«أول رجل».. قصة بطيئة وأداء متحجر - الإمارات اليوم

التعاون الثاني بين المخرج والبطل

«أول رجل».. قصة بطيئة وأداء متحجر

صورة

دخلنا موسم الجوائز بشكل رسمي، فالأسبوع الماضي انطلقت عروض فيلم «ولادة نجمة»، من بطولة برادلي كوبر، والمغنية ليدي غاغا، وإخراج الأول، وهو الإعادة الثالثة في 80 عاماً، ثم حل في صالات السينما في الدولة فيلم First Man أو «أول رجل»، الذي يوثّق قصة رائد الفضاء الأميركي نيل آرمسترونغ، الذي صنع تاريخاً لأميركا وللإنسانية، بوضع قدمه على سطح القمر في 20 يوليو عام 1969.

المخرج الفرنسي الأميركي ديميان شازيل يتعاون مرة أخرى مع بطله من فيلم «لا لا لاند» رايان غوسلينغ. يعود الفيلم بالزمن ثمانية أعوام قبل مهمة «أبولو 11»، ليستعرض المصاعب التي مر بها رائد الفضاء، وقراره خوض تلك المهمة الشاقة، رغم كل الأحداث التراجيدية التي مر بها.

يبدأ الفيلم عام 1961، نرى آرمسترونغ (غوسلينغ) طياراً، يحاول تحطيم رقم قياسي لبلوغ ارتفاع معين في الفضاء. على كوكب الأرض نرى زوجته جانيت (الإنجليزية كلير فوي من مسلسل ذا كراون)، تراقب ابنتهما بقلق، وهي تتلقى علاجاً بالإشعاع من ورم خبيث.

تموت الفتاة ويكتفي آرمسترونغ بلحظة بكاء هيستيرية يخرج فيها آلامه، وسرعان ما يترك زوجته ويعود إلى عمله متجاهلاً الحدث الجلل. يقدم آرمسترونغ أوراقه رسمياً، ليصبح رائد فضاء لدى وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، ويتم قبوله في برنامج جيمني عام 1962.

ينتقل آرمسترونغ مع زوجته وولديه إلى مدينة هيوستن بولاية تكساس، ويبدأ خوض تدريبات قاسية. نراه كذلك يتناول العشاء مع زميله إد وايت (جيسون كلارك)، وهما يشاهدان أخبار آخر تطورات الجانب السوفييتي في ذلك السباق.

ولا يفوت شازيل مشاهد حضور آرمسترونغ جنازات زملائه، الذين فاضت أرواحهم نتيجة حوادث وقعت أثناء التدريب.

لماذا نهتم بالقصة؟

رغم أن شازيل أثبت نفسه جيداً في الدراما كاتباً ومخرجاً في فيلمي «ويبلاش» عام 2014، و«لا لا لاند» عام 2016، الرائعين اللذين خرجا بجوائز «أوسكار» عدة، فإن شازيل يكتفي بالإخراج هنا، أما النص فهو لجوش سينغر، الذي كتب فيلم «سبوتلايت» و«ذا بوست»، والأول حاز «أوسكار» أفضل فيلم لعام 2015.

ومع أن «أول رجل» فيلم دراما يستحق الاحترام؛ إلا أن هناك خللاً كبيراً في أكثر من موطن، بداية من البطء الشديد، ومروراً بالأداء البارد، ونهاية بالتصوير المهتز، ما يدفعنا للتساؤل: لماذا نهتم بالقصة؟

يركز الفيلم كثيراً على الجانب التقني أكثر من العاطفي، وربما هذا منطقي؛ كون النص والإخراج يريدان إظهار شخصية تقمع مشاعرها لتركز على العمل فقط، وتتجاهل الجانب الأسري من حياتها.

«أول رجل» ليس عن الهبوط على القمر وهذه بديهة، فماذا على القمر لنشاهده! مجرد أرض صخرية قاحلة، بل هو قصة أول إنسان خطا على سطح ذلك الجرم السماوي، قصة رجل وضع مشاعره في مكان سري، واختار التركيز على هدف مهمته.

ولو وضعنا ذلك في الاعتبار، فليس غريباً انجذاب شازيل إلى النص، لأن فيلم «ويبلاش» كان عن قصة رجل مهووس لبلوغ الكمال ورحلته النفسية الشاقة التدميرية لذاته، للوصول إلى النجاح مهما كان الثمن. وبينما كان «ويبلاش» فيلماً مفعماً بالطاقة والحيوية إلى درجة جنونية، لا تستطيع معها أن تنظر في اتجاه آخر، يأتي «أول رجل» كمولود ميت إلى هذه الحياة.

فلا تشويق يذكر في الفيلم رغم أن القصة الحقيقية كلها تشويق، الغرض من ذلك مقصود وهو نقل المشاهد إلى داخل رأس آرمسترونغ ليعيش حالته النفسية، لكن ذلك قد لا يأتي للبعض سوى بنتيجة واحدة هي النوم.

لا للفرح

صرح شازيل بأنه لم يستطع تخيّل ممثل آخر غير غوسلينغ في هذا الدور، وهو محق - إلى حد كبير - فالأخير لعب أدواراً مشابهة تطلبت كتمان مشاعره مع وجود رغبة للإفصاح عنها، أشهرها دوره في فيلم Drive عام 2011، ومرة أخرى في Blade Runner 2049 بأكتوبر الماضي.

لكن هنا ينتابنا تساؤل: هل غوسلينغ يؤدي المطلوب منه؟ هل الأداء الروبوتي هو المطلوب لتجسيد آرمسترونغ في هذه المرحلة من حياته؟ لا توجد أي مشاعر في وجه غوسلينغ على الإطلاق إلى درجة أنك لو وضعت قطعة حجر منحوتة على شكل غوسلينغ بجانب وجهه في هذا الفيلم فلن تميز بينهما! ولو كانت هناك فئة لأفضل أداء متحجر لترشح غوسلينغ بالتأكيد ولفاز.

فلو كان الفيلم بطيئاً فالمخرج يعوض بالأداء لخلق الرابط العاطفي مع المشاهد، لكن عدم توافر هذا يتسبب في عدم اهتمامنا بمجريات القصة، ولعلنا هنا نتساءل مرة أخرى: هل أداء غوسلينغ بسبب كتابة الشخصية بهذه الصورة أم أن آرمسترونغ في الواقع كان هكذا، هل يعقل أن الرجل كان متحجراً وهو يعلم حجم المهمة الملقاة على عاتقه؟ هل يعقل أن عينيه ذرفتا الدموع حزناً على ابنته، ولم تذرفا دمعة فرح واحدة بالهبوط والمشي على سطح القمر؟

ربما كان ذلك صحيحاً، لكن تقييمنا للفيلم وليس الواقع، ونقول إنه رغم هبوطه على سطح القمر؛ فإننا بسبب الأداء المتحجر لم نشعر بشيء كأن شيئاً لم يحدث، وحدث أن أفاق البعض من غفوته بعد نهاية تلك اللقطة الختامية للفيلم!

بقدر ما كان غوسلينغ متحجراً، فإن فوي - في دور زوجته - كانت أفضل من ناحية إظهار العواطف والمشاعر الإنسانية؛ لكن الفيلم لا يعطيها ما تستحقه من مشاهد؛ ومعظم لقطاتها إما تصرخ عليه أو جالسة على السرير تلاعب طفلها، والسؤال: ماذا تفعل فوي هنا؟ الجواب: تنتظر ترشيحاً لأفضل ممثلة مساعدة!

صرح آرمسترونغ، في مقابلة عام 2001، بأنه لم ينظر إلى القمر قبل تلك الرحلة. قد تكون الإجابة مبالغة، ومن المعروف أن الرجل دخل في حالة من الاكتئاب حتى وفاته عام 2012، اعتزل العالم بسببها، لكن يصعب تصديق تصريحه بأنه لم ينظر إلى القمر، لأننا كلنا ننظر إلى جمال شكل القمر من الأرض، فما بالك لو كان الأمر يتعلق بالرجل الذي سيخطو عليه، وبالتالي تراودنا شكوك حيال دقة الحالة النفسية التي يصورها الفيلم له!

لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.


250

لقطة حية.. متأخرة

يستيقظ الفيلم لحظة الهبوط على القمر، ويبدأ شازيل بالتفنن في التصوير وإبراز اللقطات الجميلة. وعندما ينزل آرمسترونغ على سلم مركبته الصغيرة، وتلامس قدماه السطح، ويقول عبارته الشهيرة: «خطوة صغيرة للإنسان.. وثبة كبيرة للإنسانية» نرى أروع اللقطات والتي تأتي بعد ساعتين من تصوير شديد الاهتزاز، لكن روعة لقطة النهاية لا تشفع لثلاثة الأرباع الميتة، التي سبقتها من الفيلم.

20

يوليو عام 1969، التاريخ الذي وضع فيه آرمسترونغ قدمه على القمر.. بـ«خطوة صغيرة للإنسان.. وثبة كبيرة للإنسانية».

لا تشويق يُذكر في الفيلم.. رغم أن القصة الحقيقية كلها تشويق.

طباعة