الفيلم يعيد نفسه بعد 54 عاماً

روب مارشال يُفقد «ميري بوبنز تعود» شخصيته المستقلة

صورة

في نهاية فيلم «ميري بوبنز» عام 1964، يقول بيرت (ديك فان دايك): «وداعاً ميري بوبنز، لا تبقي بعيدة لفترة طويلة». لكن ميري بوبنز لم تظهر على الشاشة مجدداً إلا بعد 54 عاماً! وهي أطول فترة زمنية بين جزأي فيلم. كأن استديوهات وولت ديزني ترى أن خمسة عقود ونصف العقد ليست فترة طويلة!

أفضل وصف لفيلم Mary Poppins Returns، أو ميري بوبنز تعود هو قديم! للبعض هذه النقطة تحديداً ستكون عامل الجذب الرئيس (نوستالجيا)، وللبعض الآخر قد يكون هذا عاملاً منفراً!

«النوستالجيا» عامل قوي لجذب الجمهور لكن حتى اللحظة، والفيلم في يوم عرضه العاشر بأميركا الشمالية، لا يظهر أن النوستالجيا تعمل بوجود سوبرهيرو في الصالات، فقد بلغت الإيرادات حتى الآن 93 مليون دولار مقابل ميزانية بلغت 130 مليون دولار، والفيلم لم يتمكن من اللحاق بأكوامان المتصدر منذ أسبوعين، لكن ليس هذا حكماً نهائياً.

الفيلم من إخراج مبدع الأفلام الغنائية روب مارشال (أخرج شيكاغو الحائز أوسكار أفضل فيلم لعام 2002)، لكنه يعتمد بشكل مفرط على ميري بوبنز الأصلي في كل شيء: النبرة العامة والأغاني والقالب والملابس والديكور وحتى الأنيميشن.

ورغم أن «ميري بوبنز تعود» مناسب جداً للأطفال، لكن يصح لنا أن نسأل: هل الفيلم موجه لأطفال اليوم أم من كانوا أطفالاً عام 1964؟ منهاج مارشال في الفيلم هو انغماس كامل في «النوستالجيا»، أي كأنه صنع فيلماً باستخدام تقنيات الستينات!

هذا ليس بالضرورة خطأ، فقد شاهدنا أفلاماً كثيراً كانت بمثابة كبسولة زمنية عادت بنا إلى الوراء. وكوينتن تارانتينو يعد من متطرفي هذا المنهج، فقد صور «ذا هيتفول 8» باستخدام كاميرا ستينات، ما اضطر دور عرض عدة في الولايات المتحدة لجلب أجهزة قديمة لعرض فيلمه!

لكننا نقول إن التقليد هو أصدق أسلوب مداهنة، فصناع الفيلم فضلوا التملق للفيلم الأصلي على الخروج عنه، وهو الفيلم الوحيد الذي حاز ترشيح أوسكار، عندما كان المؤسس وولت ديزني على قيد الحياة. «ميري بوبنز تعود» يحاول جاهداً إعادة إحياء الفيلم الأصلي.

السيناريو ضعيف كتب ليواكب أغاني الفيلم، وهذا نجده حتى في الفيلم الأصلي إلى حد معين. وهذا تحديداً أحد أسباب العلاقة المتوترة بين مؤلفة شخصية بوبنز الإنجليزية باميلا ليندون ترافيرز وديزني، فهي شعرت بأنه أساء إلى الشخصية، عندما قرر جعل فيلمه غنائياً مدعوماً بالرسوم المتحركة، أو ما يعرف بالأنيميشن.

توفي ديزني بعد عامين من طرح الفيلم الأصلي، وآنذاك أصرت ترافيرز على رفض عمل أي جزء ثانٍ للفيلم، وفشلت كل محاولات خلفاء ديزني لإقناعها حتى توفيت هي الأخرى عام 1996. رغم أن الجزء الثاني لا يخرج أبداً عن خط الفيلم الأول، بما فيه مقطع رسوم متحركة مرسومة باليد، فبإمكاننا تصور أن ترافيرز كانت سترفضه هو الآخر لكن ليس هذا مهماً الآن. هناك فيلم كامل يرصد العلاقة بين ترافيرز وديزني بعنوان Saving Mr. Banks، «إنقاذ السيد بانكس» عام 2013، بطولة توم هانكس وإيما تومبسون.

يبدأ الفيلم في لندن عام 1935، بعد ربع قرن من أحداث الجزء الأول، في فترة الكساد العظيم، نرى طفلَيْ بانكس وقد كبرا: جين (إيميلي مورتيمر)، ومايكل (بين ويشو)، اللذين يجدان نفسيهما في مأزق، حيث إنهما معرضان لفقدان ملكية بيتهما لصالح البنك، في حال عدم تمكن مايكل من سداد القرض.

تهبط ميري بوبنز (إيميلي بلنت) من السماء، لتساعد العائلة بقدراتها العجيبة، وتتقمص دور مربية أطفال وحلّالة مشكلات، تأخذ ابنَيْ مايكل برفقتها كما أخذت مايكل وجين في الفيلم الأصلي. هذه المرة بيرت غير موجود، في هذا الفيلم صديقها من عالم البشر هو جاك (لين مانيول ميراندا)، موظف إشعال أنوار الشوارع، المتوافر دائماً عندما تكون بوبنز بحاجة إليه.

بينما تنحدر حياة مايكل تجاه الفوضى بسبب الديون، فيما ويليام ويذرهول (كولين فيرث)، رئيس مجلس إدارة البنك، يتظاهر بالتعاطف معه بينما في الحقيقة يضمر له الشر، يكتشف مايكل أن والده يمتلك أسهماً في البنك، يطلب منه ويذرهول تقديم دليل قبل منتصف ليل الجمعة، وإلا يصادر المنزل.

ينهمك مايكل وجين في البحث عن الأوراق المطلوبة، أما بوبنز فتأخذ الأطفال في رحلات سحرية غنائية في عالمها، وتزور شقيقتها غريبة الأطوار توبسي (المخضرمة ميريل ستريب في دور ليست بحاجة إليه إطلاقاً).

في هذا الفيلم هناك فيل في الغرفة، كما يقال أي إننا أمام مشكلة يتجاهلها صناع الفيلم، وهي حقيقة أن ميري بوبنز لا تجسدها جولي أندروز الرهيبة، التي كانت عاملاً جوهرياً في نجاح الجزء الأول، بسبب أدائها الرائع وغنائها الآسر.

نقول إيميلي بلنت شجاعة تجرأت لتقديم دور كلاسيكي، رغم أنها لم ترتقِ لمستوى أندروز. توازن بلنت بدقة شديدة بين تقليد أسلوب أندروز في الفيلم الأصلي (انصت جيداً إلى صوت غنائها فستسمع أندروز)، وبين تقديم رؤيتها الخاصة للدور.

رفضت أندروز الظهور في الفيلم، كي لا يكون ظهورها طاغياً على بلنت وهي محقة جداً، واضطر صناع الفيلم إلى إسناد دورها إلى أنجيلا لانسبيري، بطلة فيلم بيدنوبز آند برومستيكس عام 1971.

بسبب عدم وجود عمق وخلفية لشخصية بوبنز، فإنها وبالكامل مطورة من أداء بلنت فقط. أما ديك فان دايك (93 عاماً)، فيظهر في آخر الفيلم في أغنية قصيرة.

حتى لو كان هذا الفيلم جميلاً، فإن الناس ستتحامل عليه، وستنحاز لصالح الأصلي وأصحاب هذا الرأي لا يلامون، فالفيلم الأصلي لايزال يعد تحفة سينمائية حتى هذا اليوم. وبالنسبة للأغاني، فلا توجد أي مقارنة بين الأغاني التي سمعناها في الجزء الأول، التي يمكن وصفها بكلمتين فقط: لا تُنسى! بينما أغاني هذا الفيلم لا يمكن تذكرها بمجرد الخروج من الصالة.

نقطة نريد إيضاحها، ببقاء مارشال وفياً لكل عناصر الفيلم الأصلي فإنه خاطر بصنع فيلم ليس لأطفال اليوم، بقدر ما هو لجيل جاء يبحث عن شبابه المفقود. ويحق لنا القول إن وفاء مارشال لذلك الجزء أفقد هذا الفيلم شخصيته المستقلة.

ما شاهدناه هو فيلم مصنوع بتقنية الستينات، وليس فيلماً جاذباً لأطفال عصر الآي باد والأنيميشن الثلاثي الأبعاد. بكلمات أخرى: هو جزء ثانٍ أبعد ما يكون عن الكمال، ويشحب عند مقارنته بكلاسيكية ميري بوبنز في الستينات، لكن لو نظرنا إليه كفيلم لقضاء أوقات عائلية سعيدة.. فهو حتما يفي بالغرض!

لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.


54

عاماً، هي أطول فترة زمنية بين جزأي فيلم.

وفاء مارشال لكل عناصر الفيلم الأصلي، جعله يخاطر بصنع فيلم ليس لأطفال اليوم، بقدر ما هو لجيل جاء يبحث عن شبابه المفقود.

طباعة