الأكشن الغبي على حساب التشويق

«المفترس» يفقد الهوية ويضيع خارج الأدغال

صورة

عام 1987 كان عاماً موفقاً للكاتب/‏‏ المخرج شين بلاك، فقد كتب نص فيلم «السلاح الفتاك» الذي تحول إلى واحدة من أنجح سلاسل أفلام الأكشن (1987-1998)، ثم شارك في كتابة «فرقة الوحش» مع فريد ديكر، كما اختير لأداء شخصية مساعدة في فيلم «مفترس» الأصلي، إلى جانب نجم أكشن الثمانينات آرنولد شوارتزينيغر، ويقال إنه شارك في كتابة ذلك الفيلم.

من أنت؟.. يجب ألا نهتم

في الفيلم لقطة لمكينا يسأل المفترس الجريح: من أنت؟ وقبل أن يجيب الأخير يرديه الأول برصاصة الرحمة! المفترس الجديد بإمكانه الإجابة بفضل برنامج كمبيوتر يترجم لغته إلى البشر، لكن يبدو أن بلاك وشخصياته وصناع الفيلم يتفقون معنا على حقيقة واحدة أننا يجب ألا نهتم.


- فيلم مزعج تعمّه الفوضى، وغير محدد الهوية، يدمج أربع قصص ومجموعة أفكار في حبكة تصلح في لعبة فيديو.

1987

العام الذي ظهر فيه الجزء الأول من السلسلة.

«مفترس» من إخراج جون مكتيرنان تحول إلى سلسلة لم تحقق مثل نجاح «السلاح الفتاك»، لأن الفيلم الأصلي هو الأفضل حتى الآن، ولم يتمكن أحد من صنع فيلم مماثل في القيمة، فبعد أن قدم الأصلي الفكرة، أتى الثاني عام 1990 في شكل فيلم أكشن صِرف. ثم قررت شركة 20 سنشري فوكس، المالكة لحقوق الشخصية، مزج اثنتين من أنجح سلاسلها في فيلم واحد بجزءين Alien VS Predator أو «المخلوق الفضائي ضد المفترس» (كلاهما فضائيان) عامي 2004 و2007، وكانت النتيجة كارثية، وانحدرت السلسلتان إلى مستوى أفلام درجة ثانية.

عام 2010 جاء فيلم «مفترسون» وكان معقولاً، أما اليوم - وبعد 31 عاماً - فقد عاد بلاك للعمل مع ديكر لصنع الجزء الجديد والسادس في السلسلة بعنوان The Predator (المفترس)، الذي يحاول أن يعود لجذور الفيلم الأصلي إرضاء لعشاقه، وفي الوقت نفسه يحدّث الفكرة لتتناسب وهذا العصر مع زيادة جرعة العنف والكوميديا.

انفجار أول

«المفترس» كما الأصلي يبدأ بلقطة لمركبة فضائية تقترب من الأرض، ثم نرى كوين مكينا (بويد هولبروك) القناص السابق في الجيش الأميركي على وشك ضرب هدفه في أدغال المكسيك، وبمجرد تنفيذ الضربة تتحطم مركبة فضائية في الجوار ويقضي الانفجار على كل شيء حوله.

مكينا الناجي الوحيد، يأخذ قطعة من حطام المركبة، ويرسلها لمنزله، ويخبئ أخرى لديه. يكتشف فريق حكومي سري يسمى «ستارغيزر» بقيادة تريغر (ستيرلنغ كي براون) أمر مكينا، ويلقي القبض عليه، ويقرر إرساله إلى مصحة عقلية حتى لا يبلغ أحداً عما رآه، ويزج به في حافلة مع جنود سابقين مصابين بعقد نفسية، بينما تصل القطع الأخرى إلى ابنه المصاب بالتوحّد روري (جيكوب ترمبلي) الذي يعبث بالقطع، ويرسل إشارة إلى المفترس.

بعد ذلك، نرى عالمة الأحياء وتطور الكائنات د. كيسي براكيت (أوليفيا من) يتم اقتيادها من جامعتها إلى مختبر سري حكومي لترى مفترساً - من مفترسين عدة زاروا الأرض منذ عام 1987 - محتجزاً ومخدراً ومربوطاً في سرير.

على الحافلة مع مكينا نرى بقية شخصيات الفيلم، وهم نبراسكا (تريفانت رودز) وكويل (كيغان مايكل كي) وباكسلي (توماس جين) ولينش (ألفي ألين) ونيتلز (أوغستو أغويليرا). وهو انقلاب على شخصيات الفيلم الأصلي الذين كانوا مقاتلين بينما الشخصيات هنا مجموعة معقدين ومجانين.

عندما يستفيق المفترس من المخدر يقتل كل من حوله ما عدا العالمة براكيت (لأنه لو قتلها فلن تبقى بطلة في الفيلم المكون من رجال)، المهم يتركها المفترس ويقتل كل من يعترض طريقه من المختبر إلى الشارع.

يكتشف تريغر أن المفترس الذي اكتشفه مكينا في الحقيقة هارب من مفترس آخر أكبر منه يطارده عبر المجرة، ثم يدرك مكينا أن ابنه ربما تمكّن من تشغيل القطع التي أرسلها إلى منزله، ويعلم أن المفترس التقط الإشارة وذاهب لاسترجاع القطع، فيقرر التعاون مع رفاق الحافلة الذين يطلقون على أنفسهم اسم «لوونيز» وكذلك مع العالمة، ويذهبون جميعاً لإنقاذ عائلته.

بين العفوية والسماجة

«المفترس» فيلم مزعج تعمّه الفوضى، وغير محدد الهوية يدمج أربع قصص ومجموعة أفكار في حبكة لا يمكن إلا أن تكون في لعبة فيديو. بلاك ملأ الفيلم بالأكشن الغبي والانفجارات على حساب عامل التشويق الذي كان سائداً في الفيلم الأصلي.

«مفترس» 1987 كان رجالياً بامتياز تباهى فيه شوارتزينيغر وكارل ويذرز بعضلاتهما، فيما كان يعرف بأفلام العضلات Macho (رمز القوة والرجولة) في ثمانينات القرن الماضي.

ذلك الفيلم تميز بالغموض، أي أن المفترس وحش غامض لا تهم دوافعه، لكن المهم كيفية القضاء عليه، وهو ما جعل داتش (شوارتزينيغر) يفكر كثيراً في الطريقة المثلى لهزيمته، ما حول النصف الثاني من ذلك الفيلم إلى حرب استراتيجيات بين الإنسان والمفترس. لا نقول إن الفيلم الأصلي كان بقصة استثنائية، بل كانت مبسطة لكنها مدعومة بالعناصر التي جعلت الفيلم كلاسيكياً بعد ثلاثة عقود.

الكوميديا كانت عفوية وإيحائية تعتمد غالباً على لهجة شوارتزينيغر الثقيلة في نطق الكلمات الإنجليزية، فالنجم النمساوي كان يلفظ إنجليزيته الألمانية في نبرة جادة، لكن الجمهور ضحك ولايزال يضحك على طريقة نطقه.

نأتي إلى المفترس اليوم، فلا نعلم هل نصنفه: «خيال علمي أكشن» وهو لا يتمتع بالجرأة ليكون كذلك، أو «كوميديا»، وهو سمج! فالكل جاء لإلقاء النكت وفي كل الأوقات، بحضور المفترس على الشاشة أو في غيابه. السؤال المحيّر الذي طرحناه سابقاً ونعيده: إذا كانت الشخصيات مستمتعة بوقتها مع المفترس وتلقي نكاتاً رغم علمها بخطورة الموقف، فلماذا يجب علينا أن نهتم أو نتعاطف؟

إذا كان المفترس حريصاً على قتل كل الشخصيات المجهولة في الفيلم، وترك الشخصيات الرئيسة تسرح وتمرح حوله، فلماذا يجب علينا الاهتمام! بلاك لا يتمتع بالجرأة وحريص جداً على سلامة الجميع، ربما هو نفسه يعلم أنه لا توجد شخصية واحدة تستحق الاهتمام. بعكس شخصيات الفيلم الأصلي التي مزقها المفترس إرباً رغم تعاطفنا معها.

ونتساءل، من بين جميع الشخصيات، لماذا تم استدعاء العالمة براكيت للاطلاع على ما يفترض أن يكون أكبر سر حكومي وعسكري في تاريخ الولايات المتحدة؟ هل لأن بلاك يريد استنساخ «جوراسيك بارك»؟ أم لأن براكيت عالمة عبقرية في علم الأحياء وتطور الكائنات؟ لو كانت عبقرية فلماذا تعمل في جامعة ولم توظفها الحكومة في أبحاث الكائنات الفضائية التي تزور الأرض منذ عام 1987؟

براكيت تجيب عندما سئلت: لماذا أصبحت عالمة؟ فتقول: «عندما كنت في عمر السادسة أرسلت رسالة إلى رئيس الولايات المتحدة أطلب منه فيها أن أقابل مخلوقاً فضائياً». ربما كانت تلك إحدى نكات الفيلم، أو إذا كانت إجابتها مقنعة، فلا تعليق.

المفترس الأصلي تقع أحداثه في الأدغال، ويستمد قوته من مشاهد الغابة الجميلة والتي تحمل رهبة وغموضاً في الوقت نفسه، لكن عندما نراه يسرح ويمرح في مختبر أو الشوارع وفي أروقة المدارس، فإنه فقد جزءاً كبيراً من هويته، ومما جعله فيلماً يستحق المشاهدة في المقام الأول. طبعاً في مثل هذه الأفلام الشرطة والسلطات هي آخر من يعلم.