يعتمد قالب أفلام الجريمة

«أوقات سيئة في الرويال».. بداية شيقة ونهاية فوضوية

صورة

إذا أعجبك الفيلم السابق للمخرج الأميركي درو غودارد، بعنوان The Cabin in the Woods (الكوخ في الغابة) عام 2012، وهو فيلم سخيف بقدر ما هو مجنون، لأنه ليست به فكرة واضحة، ومصنف رسمياً رعب/‏ كوميدي، وهو في الحقيقة كله جنون، فتأكد أن هذا الفيلم ليس بالجنون نفسه، وإن كان فنياً أفضل بكثير.


مهووس بالمرايا

الفيلم السابق والأول للمخرج غودارد «الكوخ في الغابة»، هو أيضاً عن مجموعة أشخاص تدخل كوخاً، لتكتشف أن شركة سرية تراقبهم عبر كاميرات! وكذلك المرايا الأحادية الجانب موجودة في ذلك الكوخ، وفي هذا الفيلم «أوقات سيئة في الرويال» يتجدد موضوع المراقبة بالمرايا والكاميرا ذاتها، والذي يبدو أن غودارد مهووس بها.

141

دقيقة، مدة الفيلم الذي يعد بمثابة موزاييك أفكار؛ حتى مؤلفها نفسه لا يعلم كيف يربطها.

- توقعاتنا كمشاهدين أفضل من أفكار غودارد الذي ربما لا يعلم لماذا صنع الفيلم.

فيلم Bad Times at the El Royale أو «أوقات سيئة في الرويال»، كسابقه عبارة عن موزاييك أفكار؛ حتى مؤلفها نفسه لا يعلم كيف يربطها بالشكل الصحيح أو حتى المقنع، ولو طرحها في استفتاء على جمهوره، لربطها الجمهور بشكل أفضل! وسنفصل هذه النقطة لاحقاً.

مشهد مقدمة صامت لرجل يدخل غرفة في الرويال، قبل أن يلقى مصرعه برصاصة زائر ويسقط مضرجاً بدمائه. تبدأ الأحداث بعد 10 سنوات من مشهد المقدمة؛ عام 1969 فتاة من أصل إفريقي تدعى دارلين (سينثيا إريفو) تدخل فندق الرويال، وفي الوقت نفسه تقريباً يدخل معها القس دانيال فلين (جيف بريجز)، ليجدا بائع مكانس كهربائية اسمه سيمور سوليفان (جون هام)، يثرثر بأشياء ستضح معانيها في ما بعد.

ثم تدخل إيميلي سمرسبرينغ (داكوتا جونسون) فتاة جنوبية منتسبة لعصابة، وبين هؤلاء يخرج علينا مايلز ميلر (لويس بولمان)، موظف الاستقبال الذي يوزع الغرف على النزلاء وهو نفسه ينظف الغرف، ويخدمهم بالشراب في حانة الفندق.

بعد ساعة ونصف من وقت الفيلم الممتد 141 دقيقة، يدخل بيلي لي (كريس هيمسوورث) زعيم العصابة المذكورة، ويثرثر هو الآخر ثرثرة لا تطاق، لن تلوم نفسك لو غفوت قليلاً خلالها. سبع شخصيات تلتقي صدفة في فندق (المذكورون حتى الآن ست، وسنأتي على السابعة لاحقاً).

يكتشف نزلاء الفندق أن الإدارة تتجسس عليهم من خلال مرايا أحادية الجانب لكل غرفة، أي أن ما يظنه النزيل مرآة في غرفته هو في الحقيقة نافذة زجاجية يستطيع الشخص الواقف في الممر السري خلف الغرف أن يشاهد كل ما يحدث بداخلها. وفي آخر الممر السري توجد كاميرا تصور أسرار الغرف.

مخبئو الأسرار

بعض الشخصيات تخبئ أسراراً، وليست كل شخصية كما تدعي، القس ليس قساً، وبائع المكانس ليس كما يقول، أما إيميلي فهي جافة وصريحة ومسلحة ببندقية ليتبين لاحقاً أنها فتاة عصابات، لكن ما يبقى محيراً هو أنها جلبت سراً الشخصية السابعة إلى الفندق، وهي شقيقتها روز (كيلي سبيني)، السؤال: هل إيميلي تختطف شقيقتها أم تنقذها؟ دارلين مغنية طموحة تريد بناء مستقبل فني، ومايلز لديه خلفية ظلامية هو الآخر. وطبعاً زعيم العصابة يدخل كما هو.

يبدأ غودارد فيلمه بوضع شخصياته في فندق يعتمد على خدعة رخيصة لترويجه وهي وقوعه بالضبط على الحدود بين ولايتي نيفادا وكاليفورنيا، والحدود تمتد على شكل خط أحمر من باحة الفندق الخارجية إلى صالته، فإذا أراد نزيل أن يسكن في جانب كاليفورنيا فعليه دفع دولار إضافي، وإذا أراد الحانة فعليه الانتقال إلى كاليفورنيا، وحتى هذه الفكرة ليست أصلية، إذ يوجد فندق حقيقي على الحدود بين الولايتين تأسس عام 1926 واسمه كال - نيفا.

انقلاب مفاجئ

فنياً، يعتمد غودارد قالب أفلام الجريمة ( موجة noir أو الظلامية) السائدة في الأربعينات والخمسينات ونظيراتها الملونة بتقنية Technicolor التي انتشرت في الستينات وازدهرت في السبعينات، لرسم شخصياته من خلال إطار كل لقطة، وتحديد إضاءتها وألوانها. أما نصاً، فيبدأ بالغموض على طريقة أغاثا كريستي، ثم ينقلب بشكل كامل إلى قالب كوينتن تارانتينو من خلال عاملين:

الأول اعتماده المفرط على حوارات طويلة جداً لا تمت كلها بصلة إلى الفيلم ويملأها بإشارات عن الثقافة الشعبية الأميركية في الستينات. كما يفعل تارانتينو بجعل رجل عصابة يتحدث عن فلسفته في الهامبرغر!

الثاني توظيفه أسلوب سرد مجموعة وجهات نظر عن حادث واحد. فترى الجريمة مرتين من زاويتين مختلفتين. والحقيقة أن تارانتينو كرره ثلاث مرات على الأقل في أفلامه - مستودع الكلاب 1992، بالب فيكشن 1994، وذا هيتفول 8 عام 2015 - حتى نُسب إليه وهو ليس له، بل من ابتكره أصلاً كان ستانلي كوبريك في فيلم The Killing «القتل» عام 1956.

وبمجرد دخول الفيلم في قالب تارانتينو يبدأ التباطؤ، ويتبدد الغموض دون أي مفاجآت، يتتخلل ذلك البطء حوارات طويلة ليست لها فائدة سوى أن غودارد يريد أن يخبرنا أنه مهووس بالستينات وحقبة فيتنام والتغطية الرسمية الأميركية على إخفاقات تلك الحرب، ثم تلميحات إلى الفضائح الجنسية للسياسيين الأميركيين وصور مارلين مونرو، ثم يدخل بيلي - وشخصيته نفسها إشارة إلى المجرم الأميركي الشهير تشارلز مانسن - ويثرثر ويحتجز الشخصيات بمساعدة عصابته في الفندق.

وتبدأ ثرثرة المشهد الأخير وتريد التوسل لغودارد كي يوقف جلسة العذاب بالثرثرة.. ثم فجأة ينفجر المشهد بأكشن، وتستيقظ الحواس مرة أخرى، إلا أن غودارد يقتل ذلك بلقطة استرجاعية (فلاش باك) غير حكيمة، حولت الفصل الثالث من الفيلم إلى فوضى عارمة.

في النهاية هذا الفيلم جيد جداً فنياً، لكن ليس له معنى لأن غودارد لا يشرح ما يريد قوله. رغم أنه يعتمد على خيال المشاهد في تحديد اتجاهه إلا أنه يخفق في اختيار ذلك الاتجاه. بمعنى أنه يعطي تلميحات قوية إلى أنه دراما جاسوسية ويضع كل الإشارات، لكن لو تصورت أنه كذلك فسيخالف توقعاتك ليكون شيئاً أقل!

وعندما يشدك غموضه وتود معرفة ما سيحدث لشخصية فلين أو سوليفان، فإنه يخالف التوقعات العالية ويعطيك شيئاً عادياً أو تافهاً لا يستحق الغموض الذي سبقه. لهذا السبب نقول إن توقعاتنا كمشاهدين أفضل من أفكار غودارد، الذي ربما لا يعلم لماذا صنع الفيلم.

يذكر أن تارانتينو يعكف على صنع فيلم بعنوان Once Upon A Time in Hollywood «في يوم من الأيام في هوليوود» تظهر فيه شخصية المجرم الشهير مانسن، من بطولة ليوناردو دي كابريو وبراد بيت سيطرح العام المقبل، ورغم أن شخصية مانسن ستكون ثانوية، فإن تارانتينو يسبق غودارد بسنوات ضوئية في صنع الأفلام.