شخصيات ضعيفة ومؤثرات جيدة

«ذا ميغ».. ضحالة النص تقوّض الصراع ضد القرش

صورة

قد تتساءل وأنت تشاهد فيلم The Meg وهو اختصار لاسم سمكة قرش من زمن سحيق ظهرت فجأة لتهاجم البشر عند سواحل الصين: لماذا صُنع هذا الفيلم؟ الإجابة الواضحة هي لجني الأرباح.

لكن لماذا تصنع هوليوود فيلماً كررته عشرات المرات منذ السبعينات؟

الإجابة على التساؤل مثل إجابة مدخن لو سئل لماذا يدخن منذ سنوات، أي أنها من أجل المزاج والتسلية وقضاء بعض الوقت في صالة مكيفة. هناك إجابة أخرى على السؤال هي أن الفيلم صنع لأنه يتحدث لغة عالمية يفهمها حتى سكان الجزر النائية في المحيط الهادي! فهو ليس عن مجرد قرش بل هو فيلم «أكشن» عن بشر يصارعون قرشاً لو شاهده أي شخص لا يتحدث الإنجليزية لفهمه رغم الحاجز اللغوي، لأن الأكشن هو لغة السينما العالمية وليس الدراما أو الكوميديا أو أي شيء آخر، الأكشن فقط.

هذه لغة تفهمها هوليوود أكثر من غيرها، «ذا ميغ» مثل «سكايسكريبر»، صنع للجمهور العالمي وليس المحلي داخل الولايات المتحدة. يبدأ الفيلم بكليشيه مهترئ (تجاهل الكليشيه وتذكر أن الفيلم مصنوع لتنسى حرارة الصيف فقط)، نرى جوناس (البريطاني جيسن ستاثام)، جندي بحرية أميركي سابق، يتحدث بلهجة عصابات لندن بقدرة قادر! وهو كذلك خبير إنقاذ يُستدعى من التقاعد بعد إخفاقه في مهمة منذ خمس سنوات (كليشيه مللنا مشاهدته). الأمر الطارئ هو اختفاء زوجته السابقة في غواصة في مكان ما في قاع البحر مقابل السواحل الصينية بعد أن تعرضت الغواصة لهجوم من شيء غامض.

جوناس متأكد من حقيقة الشيء الذي هاجم الغواصة، ولاحقاً تتحقق نظريته ويتضح أن المهاجم هو ميغالودون أو ميغ اختصاراً، قرش من عصور سحيقة بطول 75 قدماً، وجد طريق الخروج إلى عالم البشر بعد وقت طويل من الاختباء في قاع البحر.. ولو جاء عبر بوابة زمنية لربما كان منطقياً أكثر!

ينقذ جوناس زوجته السابقة وطاقم الغواصة ويعود إلى مركز أبحاث قابع تحت المياه يسمى مانا وان، ويلتقي ببقية أعضاء فريق البحث: صديقه العزيز ماك (كليف كرتس)، وعالمة صينية حسناء تدعى سوو يين (لي بينغ بينغ)، ووالدها د.زانغ (وينستون تشاو)، والطبيب د.هيلر (روبرت تيلر)، وممول المنشأة العلمية الملياردير جاك موريس (رين ويلسون).

أثناء نقاشهم حول كيفية إبلاغ العالم باكتشافهم العظيم، يدركون أن الميغ كما يطلقون عليها لم تبق في مكانها حيث وجدها أعضاء فريق البحث، لكنها لحقت بهم إلى سواحل الصين، والآن باتت تشكل خطراً عليهم. «ذا ميغ» فيلم عادي من صنف سينما الوحوش المندرجة تحت الرعب أو الإنسان ضد الطبيعة بشخصيات ضعيفة ومؤثرات خاصة أفضل مما اعتدنا عليه في مثل هذه الأفلام.

المخرج جون تورتيلتوب أخرج «National Treasure»، وقبله فيلم «Phenomenon» مع جون ترافولتا، و«بينما كنت نائماً» مع ساندرا بولوك في التسعينات، صنع مجموعة لقطات جيدة جداً أهمها وأفضلها لقطة لطفلة تمشي في أروقة المنشأة العلمية ثم يظهر شيء كالشبح خلفها وعندما تستدير لتراه إذا بها ترى وجه القرش الضخم ينظر اليها من خلف الزجاج في مشهد مهيب.

الفيلم مقتبس من أول رواية في سلسلة قصصية للمؤلف ستيف ألتين، لكن الفيلم مستقل عن الرواية بشكل لافت. تورتيلتوب ليس رمزاً في أفلام الرعب، وهنا يؤدي المطلوب منه وهو صنع هراء للتسلية العامة، وليس عملاً بعبقرية فيلم الأسطورة ستيفن سبيلبيرغ Jaws أو الفك المفترس عام 1975، الذي غير قواعد اللعبة في هوليوود.

بإمكاننا القول إن «ذا ميغ» يستغل ولعنا بذكريات الفك المفترس لنشاهده، ومعروف أن ذلك الفيلم غير مجرى التاريخ، وذا ميغ وعشرات أفلام سمكة القرش كلها خرجت من رحم كلاسيكية سبيلبيرغ. بكلمات أخرى، كان ذلك الفيلم هو لحظة ولادة ما يسمى بلوكباستر أو فيلم الحدث، وهو الفيلم الذي حطم سينما هوليوود الجديدة أو ما يعرف بالموجة الجديدة في هوليوود من آخر الستينات إلى نهاية الحقبة عند فيلم «بوابة الجنة» عام 1980.

لسنا بحاجة إلى مقارنة بين كلاسيكية سبيلبيرغ وهذا الفيلم المعاد تدويره من بقايا أفلام قرش وأطلال أعمال روجر كورمان في سينما الوحوش إبان الخمسينات والستينات، لكن سنقول جملة تلخص الكثير: الفك المفترس خبأ القرش إلى ما بعد الساعة الأولى ليركز على عامل الخوف من المجهول، بينما ذا ميغ مهووس بعرض الشكليات كحجم القرش وشكله، واعتمد على المؤثرات الخاصة الصوتية ولحظات الفزع وتجنب مشاهد الدم ليضمن تصنيفاً يضم فئة الأطفال من 10 سنوات فما فوق.

يظهر مشهد آخر الفيلم نرى فيه أناساً يستمتعون بوقتهم في السباحة ونشاطات بحرية بعيداً عن قصة وشخصيات الفيلم، قبل أن تهجم الميغ عليهم. المشهد طويل ويبدو تائهاً كأن المخرج وضعه ليزيد مدة العرض أو لم يعلم ما يفعل به فوضعه آخر الفيلم، ربما لأنه مستعجل ويريد الانتهاء من العمل.

يصلح المشهد أكثر كمقدمة للفيلم، بل كان سيشكل مقدمة مثالية بدل تلك اللقطة التأسيسية التي ثرثرت فيها شخصيات الفيلم لتشرح قصة قرش الميغ المملة والمليئة بهراء لا تتقبله إلا بسبب الحر الشديد خارج صالة السينما!

ككل أفلام القرش في حقبة ما بعد الفك المفترس، فإن القروش هنا أذكى من البشر لدرجة أنه لو وقع أحدها في فخ وتم اصطياده يأتي رفيقه القرش الآخر الذي لم يظهر طول الفيلم وينقذه في تلك اللحظة تحديداً ثم يختفي مجدداً! لا بأس، المشهد مسلٍّ إذا كان البديل هو حرّ أغسطس!

كل ما تتوقعه في هذا الفيلم يحدث، فعندما تلتقط شخصية صورة بجانب القرش بعد اصطياده مؤقتاً فإنك تعلم أن الجولة لم تنته وأنه لم يمت. و عندما تقول شخصية: لست مستعداً للموت بين أنياب قرش ما قبل التاريخ، فإنك تعلم أن القرش سيلتهم تلك الشخصية، ليس لأن الفيلم غبي بالضرورة لكن لأنه يتعمد إهانة ذكائك. ذا ميغ فيلم عن سمكة قرش ظلت قابعة في أعماق البحر لملايين السنين، لكن حتى هذه الفكرة الغريبة لا تشفع لضحالة النص.

يذكر أن في ذلك المشهد التائه يظهر كلب تملكه عروس صينية أقامت مراسم زفافها في قارب، يقفز الكلب في البحر ويسبح، فيظهر القرش أمامه، يرتعد الكلب خوفاً ويعود أدراجه ثم تنتهي اللقطة. آخر الفيلم يظهر الكلب مرة أخرى وقد هرب ونجا من القرش! وصفنا اللقطة لأنها تعتبر أم الكليشيهات منذ مشهد نجاة الكلب الشهير في فيلم يوم الاستقلال عام 1996، من يومها والكلاب تنجو دائماً في أفلام الكوارث!

لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.


المخرج جون تورتيلتوب يؤدي المطلوب منه هنا وهو صنع هراء للتسلية العامة.

هذا الفيلم معاد تدويره من بقايا أفلام قرش وأطلال أعمال روجر كورمان في سينما الوحوش إبان الخمسينات والستينات.