يستلهم عناصر من سينما ألفريد هيتشكوك

«فانتوم ثريد».. دانيال داي لويس يعتزل في القمة

صورة

تميز صانع الأفلام الأميركي، بول توماس أندرسون، وبطله دانيال داي لويس، بسمةٍ مشتركة، وهي أن كل واحد منهما يصنع أو يشارك في فيلم مرة واحدة كل أربع أو خمس سنوات، إلا أن أندرسون كسر هذه القاعدة بثلاثة أفلام في هذا العقد.

لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.


ليته يتراجع عن القرار

قرار اعتزال داي لويس جاء بعد مسيرة حافلة بأفلام قوية، لم يوضح الرجل سبب الاعتزال الذي يتمنى كل عاشق للسينما أن يتراجع داي لويس عنه، لكن الممثل صاحب الـ60 عاماً صرح بأن قرار الاعتزال راوده أثناء تمثيل «فانتوم ثريد» إثر حالة حزن تملكته، ولا يعلم هو شخصياً لماذا هذا الفيلم تحديداً.

وقال أيضاً إنه لا يرغب في مشاهدة الفيلم أثناء وجوده في الصالات. يذكر أن دانيال داي لويس يؤدي أول شخصية بريطانية في لندن منذ 30 عاماً، وكان آخر فيلم له بشخصية بريطانية هو «ستارز آند بارز» عام 1988.

3

جوائز أوسكار حازها، داي لويس، وهو مرشح أيضاً عن هذا الدور للجائزة.

أندرسون يعتبر مخرجاً مؤلفاً من ناحية كتابة السيناريو، وكذلك وضع بصمته الخاصة على الفيلم. في فيلم Phantom Thread «خيط وهمي» يستلهم أندرسون بوضوح من سينما ألفريد هيتشكوك، ويضع شخصية كتبها في السابق لفيلم Punch Drunk Love عام 2002، لكن يجعلها هنا بسمات مختلفة.

يبدأ فيلم «فانتوم ثريد» ببطاقة عليها عنوانه، مصحوبة بموسيقى، ثم ينتقل إلى اللقطة التأسيسية لوجه فتاة تجلس على كرسي، وتنير نار المدفأة وجهها، تقول الفتاة: «رينولدز حقق أحلامي»، وتنظر إلى شخص لا نراه، ثم تأتي المشاهد التالية لتجعل جملتها صعبة التصديق.

يدخل الفيلم إلى عالم رينولدز وودكوك (النجم الإنجليزي، دانيال داي لويس، في ثاني تعاون له مع أندرسون، وآخر دور له قبل إعلانه الاعتزال)، مصمم الأزياء بلندن في أول خمسينات القرن الماضي، يدقق في التفاصيل بشكل كبير، وموهوب لدرجة أن إحدى معجباته قالت له إنها لو ماتت ستتمنى أن تدفن في الثوب الذي صممه لها.

رينولدز يقول لشقيقته سيريل (ليزلي مانفيل)، التي يدير معها دار الأزياء المملوكة لهما، إنه يفتقد والدتهما كثيراً ويراها في أحلامه. على طاولة الطعام نرى رينولدز منهمكاً في التصميم، وعندما تحدثه فتاة يبدو أنها عشيقته يوبخها قائلاً: «لا أستطيع بدء يومي بمواجهة كلامية». سيريل امرأة قوية وتعلم أن رينولدز يكره مقاطعته، وتعمل على إزالة كل ما قد يقطع عليه تركيزه.

يذهب رينولدز في يوم ما لتناول الإفطار في فندق، حيث تأتيه نادلة غير بارعة، تتعثر في المشي وتسقط الأشياء من يدها، تأخذ طلبه الطويل قبل أن يقرر رينولدز أخذ ورقة الطلب منها مختبراً قدرتها على حفظه في ذاكرتها، تنجح النادلة، وتسمى ألما (اللوكسومبورغية فيكي كرايبز)، ويدعوها رينولدز لمواعدته، ويخبرها أنه تعلّم التصميم من والدته، وأنه صمم وصنع لها فستان زفافها من زوجها الثاني.

قصة حب مشوهة

تنتقل ألما للعيش معه، حيث يعاملها رينولدز كفتاة يتسلى معها، أو ربما هي عارضة أزيائه المفضلة، إذ لم يُخفِ إعجابه بشكل جسدها (تسمع ألما ذلك على لسان شقيقته)، أو ربما هي تمثال عرض الأزياء الخاص به، من الصعب تمييز كيف يرى رينولدز ألما في مشهد تصميم الملابس على جسدها.

رينولدز منطوٍ على نفسه، روتيني جداً، ويكره المفاجآت؛ بل ويعتبر أي مفاجأة بمثابة كمين، وأيضاً غير واضح لو كان شغوفاً أو مهووساً بتصميم الأزياء، وعلى ما يبدو أن أندرسون تعمّد رسم خيط رفيع بين الحالتين. التناقض بين رؤية ألما لدورها في حياته، ومزاج رينولدز هو الذي يدفع القصة، وينقلها من طور إلى آخر. رينولدز لا يرى فيها سوى امرأة أخرى، لكنها تجبره على تغيير نظرته، ولو كان ذلك بإظهار الجانب المظلم من شخصيتها. الصراع ليس محصوراً بين رينولدز وألما، بل أيضاً يمتد إلى علاقة الأخيرة بسيريل. الساعة الثانية من الفيلم تحوي قصة حب مشوهة لا تعكس أبداً مشاعر شخصيتيها بوضوح.

أسلوب التعاطي بين رينولدز وألما ليس بسيطاً، ويشوبه التململ من طرف الأول، وسيريل دائماً حاضرة في الصورة لتبعد ألما التي بدورها كلما اقتربت من رينولدز تتآكل علاقته بشقيقته. المعركة تستمر إلى النهاية، ولا يبدو أن أحداً سيخرج فائزاً منها.

أداء قوي

مثل كل الأفلام المعتمدة على سلوك الشخصيات؛ فإن الفيلم يتميز بقوة أداء ممثليه الثلاثة، أفضلهم بالطبع الشخصية الرئيسة التي يتقمصها داي لويس بشكل لا يُعلى عليه (داي لويس حائز ثلاث جوائز أوسكار، وهو مرشح أيضاً عن هذا الدور).

داي لويس يقدم شخصية بها مزيج عجيب من المزاجية الحادة والفطنة الشديدة، والحرمان العاطفي والموهبة العالية والانضباط الصارم، وشيء من ضعف طفولي.

مانفيل دورها صامت تقريباً، ومعتمدة على قوة تعابيرها الوجهية، خصوصاً البرود الذي يشع من عينيها، ودورها يشبه دور الممثلة جوديث أندرسون في شخصية دانفرز المهيمنة في فيلم «ريبيكا» لألفريد هيتشكوك عام 1940. التشابه مقصود لأن أندرسون يشير إلى ذلك الفيلم حتى من خلال اسم ألما، وهو اسم زوجة هيتشكوك.

كرايبز متحفظة في الدور، وتظهر أليفة وبلا عزيمة، لكن مع تقدم أحداث الفيلم تطور جانباً مظلماً يخالف توقعاتنا الأولية عن بساطتها وسذاجتها. أندرسون كما هي عادته - يطهو على نار هادئة - أي يترك الفيلم يتقدم بتمهل من دون أي عجلة، أو فلنقل إن تقدم الفيلم مرتبط بقرارات الشخصيات، أي إنه بحاجة إلى صبر المشاهد.

أقوى مشهد في الفيلم نرى فيه رينولدز يهلوس نتيجة إصابته بحمى، ويرى شبح والدته أمامه في الغرفة، ويقول: «هل أنتِ دائماً هنا، أشتاق إليك كثيراً». المشهد يستمد قوته من عنوان الفيلم على ما يبدو، إذ إن خيال والدته مثل سراب يتراءى له، وما كان علاقة مجسدة في الماضي أصبح اليوم خيطاً من الوهم.

ثاني أقوى مشهد يجمع رينولدز وألما على طاولة طعام، إذ تقول له: «أريد أن أراك مريضاً وأنا أعتني بك»، ثم نراه كذلك (سنتجنب شرح سبب تعبه) وهي تعتني به، ألما هنا أخذت دور الأم التي يفتقد رينولدز وجودها في حياته، وهنا تتجلى قوة المشهد.

أندرسون صاحب أفلام (بوغي نايتس، وماغنوليا وPunch Drunk Love والرائع There Will Be Blood)، من أكثر صناع الأفلام المتميزين بأعمال أصلية، وقد كتب وأخرج، وللمرة الأولى صوّر هذا العمل الأصلي أيضاً بنفسه. للعلم أن المخرج الأميركي، ستيفن سودربيرغ، يصور كل أفلامه بنفسه لكن باسم مستعار.

الموسيقى، من تأليف جوني غرينوود، مسموعة في خلفية كل المشاهد تقريباً من دون توقف، على شكل مقطوعات بيانو، في إشارة واضحة إلى أفلام ميلودراما الأربعينات والخمسينات.

تويتر