الثلاثية الأولى لروان أتكينسون

«جوني إنغلش 3».. براعة توظيف التناقضات في الكوميديا

صورة

فيلم Johnny English Strikes Again أو «جوني إنغلش يهجم مجدداً»، الجزء الثالث في سلسلة أفلام «جوني إنغلش» البريطانية، ويكمل الثلاثية السينمائية الأولى لممثل الكوميديا البريطاني، روان أتكينسون.

سخرية من دورين

أطلّ أتكينسون في فيلم جيمس بوند Never Say Never Again عام 1983 إلى جانب شون كونري، وكان ذلك الفيلم الوحيد الذي لم تنتجه شركة «إم جي إم». كما ظهرت كوريلينكو إلى جانب دانيال كريغ في فيلم جيمس بوند Quantum Of Solace عام 2008، قبل أن يسخرا من الدورين المذكورين بدوريهما في الفيلم الجديد.


2003

العام الذي ظهر فيه الجزء الأول من «الثلاثية».


- «مستر بين» طفل بجسد شخص كبير، بينما «إنغلش» عميل سري يفهم المطلوب منه لكنه يعجز عن اختيار القرارات الصحيحة لأفعاله.

جوني إنغلش كوميديا جاسوسية تسخر من سلسلة أفلام العميل السري البريطاني، جيمس بوند. طرح إنغلش بالصالات في ربيع عام 2003، وحقق نجاحاً منقطع النظير، وجاء الجزء الثاني بعد ثمانية أعوام في 2011، وحقق نجاحاً مماثلاً (شاءت المصادفة أن إيرادات كل فيلم توقفت عند 160 مليون دولار، مقابل ميزانيتين لم تتجاوز كل منهما 45 مليون دولار). واليوم وبعد سبعة أعوام يأتي الجزء الثالث.

استدعاء من التقاعد

المغامرة الجديدة تبدأ بهجوم إلكتروني على حواسيب جهاز الاستخبارات البريطاني، وتكشف أسماء كل عملاء الجهاز المتخفين، ولا يبقى أمام رئيسة الوزراء البريطانية (إيما تومبسون)، سوى الاستعانة بجوني إنغلش (أتكينسون) الأمل الوحيد المتبقي لحفظ ماء وجه الجهاز والمملكة المتحدة.

يستدعى إنغلش من التقاعد، حيث اختار وظيفة مدرس جغرافيا لملء وقت فراغه. ويباشر العمل فوراً للعثور على القرصان، والعقل المدبر للهجوم الإلكتروني.

يتعاون إنغلش مع رفيقه أنغس بو (بين ميلر)، ثم يصطدم بالجاسوسة الروسية أوفيليا (الفرنسية من أصل أوكراني أولغا كوريلينكو)، ليوقف الشرير جيسن (جيك لاسي) عن السيطرة على العالم.

يوظّف الفيلم كل أنواع التناقضات لتوليد النكات، وهي الطريقة الأساسية لصنع أي فيلم كوميدي، ابتداء من مهارات العميل إنغلش البدائية جداً في عالم جديد معتمد على التقنية في كل شي أكثر من أي وقت مضى، وهذا التناقض الأكبر الذي يعتمد عليه الفيلم في رسم المواقف الكوميدية.

التناقض الثاني، توظيف الفيلم قصة جادة، وشخصيات في منتهى الجدية لا تعرف كيف تتعامل مع المأزق أو التحدي الذي وضعت فيه، ثم يدفع المخرج ديفيد كير ببطله إنغلش لحل المشكلة، والبطل تحديداً جاد وضعته الظروف وسط أزمة، لكنه لا يوظف الأسلوب المناسب لحلها ولهذا السبب يثير الضحك.

ما نريد قوله إن هناك فرقاً بين الكوميديا والتهريج، أتكينسون الوحيد الذي يعرف كيف يوازنهما، فعندما يكون جدياً في الفيلم يصنع كوميديا أصيلة، وعندما يمزح يتحول إلى مهرج. طوال الفيلم إنغلش يحاول جاهداً الوصول إلى الشرير، لأن هذا هدف الشخصية، لكن المواقف الناتجة من قراراته أو سلوكه مع الآخرين هي المضحكة.

ضد التقنية

إنغلش ليس غبياً، فالغبي شخص لا يعلم مصلحته ويتخذ قرارات عكسية مدمرة، بينما إنغلش يعي تماماً ما يفعله، ويعلم حجم المهمة الملقاة على عاتقه، وهو شخص وطني من الدرجة الأولى؛ لكن - كما أسلفنا - قراراته مناقضة للواقع لأن خلفيته وتنشئته وقناعاته غير متطابقة مع عالم اليوم.

إنغلش يستخدم سيارة بدائية لأنه يعلم أن القرصان يستطيع تحديد موقعه بالتقنية، وهذه في الحقيقة علامة ذكاء، تتحول إلى نكتة لأنها تناقض قواعد العمل في هذا العصر. مثال آخر: إنغلش يضع نظارة الواقع الافتراضي على وجهه، وكلنا يعلم أن تلك الأداة تغمس الشخص في عالم آخر، وتفقده الشعور بمحيطه، لذلك يوضع مستخدمها داخل مكان مغلق.

إنغلش يقلب طريقة عمل الأداة فيضعها على وجهه، ويمشي بها ظناً منه أنه ثابت في مكانه، ونتيجة ذلك القرار يرتكب إنغلش مجموعة أخطاء كارثية تسبب ضحكاً، لأنه أولاً قلب طريقة استخدام الأداة (تناقض)، وثانياً أنه سخر منها قبل استخدامها وبعده، وسخريته تعكس ثقته الشديدة بنفسه، واستصغاره للتقدم التقني. لقطة نظارة الواقع الافتراضي تمتعت بنوع من الأصالة قلما نشاهده في فيلم كوميدي، وتتجلى متعتها في براعة الانتقال بين ما يراه إنغلش في ذلك العالم الافتراضي مقابل ما يفعله في العالم الحقيقي، وهما متناقضان تماماً.

بالمقابل، لقطة رقص إنغلش في الملهى تعد تهريجاً سخيفاً، لأنه كان يمزح وتخلى عن جديته. الكوميديا الأصيلة تصنع بوضع شخصيات جادة في قصة جدية، وليس بالضرورة لشخصيات تمزح في مواقف هزلية كما هو متبع اليوم. لأن سيكولوجية النكتة تعمل بهذه الآلية، فعندما يقول لك شخص نكتة فأنت تعطيه انتباهك، وعندما يخبرك عن بطلها فأنت تسمعها من وجهة نظر بطل النكتة، وهو شخصية جادة في عالمه، تتخذ قراراً يناقض قناعات المستمع فيضحك.

«بين» العابر للحدود

حقق أتكينسون نجاحاً كبيراً في مسلسله الشهير «مستر بين» عام 1990، الذي استمر إلى 1995، نجاحاً عبر حدود بريطانيا إلى كل أرجاء المعمورة باستثناء الولايات المتحدة المتشبع سوقها بالكوميديين المحليين هناك. اعتمد أتكينسون على ذلك النجاح في تسويق شخصية جوني إنغلش التي من الصعب جداً أن تسوق مع أي ممثل آخر. «مستر بين» كان طفلاً في جسد شخص كبير، بينما جوني إنغلش عميل سريا يفهم المطلوب منه لكنه يعجز عن اختيار القرارات الصحيحة لأفعاله. طور أتكينسون الشخصيتين بنجاح اعتماداً على بحثه المتعمق في الأفلام الكوميدية الصامتة، وأبرزها أفلام تشارلي شابلن. جوني إنغلش ليس أول شخصية تسخر من جيمس بوند، فقد سبقه مايك مايرز صاحب ثلاثية «أوستن باورز» الموجهة للكبار، بينما إنغلش موجّه لكل أفراد العائلة.

الأفلام الساخرة من أفلام أو شخصيات أخرى، ليست جديدة وتعود إلى أربعينات القرن الماضي، ولسنا بصدد سرد تاريخها، لكن ما نريد توضيحه أن هذه النوعية تصنع لأسباب معينة، هي: أولاً الاستهلاك الشديد لصنف سينمائي معين إلى درجة تشبع الجمهور منه ثقافياً، مثال: فيلم Airplane عام 1980، يسخر من أفلام الكوارث في السبعينات خصوصاً فيلم Airport، والأول غير فكرة استخدام كلمة surely بالتأكيد! وأعطاها معنى جديداً لن يفهمه سوى من شاهد الفيلم. ثانياً صنف سينمائي تمتع بشعبية كبيرة في الماضي، قبل أن ينحدر مستواه، هنا تصنع أفلام ساخرة منه أحياناً بغرض إعادة إحيائه. مثال: أفلام Hot Shots عامي 1991 و1993 التي تسخر من أفلام الأكشن العسكرية أو ثلاثية The Naked Gun من 1988 إلى 1994 الساخرة من أفلام ومسلسلات الشرطة. ثالثاً جمع أمثلة عدة من مجموعة أفلام تقع تحت تصنيف سينمائي واحد. مثال: أفلام Scary Movie في العقد الماضي، الساخرة من أفلام رعب التسعينات. كل الأفلام المذكورة جادة في القصص والشخصيات، وتعتمد على التناقضات في صنع الكوميديا.