قصة سيئة ومؤثرات ضعيفة

«الراهبة».. أسوأ فيلم في عالم «ذا كونجورينغ»

صورة

سينما الرعب لها خصائص وتتمتع بخصوصية، فمن خصائصها أنها ليست بحاجة إلى نجوم، ويمكن صنعها بميزانية منخفضة وجودة عالية، وهي تتمتع بخصوصية لدى المشاهد الذي يعلم أنه يشاهدها بداعي الفضول والاستكشاف أكثر من التسلية، وهي حتماً ليست خياراً بالنسبة للمشاهد صاحب الإحساس المرهف.


- الفيلم لا يستغل أبسط عناصر سينما الرعب التي قد تثير خوف المشاهد لو كان خلف الدفة مخرج يفهم ما يفعله.


1952

العام الذي يبدأ منه الفيلم في دير قديم برومانيا.


ثرثرة وشخصيات متهافتة

الشخصيات ضعيفة، وبلا أي انسجام ولا كاريزما على الشاشة لتستحق منا اهتماماً، وكل وقت الفيلم يمضي في ثرثرة كل شخصية عن قصة حدثت لها في الماضي، وكأن الفيلم عن الشخصيات الأخرى وليس فالاك سيد الأفاعي!

هي سينما لها مفرداتها الخاصة وتستخدم الصوت والصورة بشكل مختلف كلياً عن بقية الأنواع الأخرى، هي سينما توظّف المؤثرات الخاصة لتعبر عن قوة المشهد وتستطيع التحدث إلى المشاهد من خلال المؤثرات بشكل فعّال دون الحاجة لحوارات الشخصيات. هذا كله يحدث لو كان المخرج مبدعاً بارعاً يفهم خصوصية العمل الذي بين يديه.

فيلم The Nun أو «الراهبة» هو الخامس في عالم أفلام The Conjuring الذي انطلق عام 2013 تحت إدارة الأسترالي جيمس وان، ثم أتبعه بالجزء الثاني عام 2016، وتفرّع منه فيلمان بعنوان «أنابيل» ثم «الراهبة».

طاردا الأرواح الشريرة

أفلام «ذا كونجورينغ» تتناول القصة الحقيقية لطاردي الأرواح الشريرة (الزوجان الأميركيان إد ولورين وورين اللذان اشتهرا في سبعينات القرن الماضي). أفلام «أنابيل» تتناول قصة دمية اسمها كعنوان الفيلم ظهرت ضمن مقتنيات الزوجين اللذين اعتادا أخذ تذكار من كل قضية عملا عليها. والراهبة هي الشيطان فالاك سيد الأفاعي الذي واجهه الزوجان في الجزء الثاني.

واليوم يتناول هذا الفيلم قصة فالاك ضمن استراتيجية شركة «وورنر» القائمة على صنع عالم جديد، إلى جانب عالم دي سي، كما فعلت «مارفل» وقريباً «سوني بكتشرز» وغيرهما. إنها الموجة الجديدة التي أطلقتها «مارفل» عام 2008 ولحق بها المقلدون دون وعي.

حسب الترتيب الجديد يصبح فيلم الراهبة أول جزء في هذا العالم. يبدأ الفيلم عام 1952 في رومانيا حيث تواجه راهبتان حضوراً شيطانياً في ما يسمى الزاوية المحرمة من دير قديم. تصاب الراهبة الأولى بالذعر، بينما تقفز الثانية من طابق مرتفع وتشنق نفسها لتضمن موتها، وتحرم جسدها على ذلك الشيطان.

يستدعي الفاتيكان القسيس الخبير بورك (ديميان بشير) ويطلب منه التحقيق في الأمر، ولأن الدير لراهبات فقط، يطلب الفاتيكان من القس أن يزوره برفقة فتاة تستعد للتحول إلى راهبة تدعى إيرين (تيسا فارميغا - الشقيقة الصغرى لفيرا فارميغا بطلة فيلمي ذا كونجورينغ) لأنها تتمتع بالقدرة على مشاهدة رؤى دينية.

ويبدو واضحاً اختيار شقيقتين لأداء شخصيتين تتمتعان بالسمات نفسها (رؤى دينية) إذ إن المنتج - وهو وان مخرج أفلام ذا كونجورينغ - يريد تعزيز الرابط بين الفيلمين لدرجة إسناد الدور إلى شقيقة بطلة أفلامه!

يذهب الاثنان إلى رومانيا ويلتقيان فلاحاً اسمه فرينشي (جوناس بلوكيه) وهو الذي اكتشف جثة الراهبة المنتحرة. تصطدم جهود الثلاثة بالأشياء الغريبة التي تصادفهم داخل الدير، وأبرزها رئيسة الدير التي تغطي وجهها، وتختبئ تحت عباءة غليظة وتخلط الإنجليزية بلغة أخرى، ربما الرومانية أو اللاتينية القديمة.

لا جديد

أخرج الفيلم كورين هاردي وكتبه غاري دوبرمان كاتب أفلام «أنابيل». من الواضح أن هاردي لا يعلم كيف يتعامل مع المادة التي بين يديه؛ إذ لا يمتلك الرؤية، ولا أدنى قدرة على ابتكار جديد، أو تقديم شيء مختلف. «الراهبة» لا يضيف شيئاً لسينما الرعب، ولا يبني على ما مضى، بل يعيد ويكرّر وينسخ ما شاهدناه في «ذا كونجورينغ 2» تحديداً، كون الشيطان فالاك (بوني آرونز) الشخصية الشريرة الرئيسة في ذلك الفيلم.

حوارات الفيلم ركيكة سمعناها في عشرات أفلام الرعب السابقة، والقصة سيئة والمؤثرات الخاصة رديئة، وشخصياته ضعيفة، الفيلم بأكمله بلا روح، وأفضل ما فيه ديكوراته وتصويره ومشاهده الخارجية. الفيلم لا يستغل أبسط عناصر سينما الرعب التي قد تثير خوف المشاهد لو كان خلف الدفة مخرج يفهم ما يفعله.

مثلاً، في فيلم «ذا كونجورينغ» الأول تحديداً بعد النصف ساعة الأولى، لقطة لفتاة تصحو من النوم في البيت المسكون بسبب شعورها بحركة بجانبها. ترتسم علامات الرعب على محياها؛ ما يجعل المشاهد يرتبط بها عاطفياً فوراً، تنظر الفتاة ببطء وحذر تحت سريرها لمعرفة مصدر الحركة والمشاهد يتابعها على أعصابه، ثم تجلس معتدلة في سريرها، وتنظر إلى بقعة ظلام دامس خلف باب غرفتها المفتوح.

كانت تلك اللقطة البسيطة أيقونية في سينما الرعب في هذا العقد، فهي تجمع بين البساطة وعمق المعاني. لقطة تتحدث إلى المشاهد دون أن يكون لها صوت باستثناء المؤثرات الصوتية في الخلفية وتقول إننا بشر نخاف من الظلام لأننا لا نراه، الظلام هو انعدام النور، ويعني أننا أمام مجهول، ونحن نخاف المجهول. الظلام لا يغطي سوى مكان بسيط خلف باب الغرفة، وهو ما يخلق حاجزاً نفسياً رهيباً بين الشخصية وما تخشى ظهوره من الظلام.

تلك اللقطة لم تكلف المخرج وان شيئاً، بسيطة جداً صنعها بالتلاعب بالإضاءة لكنها كانت أكثر لقطة حابسة للأنفاس في الفيلم، ونتذكر جيداً كيف تنفسنا الصعداء بعد انتهائها، ولأن وان بارع ويعلم قوة لقطته، فإنه لم يزودها بأي شيء آخر، هذا ما نقصده عندما نقول: إن اللقطة تتحدث إلى المشاهد.

في الجزء الثاني ابتكر وان لقطة مختلفة، وبالقوة نفسها؛ إذ نرى فيها ظل فالاك فقط يتحرك على الحائط ببطء ولورين تتابعه وعلامات الرعب على وجهها. في اللقطة الأولى وان وظّف الظلام لصنع الرعب، في الثانية وظّف الظل، الظلام والظل تصنعهما الإضاءة، وهذان العاملان فقط هما الأساس الذي ارتكزت عليه السينما التعبيرية الألمانية في بداية القرن الـ20، ومنها ولدت سينما الرعب الكلاسيكية، بكلمات أخرى، نجاح وان كان بسبب تطبيقه الأساسيات.

في المقابل، هاردي هنا يستنسخ من وان، ويمزج بين أصناف الرعب بشكل فج، فينتقل من صنف الأشباح إلى الوحوش، فالاك شبح، والشبح أقوى من الوحش في سينما الرعب لأنه بكل بساطة مجهول، والتاريخ يقف بجانب الأشباح عندما يتعلق الأمر بشعبية أفلامها في شباك التذاكر، لكن هاردي لا يعلم ولا يفقه ما يفعل.

حتى عندما يتعلق الأمر بمكياج فالاك فإن بساطته في «ذا كونجورينغ 2» كانت سبب ظهوره مخيفاً، إذ كان وجه الممثلة مغطى بمادة بيضاء وتجويف عيونها مصبوغاً بالأسود، أي إنه جمع لونين متضادين. في هذا الفيلم فالاك بوجه رمادي وشكل ممل!

مشاهدة «الراهبة» سيصيبك بالصداع من كثرة الثرثرة وزئير الوحوش، عفواً الأشباح.. أو ربما الاثنان! وعند خروجك من الصالة لن تتذكر شيئاً من الفيلم من شدة رداءته. «الراهبة» أضعف فيلم في عالم «ذا كونجورينغ» وحتماً على قائمة أسوأ أفلام الرعب لهذا العام.