الأكثر تنويعاً في مشاهد «الأكشن»

«فول آوت».. أفضل أفلام «مهمة مستحيلة» على الإطلاق

صورة

بدخول القرن الـ21 برزت مرجعيتان لأفلام الأكشن: الأولى أسلوب المخرج الصيني جون وو، الذي لم يستمر طويلاً في هوليوود، ويعتمد أسلوبه على المبالغة الشديدة جداً في عرض الأكشن ومشاهِد الحركة البطيئة، والمستمد من السينما الصينية، والثانية أسلوب المخرج الإنجليزي بول غرينغراس المتكئ على الواقعية، مقارنة بالمرجعية الأولى، والمعتمد على اللقطات المهزوزة القريبة جداً من مركز الأكشن، والأسلوب هنا مستمد من خلفية المخرج في الأفلام التوثيقية.

المرجعية الأولى أفلست في بداية العقد الماضي، وتصادف أن فيلم مهمة مستحيلة 2 عام 2000، وهو من إخراج وو، كان الأسوأ ذلك العام. جاء غرينغراس عام 2004 وقدم أسلوبه وحقق نجاحاً مبهراً، واعتلى عرش سينما الأكشن طوال العقد الماضي بأفلام عدة، منها ثلاثية جيسون بورن الشهيرة. عام 2016 قدم الجزء الرابع، لكنه لم يحقق النجاح نفسه لأسباب كثيرة، لسنا بحاجة لذكرها هنا، لكن فلنقل إن مرجعيته فقدت بريقها وسط احتدام المنافسة.

المنافسة كانت من تشاد ستاهلسكي صاحب ثنائية «جون ويك» الرائعة التي ألبست سينما الأكشن حلة جديدة، وأيضاً من الأسترالي العجوز جورج ميلر العائد من الماضي بفيلمه المتجدد «ماد ماكس: طريق الغضب»، لكن مفاجأة العقد الجديد كانت من الأميركي كريستوفر مكواري الذي كان مجرد كاتب أفلام حاز عام 1996 جائزة أوسكار أفضل نص أصلي عن ذلك الفيلم الذي أثار انقساماً بين النقاد بعنوان The Usual Suspects

أو «المشتبهون الاعتياديون»، ثم تعاون مع توم كروز في أفلام عدة لم يكن أي منها مميزاً، باستثناء «مهمة مستحيلة: أمة مارقة» عام 2015، وهذا الفيلم

Mission: Impossible- Fallout.

ما فعله مكواري هو الجمع بين ثلاث أدوات: نص محكم (قد تكتشف فيه عيوباً لاحقاً، ولن يؤثر ذلك في استمتاعك بالفيلم)، ولقطات أكشن مبهرة مصممة وفق إيقاع ثابت، ونجم يعشق أدوار المجازفة حتى وهو بعمر الـ56 عاماً، بشكل لم يحدث في تاريخ السينما.

القصة بسيطة رغم تعقيداتها، مجموعة تسمي نفسها الرسل تأسست على أنقاض منظمة النقابة المنهارة في الفيلم الماضي، تريد خلق فوضى عالمية، هذا كل ما تحتاج لمعرفته. تؤمن تلك الجماعة بأن المعاناة البشرية تقود إلى السلام، لهذا السبب يجب إطلاق الألم. تعمل هذه الجماعة سراً مع جاسوس داخل فريق مهمة مستحيلة واسمه الحركي جون لارك، الذي تآمر مع الجماعة لحيازة أسلحة بلوتونيوم لصنع ثلاث قنابل قذرة.

إيثان هنت (توم كروز) يحاول استرجاع البلوتونيوم بينما يطارده شبح من الماضي على شكل سولومون لين (شون هاريس)، رئيس منظمة النقابة المنحلة (أحداث الفيلم السابق) والذي تركه هنت حياً. سولومون مطلوب في دول كثيرة لارتكابه أعمالاً إرهابية على أراضيها، إلا أن الحكومة البريطانية تريد استرجاعه لأنه عميل مخابرات سابق. سولومون بالطبع متحالف مع الرسل لتدمير العالم.

سلسلة مهمة مستحيلة حظيت بمجموعة من المخرجين المؤلفين Auteur، أولهم برايان دي بالما عام 1996 وكان خياراً مثالياً في التسعينات، وبسبب رفض دي بالما العودة إلى السلسلة لأنه كمبدأ يرفض إخراج أي جزء تالٍ لأيٍّ من أفلامه، اختير الصيني وو، لإخراج الجزء الثاني وهو الأسوأ.

تأخرت السلسلة ستة أعوام، وعادت عام 2006 تحت إدارة الصاعد آنذاك جي جي أبرامز، الذي أعاد لها الاعتبار، ثم تولى براد بيرد إخراج الجزء الرابع بعنوان «بروتوكول الشبح» عام 2011، والذي جاء ممهوراً بإحدى أروع لقطات الفيلم والأكثر رسوخاً في الأذهان وهي لقطة تسلق كروز برج خليفة الأيقوني بدبي، والركض عليه أفقياً ورأسياً.

دخل مكواري على خط السلسلة كاتباً ومخرجاً عام 2015، وأصبح «أمة مارقة» آنذاك هو الأفضل بسبب شراكة مكواري - كروز، التي أنتجت سينما أكشن فريدة من نوعها، اعتمدت على روح المجازفة التي يتمتع بها كروز وخيال مكواري الجامح والمبدع في صنع مشاهد الأكشن، وعاد مكواري مرة أخرى وللمرة الأولى في تاريخ السلسلة كذلك كاتباً ومخرجاً، ليصنع تاريخاً لهذه السينما ويحقق فيلماً مليئاً بأروع لقطات الأكشن الحابسة للأنفاس.

«فول آوت» - السادس في السلسلة - لا يضيع وقتاً في الشرح والتفسير والمونولوغات الطويلة، بل يبدأ سريعاً بشرح مبسط قبل أن يغمس المشاهد في السيناريو. مشاهد الأكشن متتالية تفصلها لقطات حوارية سريعة، وتتخلَّل تلك الحوارات مفاجآت صادمة (لو أغمضت عينيك قليلاً أو انشغلت بهاتفك الذكي فقد تفوتك معلومات مهمة).

يحوي الفيلم كما كل أفلام الأكشن الجميلة مثل «كابتن أميركا: حرب أهلية» كمثال حديث، و«داي هارد» الذي يعتبر نموذجاً للنص العميق، طبقتين من الصراعات: الأولى صراع الأخيار ضد الأشرار، والثانية صراع ضمن أعضاء الفريق الواحد، وأفضلها صراع هنت ضد إيلسا فوست (السويدية ريبيكا فيرغسون)، وتتداخل طبقتا الصراع مع بعضهما بعضاً بشكل رهيب طوال أحداث الفيلم.

بقية أعضاء الفريق مثل بينجي (سايمون بيغ)، ولوثر (فينغ ريمز)، وآلان هنلي (آليك بولدوين)، يؤدون أدوارهم المعتادة ويحظون بوقت أكثر على الشاشة من الأجزاء السابقة. أما الجدد فهم إريكا سلون (أنجيلا باسيت)، والأرملة البيضاء (فانيسا كيربي)، وأوغست ووكر (هنري كافيل)، والمتغيب هو ويليام براندت (جيريمي رينر).

يعطي الفيلم وقتاً لا بأس به لاستكشاف الجوانب الإنسانية في شخصياته وعلاقاتها ببعضها بعضاً. وهذا ما لم تفعله الأفلام السابقة أو ليس بعمق هذا الفيلم على الأقل. من نقاط قوة مكواري قدرته الرهيبة على تأسيس الشخصيات الشريرة، ولعلنا نذكر المرعب كايزر سوزيه في فيلم «المشتبهون الاعتياديون»، الذي كان وصفه دون مشاهدته كفيلاً بإحداث خوف لدى المشاهد.

في الجزء السابق كان الشرير سولومون مرعباً لدرجة رؤية الشرر يتطاير من عينيه، وهو يعود هنا في هذا الفيلم، لكن رغم أنه ليس بالقوة نفسها إلا أنه لايزال مرعباً حتى وهو في وضعية مثيرة للشفقة، وهذا ما يجعله أقوى شرير في هذه السلسلة.

«فول آوت» سيدخل التاريخ وسيضرب به المثل كأحد أسرع الأفلام إيقاعاً وأكثرها تنويعاً في مشاهد الأكشن. ومكواري سيدخل التاريخ كما فعل جيمس كاميرون؛ أي حتى من ناحية طلبه اختراع أدوات مساندة للكاميرا مخصصة لتصوير لقطات الأكشن في هذا الفيلم فقط، وقد لا تستخدم مرة أخرى.


لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.

مكواري جمع بين 3 أدوات: نص محكم، ولقطات أكشن مبهرة، ونجم يعشق أدوار المجازفة حتى وهو بعمر الـ56 عاماً.

كل ما تراه حدث أمام الكاميرا

«مهمة مستحيلة: فول آوت» هو أفضل فيلم في السلسلة وأفضل فيلم أكشن هذا العام، ومن أفضل أفلام العِقد. تَذكَّر وأنت تشاهده أن كل ما تراه حقيقي يحدث أمام الكاميرا، كروز في عمر 56 هو نفسه المتعلق بالمروحية، وهو الذي يقفز من طائرة شحن عسكرية طراز سي 17 (المشهد صُور في الإمارات)، وهو الذي يقفز من سطح بناية إلى أخرى في مشهد كسر فيه قدمه، وهو يقود السيارة والدراجة في المطاردات، وهو الذي قاد المروحية في المشهد الأخير، لا توجد مؤثرات خاصة كثيرة هنا، كل ما تشاهده حقيقي. هذا الفيلم مبهر ويستحق المشاهدة.