، في هذا الفيلم السياسي الساخر. نراهن على أن أحداً لن يعرف أن الممثل الواقف أمامهم هو البريطاني كريستيان بيل، متخف بشكل رائع ومبهر تحت طبقة من «الميك آب»، حولته إلى نسخة طبق الأصل من تشيني.

ليس فقط شكلاً، وإنما طريقة المشي والوقوف، وحتى طريقة الحديث والصوت لذلك السياسي الأصلع المراوغ، الذي حكم الولايات المتحدة من خلف رئيس أميركي قليل الخبرة اسمه جورج دبليو بوش، حسب الفيلم، في العقد الأول من هذا القرن.

الفيلم ليس مرتباً، ويقفز من الماضي إلى حقبة بوش، ثم يتحول إلى أسلوب فيلم تسجيلي، قبل أن يغير رأيه ويعود إلى الدراما السياسية الجادة، ثم الهزلية، وقبل أن تظن أنه استقر على نبرة معينة، يتحول إلى فيلم شبه سيريالي وأنت تنظر بدهشة لا تستطيع توقع شيء مما يرميه عليك.

يبدأ الفيلم لحظة وقوع هجمات سبتمبر الإرهابية، ويرويها كيرت (جيسي بليمنز) بشكل مباشر للكاميرا. وكيرت هذا شخصية خيالية، تمثل رجل الشارع الأميركي الذي يزج به في الحروب الخارجية لأضعف الحجج، وستتضح علاقته بالقصة بشكل أجمل في نهاية الفيلم.

مشهد استرجاعي عام 1963 في ولاية وايومنغ، نرى تشيني (بيل) مدمن خمور وحفلات تائهاً بلا هدف، بالضبط كرئيسه في المستقبل الذي يصوره الفيلم كذلك أيضاً. بسبب إدمان الخمر يخفق تشيني في الانتظام في جامعة ييل الأميركية الراقية. يتعرض للتوقيف من قبل شرطي مرور وهو في حالة سكر شديد، وبعدها تقنعه زوجته لين تشيني (إيمي آدامز) بترك تلك الحياة البائسة، وتنظيف نفسه، أو ستهجره. بعد عقد كامل، وفي منتصف السبعينات، نرى تشيني في واشنطن يعمل لدى وزير الدفاع الأسبق دونالد رامسفيلد (ستيف كاريل)، ويتسلق إلى الأعلى حتى يصبح رئيس موظفي البيت الأبيض في إدارة الرئيس الراحل جيرالد فورد. يُنتخب بعدها ست مرات كممثل عن ولاية وايومنغ في الكونغرس، قبل أن يشغل حقيبة الدفاع في إدارة جورج بوش الأب، ثم يغادر السياسة ويصبح رئيس مجلس إدارة شركة هاليبرتون.

يتتبع الفيلم كل تلك التطورات حتى عودة تشيني إلى البيت الأبيض كنائب رئيس في إدارة بوش الابن، بكل ما حملته تلك الانتخابات من جدل حسمته المحكمة العليا الأميركية في فلوريدا لمصلحة الرئيس الجمهوري.

ثم يركز الفيلم على لحظة عرض بوش الابن (سام روكويل) منصب نائب الرئيس على تشيني، الذي يرفض قبوله دون صلاحيات مطلقة. يوافق بوش على ذلك، ويمنحه صلاحيات السياسة الخارجية والميزانيات والمخابرات، مقابل ترك المهام الأقل أهمية للرئيس، مثل إلقاء الخطابات!

مخرج الفيلم آدم ماكيه (أخرج الكوميديا التهريجية آنكور مان بجزئيه، وتالاديغا نايتس قبل الانتقال إلى الدراما الجادة في ذا بيغ شورت الذي ترشح لجوائز أوسكار عدة منذ أربع سنوات) لا يوازن بين الكوميديا والدراما، ولا يلقي بالاً للنبرة، يقدم تشيني جاداً في قوالب مختلطة، نراه أباً حنوناً ومحباً لعائلته، ونراه شريراً في البيت الأبيض يضرب كل من يجرؤ على معارضته.

بيل من أقوى ممثلي جيله، ويتميز بجرأته في إحداث تغييرات كبيرة على جسده كي يتقمص الشخصيات، فقد أبهر الجمهور بانتقاله من النحافة الشديدة في فيلم The Machinist إلى جسم مفتول العضلات بعدها بعام واحد فقط في فيلم «باتمان يبدأ». بيل مثل مواطنه المعتزل دانيال داي لويس يطبق طريقة Method acting، أي يدخل تدريبات شاقة قد تكون جسدية أو نفسية كي يتقمص الشخصية بالشكل المطلوب.

الطريف هنا، أن بيل صرح بأنه بعد خوضه عملية زيادة وزنه، اتصل بمواطنه غاري أولدمان وسأله كم زاد وزنه عندما تقمص الأخير شخصية ونستون تشرشل في فيلم «أحلك ساعة» العام الماضي، وكانت الإجابة صادمة عندما قال أولدمان إنه لم يضف كيلوغراماً واحداً، بل اعتمد على زوائد ألصقت ببطنه لصنع كرش له. وأضاف بيل أنه يجهل مدى تطور صناعة الزوائد المستخدمة لتضخيم أجساد الممثلين.

هذا أفضل وأقوى دور لبيل منذ شخصية باتمان. بالمقابل يحظى الفيلم بأداء لا يقل أبداً عن بيل، وهو تقمص روكويل شخصية بوش الابن، فقد تمكن حتى من تقليد صوته ولهجته بشكل مدهش. أقل منهما بشكل لافت كان كاريل في دور رامسفيلد، إذ تمكن الرجل من ضبط الأداء بشكل كبير، لكن لم يصل إلى درجة الإتقان كما هو الحال مع بيل وروكويل. وبقيت مشكلة هي صوت كاريل ذو النبرة التهريجية البعيدة عن جدية رامسفيلد. قد يكون ذلك مقصوداً من ماكيه، إذ إن دور كاريل يبدو أنه مكتوب ليكون كوميدياً بأسلوب comic relief مقابل جدية تشيني. يشيطن الفيلم تشيني والحزب الجمهوري بشكل لا لبس فيه، ولا يتردد في إعلان الدعاية السياسية لأقصى اليسار الأميركي المعتنقة لدى نخبة هوليوود، وأجمل مشهد شيطنة، فنياً في الفيلم، عندما يفتح تشيني باب مكتب نائب الرئيس في البيت الأبيض، ويلقي نظره بداخله من عند عتبة الباب، ماكيه صور تشيني كشرير من أفلام موجة «نوار» الأربعينات، إذ ظهر مظلماً بكامله وخلفه إضاءة قوية، ما يعكس قتامة الشخصية التي يريد المخرج إبرازها.

لا يحوي الفيلم مفاجآت على صعيد قصة الشخصية، وهي مستمدة بالكامل من نشرات الأخبار، وربما الكتب التي سردت سيرة تشيني، لكن القالب المتغير والنبرة الحرة التي وظفها ماكيه جريئة وشجاعة فنياً، فهناك لقطة بعد أول ساعة ينتهي فيها الفيلم وتظهر أسماء الممثلين، ونرى تشيني متقاعداً، وأصبح رجل عائلة، ثم فجأة يبدأ الفيلم من جديد من لحظة عرض بوش على تشيني المنصب، وهذه الجزئية التي بدت سيريالية.

ترشح فيلم «نائب» لثماني جوائز في حفل أوسكار 91 الشهر المقبل، منها أفضل فيلم، وترشح كريستيان بيل عن جدارة واستحقاق لجائزة أفضل ممثل أو أفضل «تشيني»، إن صح لنا الوصف، وللعلم فقد فاز في الغولدن غلوب عن هذا الدور.

كما ترشح روكويل لجائزة أفضل ممثل مساعد، وهذا ثاني ترشيح لروكويل على التوالي، إذ سبق وفاز العام الماضي في هذه الخانة عن دوره في فيلم «ثلاث لوحات خارج إبينغ، ميسوري». كما ترشح ماكيه لجائزة أفضل مخرج، وترشحت إيمي آدمز لجائزة أفضل ممثلة مساعدة، فضلاً عن ترشيحات أفضل مونتاج، وأفضل ميك اب وتصفيف شعر، وأفضل نص أصلي. هذا الفيلم يستحق المشاهدة والاستمتاع بأداء بيل وروكويل.


لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.

الفيلم بلا مفاجآت على صعيد قصة الشخصية، وهي مستمدة من نشرات الأخبار والكتب التي سردت سيرة تشيني.

الفيلم ليس مرتباً، ويقفز من الماضي إلى حقبة بوش، ثم يتحول إلى أسلوب فيلم تسجيلي، قبل أن يغير رأيه ويعود إلى الدراما السياسية الجادة، ثم الهزلية.

بيل من أقوى ممثلي جيله، ويتميز بجرأته في إحداث تغييرات كبيرة على جسده كي يتقمص الشخصيات.

طباعة