يركّز على تكوين وتطوير الشخصيات

«الأخوان سسترز».. مزيج جميل بين «الويسترن» التقليدي والتصحيحي

صورة

الغرب الأميركي.. تلك المساحة من الأرض التي سحرت العالم، وهرع إليها مستوطنو العالم الجديد من البيض، ليتخذوا منها مساكن ومراعي ومزارع. هي تلك المناطق التي عانت اضطرابات الحرب الأهلية الأميركية، وكنتيجة مباشرة هرب إليها المجرمون والفاسدون، حتى جاء الأخيار وطردوهم.

هي تلك الأراضي الشاسعة المتنوعة التضاريس، الواقعة غرب نهر المسيسيبي، التي امتدت عليها خطوط السكك الحديدية في منتصف القرن التاسع عشر، وكانت طريقاً ليس سهلاً ولا ممهداً للمندفعين من أجل حمّى الذهب، الذي لمع بريقه في مناجم كاليفورنيا.

إنه الغرب الأميركي (ويسترن)، الذي فتن المستوطنين وسحر فناني السينما، وأصبح مادة سينمائية مستقلة عمرها من عمر الفن السابع. ليس غريباً إذاً إقبال المخرج الفرنسي جاك أوديار على مادة الفيلم، فقد فُتِن أسلافه من عمالقة فن السينما الأوروبيين قبل الحرب العالمية الثانية بذلك الغرب الأميركي، وعندما هربوا من النازية التي اجتاحت أوروبا إلى هوليوود، طُلِب منهم إثبات أنفسهم في صنع الطبخة الأميركية الأصيلة (الويسترن)، رغم أنهم عمالقة.

سمِّه الغرب الأميركي، أو الويسترن أو الكاوبوي أو مرادفتها العربية رعاة البقر، المقصود واحد وهو الصنف السينمائي الأميركي الوحيد والأقدم الذي نشأ في ذلك الغرب الأميركي فقط. الصنف الذي مهما قيل عن انحداره، إلا أنه لا يموت، ربما يمرض بانتظار مبدع ينتشله ويعيده إلى الواجهة، كما كان طيلة القرن الماضي تقريباً.

يبدأ فيلم The Sisters Brothers، الأخوان سسترز، في أوريغون عام 1851، نرى هجوماً على منزل في الظلام الدامس لا تنيره سوى طلقات النار، لا يهم من المقتول في المنزل بالنسبة للأخوين سسترز، فهما قاتلان مأجوران، الأكبر إلاي (جون سي رايلي)، والأصغر والأكثر كاريزما تشارلي (هواكين فينكس). مجرد مهمة ينجزانها ويقبضان ثمنها ويعودان إلى زعيمهما من أجل مهمة أخرى.

تشارلي، عصبي المزاج، سِكّير، يجسده فينكس ذو الملامح الحادة القاسية والوجه الغاضب والذي ليس غريباً على هذه الشخصيات. أما إلاي الأكبر فهو الذي يسند أخاه السكير، وهو الأكثر حكمة وعاطفية، ويجسده رايلي ببراعته المعهودة منذ دراما بول توماس أندرسون في التسعينات إلى النقلة الكوميدية بعد حقبة أندرسون.

إلاي بليد ومضحك ينظر باستغراب إلى الاختراع الجديد بين يديه: فرشاة ومعجون أسنان، ينظف أسنانه كما الطفل لا يعلم أين يضعها وكيف يوجهها وينظر إلى ورقة التعليمات! الأهم من هذا أن إلاي لم يستسلم أبداً، ومتمسك بأمنية ترك طريق القتل والإجرام والعودة إلى هدوء الحياة.

المهمة التالية من الزعيم الذي نراه من بعيد يحرك شفتيه فقط هي مطاردة هيرمان وورم (رضوان أحمد)، عالم كيمياء تحول إلى مُنقّب، والذي اخترع معادلة كيميائية عبارة عن محلول لو سُكب في الماء فإنه يكشف الأحجار التي تحوي ذهباً ضمن عناصرها، وتظهر بشكل بقع ذهبية، لكنه يحرق جلد الإنسان إن لامسه.

يتهم الزعيم وورم بالهروب بعد اقتراض مبلغ منه ويأمر الأخوين بقتله، في الوقت نفسه نرى جون موريس (جيك ييلنهيله) محققاً وصائد غنائم يعمل لصالح الزعيم، ويريد تسليم وورم إلى الأخوين سسترز.

بالطبع لا تهب الرياح كما تشتهي السفن، موريس رجل متعلم وخلوق بالضبط كما الكيميائي وورم، بعد حوارات بينهما يقرر موريس التخلي عن حياة المرتزقة والانضمام إلى وورم، الذي يقصد ولاية تكساس لبناء مشروع.

مشاهد قليلة تفصل لقاء ثنائي سسترز بثنائي وورم وموريس، ومن ثم المواجهة الحتمية، وهي ليست مفاجأة كونها الدافع الوحيد لبطلي القصة. الغريب هو ما يحدث بعد المواجهة التي تعقبها مواجهة أخرى مع فريق مرتزقة وتبادل عنيف لإطلاق النار، بعدها يتحول الأخوان سسترز إلى فيلم غريب لا يتوقعه الجمهور، ولا أبطال القصة أنفسهم.

قد لا يشعر المشاهد العادي بالغرابة، لكن من سيشعر بها المشاهد المتعمق في أفلام الويسترن والقارئ لتاريخها. هذا الفيلم يجمع بشكل جميل وغريب موجتي أفلام الويسترن الشهيرتين: الموجة التقليدية والموجة التصحيحية. التقليدية نرى ملامحها في كل الفيلم وأبرز عناصرها الأخوان سسترز.

الموجة التصحيحية نراها خلال مشاهد العنف والدم، وأبرز عناصرها وورم وموريس. الموجتان تلتقيان في مشهد المواجهة وتستمران إلى آخر الفيلم. «الأخوان سسترز» لا يحوي جديداً بالنسبة لصنفه. ما يقدمه أوديار الذي اقتبس الفيلم من رواية الكندي باتريك دويت هنا هو أخذ كل العناصر القوية من الموجتين وإبرازها، مع تركيز خاص على تكوين وتطوير الشخصيات.

مثلاً، جزئية الثنائي الأول الأخوين سسترز تقليدية جداً، لكنها مدعومة بعنف شديد لم تحظَ به أفلام الموجة التقليدية في حقبتها الذهبية، من العشرينات إلى الخمسينات من القرن الماضي. ومدعومة كذلك بتطور شخصية إلاي، خصوصاً الذي نراه كأنه ينبذ العنف ويتمسك بالحياة السوية. رايلي لم يجمع الدراما والكوميديا في هذه الصورة الجميلة منذ فيلم ماغنوليا عام 1999.

جزئية الثنائي الثاني أو محور وورم - موريس تصحيحية، حيث نرى شخصية غير بيضاء من الأقليات في دور عالم كيمياء (شخص متعلم أو مثقف)، أو بطولة أو دور بارز، كما في فيلمي الويسترن اللذين صنعهما كوينتن تارانتينو في هذا العقد أو النسخة المجددة من فيلم «الرائعون السبعة» من إخراج أنطوان فوكوا، التي شاهدناها منذ عامين.

تغيير ديناميكية العلاقة بين وورم وموريس، من صياد وفريسة إلى صديقين يأتي أيضاً ضمن الموجة التصحيحية التي انطلقت في الخمسينات. أما مشهد تجربة الرباعي الأخوين سسترز وموريس ووورم لمحلول الأخير في النهر والحوارات والعلاقات بينهم، فهي الغريب والجديد في الفيلم.

هذا الفيلم قد يصلح للمشاهدة من الذين هم خارج دائرة عشاق الويسترن، أما لعشاق هذا الصنف فهو حتماً فيلم للقراءة أكثر من مجرد مشاهدة.

«الأخوان سسترز» هو التعاون الثاني بين أحمد وييلنهيله، بعد ظهورهما معاً في رائعة دان غيلروي «نايت كرولر» عام 2014. والفيلم مع أفلام أخرى هذا العام مثل «آسيويون مجانين أغنياء»، و«رجل أول» و«ولادة نجمة»، كلها تمثل موجة أفلام شبيهة بتلك الأفلام القديمة، التي برزت في حقبة استديوهات هوليوود منذ العشرينات حتى عام 1948.

لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.


هذا الفيلم قد يصلح للمشاهدة من الذين هم خارج دائرة عشاق «الويسترن»، أما لعشاق هذا الصنف فهو حتماً فيلم للقراءة أكثر من مجرد مشاهدة.

طباعة