فاز بـ «أوسكار أفضل فيلم» لعام 2017

«شكل الماء» يتمرّد.. وينقلب على أفلام المخلوقات الغريبة

صورة

تميّز هذا العقد ببزوغ سينما جديدة في هوليوود، تُسمى هناك سينما مكسيكية مهاجرة، ونسميها نحن سينما مهجنة، حيث إن الفكرة والتنفيذ من الجانب المكسيكي، والتمثيل والتمويل من الجانب الأميركي. هذه السينما نافست بشدة على أرفع الجوائز منذ العقد الماضي. كانت المرة الأولى لفيلم Babel عام 2006 للمكسيكي أليخاندرو غونزاليس إيناريتو، الذي ترشح كأفضل فيلم، ثم Gravity «جاذبية أرضية» للمكسيكي ألفونسو كوارون الحائز جوائز عدة، وترشح في خانة أفضل فيلم لعام 2013، تبعه بشكل مباشر فيلم Birdman لإيناريتو عام 2014، وفاز بأوسكار أفضل فيلم.

عام 2015 جاء فيلم الويسترنThe Revenant لإيناريتو أيضاً، وترشح في خانة أفضل فيلم، (لافت جداً انتقال إيناريتو من المنافسة في خانة أفضل فيلم أجنبي عام 2000، حين مثل موطنه المكسيك إلى المنافسة على جائزة أفضل فيلم أميركي مرة العقد الماضي ومرتين هذا العقد) واليوم نشاهدThe Shape of Water أو«شكل الماء» للمكسيكي غويليرمو ديل تورو الفائز بجائزة أوسكار أفضل فيلم لعام 2017.

واقعية سحرية

يضع الفيلم أحداثه في عام 1962، وكما فيلم ديل تورو الأسبق Pan’s Labyrinth عام 2006 فإن «شكل الماء» يمزج السياسة (الحرب الباردة وسباق التسلح بين أميركا والاتحاد السوفييتي) بالخيال الغرائبي، أو كما يُسمى في الأدب الواقعية السحرية أو العجائبية.

للعدل.. ليس متفقاً عليه

رغم أن «شكل الماء» فاز بـ«أوسكار أفضل فيلم»، وقبله بالجائزة الكبرى في مهرجان فينيسيا السينمائي، إلا أن الفيلم ليس متفقاً عليه في الصحافة الفنية، ليكون الحكم عادلاً، هو تحفة من ناحية الديكور والأداء والفنيات، لكن كقصة وأحداث ليس تحفة بقدر ما هو مثير جداً للاهتمام بسبب طريقة ديل تورو في عرض الأفكار بعد أن ينقلب عليها. يذكر أن الفيلم يحمل جانب تحدي الشخصيات الرئيسة لقرار الحكومة الأميركية، حيث تتعاون الشخصيات (إلايزا وغيلز وزيلدا) لمساعدة المخلوق على الهروب والعودة إلى موطنه، وهو موضوع ستيفن سبيلبيرغ في فيلم ET الكلاسيكي عام 1982.


للإطلاع على الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.



• هوكنز لا تشبه نجمات السينما، بل هي مثل أي امرأة عادية في الشارع، لكن علاقة القلب بالقلب هي الأهم، وهو مثل مغزى قصة «الجميلة والوحش» الشهيرة.

• 1962 العام الذي تدور فيه أحداث الفيلم.

الأبطال الثلاثة في الفيلم ينتمون إلى أقليات، البطلة إلايزا (سالي هوكنز - في أفضل دور أدته على الإطلاق) امرأة بكماء من أصول لاتينية عاملة نظافة في مختبر حكومي سري، مع زميلتها من أصول إفريقية زيلدا (أوكتافيا سبنسر). وهناك غيلز (ريتشارد جنكنز) رجل غير سوي يعيش مع إلايزا في مسكنها لأنه غير مقبول اجتماعياً بمعايير المجتمع الأميركي المحافظ في الستينات.

في الجهة المقابلة، لدينا شرير الفيلم ريتشارد ستريكلاند (الرائع مايكل شانون) ضابط استخبارات محافظ وصارم وعنصري، بهذه الشخصيات ديل تورو رسم صورة دقيقة لشكل المجتمع الأميركي آنذاك قبل دخول المخلوق إلى المعادلة.

يبدأ الفيلم بتصوير الروتين اليومي لشخصيته الرئيسة التي تسكن فوق دار سينما. في يوم ما يأتي ستريكلاند مع د. هوفستيتلر (مايكل ستولبارغ) ومعهما وعاء ضخم مملوء بالماء بداخله شيء متحرك. ينتاب إلايزا الفضول بخصوص الشيء المتحرك الذي يتبين أنه مخلوق برمائي (دوغ جونز) مقيد داخل الوعاء. تتسلل إليه وتعطيه بيضة، فتتولد بينهما علاقة صداقة تتطور في ما بعد إلى رومانسية.

تعلّم إلايزا المخلوق لغة الإشارة التي تستخدمها للتواصل طوال الفيلم، وعندما تأتي تعليمات لستريكلاند بتشريح المخلوق تطلب إلايزا من غيلز مساعدتها لتهريب المخلوق من المختبر.

رومانسية معاكسة

الجانب الرومانسي من الفيلم معاكس أو منقلب على مفاهيم وقيم العلاقات الرومانسية التقليدية، إلايزا والمخلوق غير ناطقين، ويتواصلان بلغة الإشارة، وكلاهما يعاني فراغاً رهيباً في محيطه. لا نعرف عنه سوى أنه كان في غابات الأمازون حيث كان مُهاباً من السكان هناك.

قصة إلايزا كذلك يشوبها الغموض، فلا نعلم شيئاً عن ماضيها سوى أنها نشأت في دار أيتام بعد أن تعرّضت لمحاولة قتل تسببت في قطع حبالها الصوتية. المظهر الخارجي غير مهم عند ديل تورو، وهوكنز لا تشبه نجمات السينما، بل هي مثل أي امرأة عادية في الشارع، لكن علاقة القلب بالقلب هي الأهم، وهو مثل مغزى قصة الجميلة والوحش الشهيرة.

استثناء ديل تورو أن إلايزا غير جذابة لا شكلاً ولا فِكراً، والمخلوق ليس أميراً تحت تأثير لعنة سحر كما في «الجميلة والوحش»، والعلاقة بينهما حب وليست فزعاً من أول نظرة، هو انقلاب ديل تورو الثاني على مفاهيم وقيم قصص أفلام الساحرات.

في كل علاقة حب في الحقيقة أو في الأفلام، المرأة تؤنسن الرجل، لكن في هذا الفيلم المخلوق يجعل إلايزا تشعر بأنها إنسانة، وهو الانقلاب الثالث.

ديل تورو يستلهم مباشرة من الفيلم الشهير Creature From the Black Lagoon عام 1954، حيث إن مخلوق «شكل الماء» لا يختلف كثيراً عن نظيره هناك، كذلك يستلهم بشكل مباشر من فيلم جيمس ويل الشهير Bride of Frankenstein أو «عروس فرانكنستاين» عام 1935، عندما تفوه بوريس كارلوف كلمات: «وحيد: تعيس، صديق: جيد».

أو ما معناه أن المخلوق الغريب غير مشيطن، وهو مثل الإنسان كيان اجتماعي لا يطيق العزلة والوحدة، وهذه فكرة أساسية في فيلم ديل تورو الذي يحمل أفكاراً كثيرة ذات طابع سياسي وفلسفي، ليست هذه المساحة المناسبة لمناقشتها أو حتى التطرق إليها تجنباً لكشف تفاصيل ربما تحمل مفاجآت يودّ القارئ استكشافها بنفسه.

استعارة

ديل تورو ليست لديه أفكار أصلية في الفيلم، لكنه يستعير أفكاراً تأثر بها في طفولته وانقلب عليها أو وضعها خارج قالبها المعروف، مثل جعل المخلوق بطل القصة وليس شريرها وهو الانقلاب الرابع. هناك مفاجأة في المشهد الأخير لن نكشفها، لكن سنكتفي بالقول: إنها انقلاب ديل تورو بالكامل على معادلة وقيم ومفاهيم أفلام الوحوش أو المخلوقات الغريبة التي انطلقت وازدهرت من الثلاثينات حتى الخمسينات من القرن الماضي، وهو خامس انقلاب، أو هي ردة فعل المخرج على أفلام شاهدها في طفولته. يتمتع الفيلم بأداءين قويين على طرفي نقيض، الأول أداء هوكنز الاستثنائي الذي استحوذ على كل عواطفنا، رغم أنه صامت (هوكنز شاهدت أفلاماً صامتة لشارلي شابلن أثناء تحضيرها للدور)، والثاني أداء مرعب من شانون خرج عن سيطرة ديل تورو لسببين: الأول أن شانون يخطف اللقطات من هوكنز عندما يشترك معها من شدة قوة أدائه، والثاني أن قوة أداء شانون في مشاهده لوحده تفقد الفيلم توازنه وينسى المشاهد قصة الحب بين إلايزا والمخلوق.