مشتت ومكرر وبلا قصة

«ماما ميا 2» ينجح في الغناء ويخفق بالترفيه

فيلم Mamma Mia: Here We Go Again، أو اختصاراً «ماما ميا 2»، لم يكن ضرورياً أبداً، والسبب الوحيد في وجوده أن فيلم ماما ميا الأصلي حقق 615 مليون دولار في شباك التذاكر العالمي، من ميزانية 52 مليوناً فقط.

- الفيلم تكرار للفيلم السابق دون أي تجديد يذكر.

- هذا ما يحدث عندما تكتب قصة فيلم، من أجل مجموعة أغانٍ ناجحة جداً، صنعت لتسمع وحققت مبيعات ضخمة منذ عقود عدة، ولم تكتب لتكون في فيلم عنها.


هل نلوم القصة المشتتة؟ لا نستطيع لأن الفيلم الأول كان بلا قصة، وهذا ما يحدث عندما تكتب قصة فيلم من أجل مجموعة أغانٍ ناجحة جداً، صنعت لتسمع وحققت مبيعات ضخمة منذ عقود عدة، ولم تكتب لتكون في فيلم عنها. «ماما ميا 2» تكرار للفيلم السابق دون أي تجديد يذكر.

الأغاني المقصودة هنا هي لفرقة ABBA السويدية الشهيرة، التي احتلت المراكز الأولى في كل أرجاء العالم في عقدي السبعينات والثمانينات، ولاتزال تتمتع بالشعبية الكبيرة نفسها على مر الأجيال إلى اليوم.

يبدأ الفيلم بذكر موت شخصية دونا (ميريل ستريب) دون توضيح الأسباب، وتظهر فقط في اللقطات الاسترجاعية (فلاش باك)، بتجسيدها وهي أصغر سناً، من خلال السندريلا البريطانية ليلي جيمس.

بسبب عدم وجود قصة أصلاً، يلجأ الكاتب والمخرج أوول باركر (أخرج ذا بيست إكزوتيك ماريغولد هوتيل الأول والثاني)، إلى تقسيم النص إلى جزأين: الأول عام 1979 ويتبع حياة دونا قبل أن ترتبط وتحبل بابنتها صوفي، وهذا الجزء يقدم شخصيات الجزء الأول نفسها، عندما كانوا أصغر سناً بممثلين شباب، والثاني يتبع صوفي (أماندا سايفريد) بعد خمس سنوات من أحداث الفيلم الأول، وهي تستعد لافتتاح مطعم أسسته والدتها على جزيرة يونانية، والتي توفيت منذ عام.

ينضم إلى صوفي زوج والدتها سام (بيرس بروسنان)، الذي عاش على الجزيرة منذ أن قرر الرجوع للارتباط بوالدتها، وينضم مدير المطعم فيرناندو (آندي غارسيا)، وبمجرد ذكر اسمه تنطلق أغنية فيرناندو الشهيرة لفرقة آبا، وصديقا والدها هاري (كولين فيرث) وبيل (السويدي سكيلان سكارسغارد)، وصديقتا والدتها تانيا (كريستين برانسكي)، وروزي (جولي وولترز)، وجدتها روبي (المغنية الأميركية الشهيرة شير).

من مشكلات الفيلم أنه معتمد على أنجح أغاني فرقة آبا، التي استخدمت في الجزء الأول وتكررت هنا، آبا فرقة لديها عدد كبير جداً من الأغاني، التي تبث على كل إذاعات العالم، لأنها كلها تعتبر روائع كلاسيكية، وتحمل ذكريات سعيدة للكثير من البشر.

لذا، من يشاهد هذا الفيلم سيسمع مجموعة كبيرة من تلك الأغاني، بالإضافة إلى أخرى غير معروفة إلا لعشاق تلك الفرقة من الذين استمعوا إلى كل ألبوم غنائي طرحته على حدة، ولم يكتفوا بمجموعات الأغاني الأفضل فقط. أيضاً هناك أغنيتان لم يتضمنها الجزء الأول هما ووتر لوو، وفيرناندو.

«ماما ميا»، وحتى العنوان اسم أغنية للفرقة، بدأت كمسرحية غنائية تجول حول العالم لتغني تلك الأغاني لعشاق آبا، خصوصاً على مسارح بريطانيا وبرودواي في نيويورك لأشهر عدة، قبل أن تتحول إلى السينما.

أما «ماما ميا 2»، فهو عمل سينمائي خالص يتبع الفيلم الأول وليس مقتبساً من المسرحية الغنائية، ويضم معظم ممثلي الجزء الأول، باستثناء ستريب التي تظهر في النهاية فقط على شكل طيف. ليس عملاً شيكسبيرياً، لكن ما الذي نتوقعه عندما يكون هدف الفيلم الوحيد تقديم فيديو غنائي طويل جداً، مدته ساعتان من أغاني آبا بأصوات ممثلين سينمائيين، بعضهم لا يستطيع الغناء مثل بيرس بروسنان.

طبعاً ليس هناك خلل في كل هذا، عدا أن الفيلم يعيد ويكرر تفاصيل شاهدناها سابقاً. هناك شعور غريب قد يساور المشاهد أثناء العرض، هو أن سماع تلك الأغاني في الإذاعات وأحياناً محال بيع الموسيقى وكذلك محال بيع الملابس، ثم في الفيلم، يعطي شعوراً بأن العمل يأخذنا إلى البئر نفسها، التي قد تكون جفت بالنسبة للبعض مثل كاتب هذه السطور.

بالنسبة لبقية الأغاني، فإن «فيرناندو» هي الأفضل لأنها بصوت شير الفريدة من نوعها صوتاً وأداء. هذا الفيلم يصلح لعشاق فرقة آبا، بالإضافة إلى ربات البيوت اللاتي عايشن الحقبة الذهبية للفرقة السويدية.

ورغم كل ما يبذله الممثلون من جهد وطاقة في الرقص، ومشاعر صادقة تعكس درجة استمتاعهم ببعضهم بعضاً بوجودهم معاً في هذا الفيلم، فإن كل هذا يعجز عن تغطية قصور النص المتمثل في حقيقتين: الأولى: مهما اجتهد الطاقم التمثيلي فإن ذلك لا يسعف الفيلم ولا يقدمه قيد أنملة، ويبقى بلا قصة لأن الأغاني مهما كانت رائعة فهي لن تكون أبداً أداة لسرد قصة.

الثانية: الفيلم ينتهي عند الدقيقة 90، لكن المخرج يتورط بعد ذلك ويبدأ في استعراض أغاني آبا واحدة تلو الأخرى، حتى تحشو الساعة الثانية كاملة، ما قد يتسبب في ضجر بعض المشاهدين من الذين ينتظرون ساعة الفرج، للخروج من الصالة والعودة إلى الحياة الواقعية.

هل هذا يعني أن الفيلم ممل؟ ليس بالضرورة لكنه خاوٍ وأقل ترفيهاً من المتوقع بشكل لافت ومكرر بصورة يائسة. بكلمات أخرى، فيلم لم تكن له أي ضرورة. أما الحملة التسويقية للفيلم فقد استخدمت جملة: «ماما ميا 2» يأتيكم بعد 10 أعوام من الجزء الأول. وهي توحي بأن طول المدة الزمنية بين الفيلمين دلالة على أن الثاني صنع بعناية وأخذ وقتاً كافياً في التخطيط والتنفيذ، وتالياً سيكون بجودة عالية، وهي جملة خادعة لأن الفيلم عكس ذلك.

الذين أعجبهم الفيلم الأول لن يروا هذا بالمستوى نفسه، أما الذين لم يعجبهم الفيلم الأول، فننصحهم بتجنب هذا الجزء حتى لا يصابوا «بانهيار عصبي»، جراء المشاهد الشديدة الابتذال، أو تلك الراقصة التي تذكر بمشاهد الأغاني في السينما الهندية في العقود الماضية، أو حتى لأن المشاهد منهم قد يفاجأ بتفاعل الجمهور من حوله وغنائهم مع الفيلم كما يحدث في صالات أوروبا وأميركا. وأما الذين لم يشاهدوا «ماما ميا» أو أفلاماً استعراضية من قبل، فننصحهم بالابتعاد والبحث عن فيلم يرضي ذائقتهم.