أول بطولة لكلينت إيستوود منذ 6 أعوام

الكاوبوي العجوز يفرض أسطورته في «ذا ميول»

صورة

 

شغل كلينت إيستوود نفسه في السنوات الماضية بموضوع البطولة، أو بالأحرى «البطل الأميركي». فلو نظرنا إلى آخر ثلاثة أفلام على الأقل سنجد الموضوع نفسه: «قطار 15:17 إلى باريس»، العام الماضي، عن ثلاثة جنود أميركيين يحبطون اعتداء إرهابياً في قطار من أمستردام إلى فرنسا، وهي قصة حقيقية وجلب إيستوود الجنود أنفسهم وأسند إليهم الأدوار واحتفى بهم بأغانٍ وطنية تصدح خلال الفيلم.

عام 2016، أخرج إيستوود رائعة بعنوان «Sully» عن قصة الطيار الأميركي الذي هبط اضطرارياً في نهر هدسون عام 2009 عندما اصطدمت طائرته بسرب طيور، وقبله بعامين أخرج إيستوود «قناص أميركي» عن قصة القناص في الجيش الأميركي كريس كايل، الذي قتل عدداً كبيراً من الأعداء أثناء وجوده في العراق.

الأفلام الثلاثة تشترك في فكرة واحدة وهي تحوّل رجال عاديين إلى أبطال ومشاهير من خلال عمل بطولي. لكن في «The Mule»، (وأقرب ترجمة للاسم هي ناقل المخدرات)، نرى تبدلاً كبيراً في فكرة الفيلم، فإيستوود أمام الكاميرا وخلفها وهنا لا نرى بطولة، ولكن تواضعاً شديداً من الكاوبوي العجوز، 89 عاماً، في انقلاب كامل على كل الشخصيات التي مَثَّلها وأخرجها أو مَثَّلها دون إخراجها أو أخرجها دون تمثيلها.

الفيلم مقتبس عن قصة حقيقية صاحبها العجوز ليو شارب، الذي نشر قصته سام دولنيك في «صحيفة نيويورك تايمز»، حيث أخذ الفيلم قصة شارب وغيَّر اسم بطلها وبعض تفاصيلها، فأصبح اسم البطل إيرل ستون (إيستوود للمرة الأولى أمام الكاميرا منذ 2012)، وتبدأ الأحداث عام 2005، لنرى بطل حرب كوريا بلغ 90 عاماً ويعتني بالأزهار.

عندما يتجاهل إيرل حضور زفاف ابنته آيريس، أليسون إيستوود ابنة كلينت إيستوود في الواقع، تتدهور علاقته مع زوجته السابقة ميري (ديان ويست) وابنته. وينتقل الفيلم إلى عام 2017، حيث يعاني إيرل مصاعب مالية فيقرر العمل سائق توصيل كوكايين لدى عصابة مخدرات مكسيكية بناء على نصيحة شاب لعب دور حلقة وصل.

سبب اختيار العصابة له أنه عجوز من البيض وليس له أي سجل إجرامي والتزامه الشديد بقوانين المرور وخبرته الطويلة في الطرق عبر الولايات. بعد عدد من الرحلات بين ولاية إلينوي وتكساس يحظى إيرل بثقة الكارتيل الذي يطلق عليه اسم تاتا (تعني الجد)، ويجني أمولاً كثيرة ويسدد ديونه ويدفع تكاليف تعليم وزواج حفيدته جيني (تيسا فارميغا).

تقع أحداث الفيلم في بيوريا في ولاية إلينوي التي يصورها إيستوود كمدينة خالية وكئيبة، شبيهة بمدينة ديترويت في الولاية نفسها التي وقعت فيها أحداث فيلمه «غران تورينو» منذ 10 أعوام. الظريف أن «ذا ميول» و«غران تورينو» متشابهان إلى حد كبير.

الفيلمان كتبهما نيك شينك وأخرجهما وأدى بطولتهما إيستوود. الفيلمان عن كاوبوي عجوز يعاني تخلفاً فكرياً سببه الفارق السني بينه وبين الشخصيات الأخرى من أجيال حديثة. في «غران تورينو» كانت شخصية إيستوود عنصرية بشكل فاضح وذكورية، وتتعمد مضايقة كل من يقطع طريقها دون قصد.

في المقابل، عجوز هذا الفيلم يلقي نكاتاً عنصرية، مهمل لعائلته، لا يتردد في انتقاد من حوله، ولا يتوانى عن الانخراط في الجريمة بعد حياة التقاعد. هناك قصة فرعية في الفيلم عن مطاردة إدارة مكافحة المخدرات لأفراد العصابة، وأبطالها لورينس فيشبورن في دور مدير العملية، وأما عملاؤه على الأرض فهما كولين (برادلي كوبر يجسد شخصية الضابط جيف مور في القصة الحقيقية) وتريفينو (مايكل بينا).

يُعدّ كلينت إيستوود أسطورة في السينما، ورغم أنه ترك الحزب الجمهوري وأصبح مستقلاً منذ السبعينات إلا أن كل أفكاره تنبع من أيديولوجية الجمهوريين، فهو دعم ترشيح الجمهوري الخاسر ميت رومني وهاجم الرئيس الديمقراطي باراك أوباما في أكثر من مناسبة.

يضخّ إيستوود في أفلامه كثيراً من أفكاره السياسية المؤدلجة بعقيدة الجمهوريين، ففي خماسية «هاري القذر» تقمص إيستوود دور الضابط الذي يحل كل مشكلة بالمسدس الذي خصص له مشاهد استعراضية في بداية كل فيلم ونهايته.

وفي تلك الخماسية دعا إلى ضرورة استخدام السلاح في ردع المجرمين. وفي هذا الفيلم نراه يمجد محاربي الجيش الأميركي في الحروب الخارجية بترميم مقر تجمعهم من أموال المخدرات، وفي «قطار 15:17 إلى باريس» مَجَّد الجنود الأميركيين الثلاثة بشكل مباشر، ورغم أن فيلمه «قناص أميركي» حاز تأييداً ضخماً من قبل الجمهوريين وانتقده الديمقراطيون بشدة، إلا أن الكاوبوي العجوز سخر من الحزبين وأصرّ على أن فيلمه يمثل وجهة نظر معادية للحرب، وأنه رجل وسطي يؤيد إلى حد معين امتلاك السلاح لكنه يرفض تدخل واشنطن في الحروب الخارجية.

هنا، نرى عجوزاً أميركياً أبيض تستغله عصابة مكسيكية. طرفا المعادلة (العجوز والعصابة) يمثلان صورتين نمطيتين يستغلهما الرئيس الأميركي دونالد ترامب كحجة لبناء جداره على الحدود الجنوبية، والمخدرات تشير إلى مشكلة مصدرها تلك الحدود، هذا يؤكد كل ما ذكرناه سابقاً أن الكاوبوي العجوز مؤيد لسياسات الحزب الجمهوري رغم إنكاره.

نقول، الكاوبوي العجوز أسطورة لا نزاع على ذلك، فهو الذي دخل التاريخ مرتين من بوابة الويسترن عندما أنعش سينما رعاة البقر في أول أدواره البطولية بثلاثية «الدولارات» وتسمى أيضاً ثلاثية «رجل بلا اسم» في الستينات، تحت إدارة الراحل سيرجيو ليوني.

وعندما كاد الويسترن أن يخفت في آخر الثمانينات، أنعشه كيفن كوستنر من خلال «رقص مع الذئاب» من بطولته وإخراجه، وأحياه إيستوود مجدداً بفيلم Unforgiven «غير المغتفر»، من بطولته وإخراجه. والفيلمان فازا بأوسكاري أفضل فيلم وأفضل مخرج عامي 1990 و1992.

حاز الأسطورة «أوسكار» أفضل فيلم ومخرج مجدداً عام 2004 عن فيلم Million Dollar Baby، فضلاً عن الترشيحات التي لم تتوقف قط طوال العقود الماضية، ولو نظرنا إلى تاريخه منذ بدايته إلى اليوم لرأينا موهبة وشغفاً وبراعة صنعت لنا سينما جميلة منذ عام 1964 إلى اليوم، دون أن يهبط مستواه قط. وحتى في هذا الفيلم الجيد جداً يثبت أنه مازال قادراً على العطاء وهو على عتبة التسعين.

شاهدنا العام الماضي فيلم تيلر شيريدان «سيكاريو 2: يوم الجندي»، وكان أيضاً مؤيداً لسياسات ترامب عندما صور لنا تسلل إرهابيي «داعش» عبر الحدود الأميركية المكسيكية، وتعرض الفيلم لهجوم شديد من الإعلام الأميركي الليبرالي.

في المقابل، لم يهاجم الإعلام الليبرالي «ذا ميول» رغم النمطية وتصوير المكسيكيين كقتلة واكتفى بانتقادات خجولة، والسبب: إنه الكاوبوي العجوز كلينت إيستوود الذي فرض احترامه وأسطورته على أميركا بكل أطيافها.

لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.


إيستوود أسطورة في السينما، ورغم أنه ترك الحزب الجمهوري منذ السبعينات إلا أن أفكاره تنبع من أيديولوجيته.

3

أفلام، شغل كلينت إيستوود نفسه فيها، السنوات الماضية، بموضوع البطولة، أو بالأحرى «البطل الأميركي».

إيستوود أمام الكاميرا وخلفها، وهنا لا نرى بطولة، ولكن تواضعاً شديداً من الكاوبوي العجوز، 89 عاماً، في انقلاب كامل على كل الشخصيات التي مَثَّلها وأخرجها أو مَثَّلها دون إخراجها أو أخرجها دون تمثيلها.

طباعة