<![CDATA[]]>
<

الفيلم تميز بتصوير جميل وإخراج رائع

غاري أولدمان يتألق ويقدم أداء العمر في «أحلك ساعة»

صورة

صدفة جميلة هذا العام أن يتنافس فيلمان عن الموضوع نفسه في موسم الجوائز الذي انطلق بـ«غولدن غلوب» منذ أيام عدة، وسيمر بـ«بافتا» البريطانية الشهر المقبل قبل أن يختتم بـ«أوسكار» آخر فبراير المقبل، وهي الأرفع سينمائياً.


لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.

• أداء أولدمان يكاد يضع شخصية تاريخية بلحمها ودمها على الشاشة بعد أكثر من 50 عاماً على وفاتها.

• لقطات مرسومة بالكاميرا

رايت معروف بلقطاته الطويلة وزواياه المبتكرة، وهو نقيض أسلوب أفلام الأكشن ذات المونتاج السريع. هناك لقطات عدة جريئة لرايت تستغرق أكثر من دقيقة، مفضلاً رسم اللقطة كاملة بالكاميرا دون مونتاج. ونقول إنه جريء لأنها غالباً تجريبية، وتتطلب حرفية عالية جداً حتى تخرج بالصورة المطلوبة، نراها أحياناً في أفلام المخرج الأميركي برايان دي بالما، وكذلك ريتشارد لينكليتر الذي استخدمها كثيراً في ثلاثية أفلام «بيفور» الشهيرة.

من ناحية أخرى، هي صدفة غريبة أن تطل علينا أربعة أفلام عن الحرب العالمية الثانية في سنة واحدة: الأول Their Finest محسوب على العام 2016، لكنه عرض تجارياً في أبريل الماضي، والثاني كان «تشرشل» من بطولة برايان كوكس، الذي عرض في مايو الماضي وكان رديئاً نصاً، ومميزاً أداء.

الثالث في الصيف، وهو رائعة كريستوفر نولان «دانكيرك»، وكان تحفة سينمائية بكل المعايير، والرابع هو Darkest Hour أو «أحلك ساعة» الذي نشاهده اليوم، والذي حاز عنه النجم البريطاني غاري أولدمان جائزة أفضل ممثل في دور دراما في حفل «غولدن غلوب»، ومن المتوقع جداً أن يختطف الجائزة نفسها في «بافتا» و«أوسكار».

درس سينمائي

فيلم «أحلك ساعة» الذي كتبه آنثوني مكارتين يبدأ بلقطة استعراضية جداً، ربما هي الأكثر استعراضية في هذا العمل، وتبدأ من سقف مجلس العموم البريطاني، وتهبط إلى أن تصل إلى المتحدث من جانبه الأيسر، لقطة من المؤكد أن مخرج الفيلم الإنجليزي جو رايت سهر الليالي لتخطيطها، لقطة من النادر مشاهدتها في أفلام الدراما المماثلة، لقطة تستحق أن تكون درساً لمن يهين فن السينما بلقطات الأسلوب التلفازي الرتيب.

الزعيم الألماني أدولف هتلر غزا تشيكوسلوفاكيا وبولندا وفرنسا والدنمارك والنرويج وبلجيكا وحاصر القوات الإنجليزية في دانكيرك الفرنسية، ومجلس العموم منقسم على نفسه بسبب سياسة الدبلوماسية والتهدئة التي اتبعها رئيس الوزراء البريطاني نيفيل تشمبرلين (رونالد بيكاب).

يطالب حزب العمال باستقالة تشمبرلين، يوافق الأخير مقابل تعيين إدوارد وود (لورد هاليفاكس) وزير الخارجية مكانه، يرفض هاليفاكس المنصب، وعندها لا يجد تشمبرلين خياراً سوى تعيين الرجل الوحيد الذي توافقت عليه بقية الأحزاب، وهو ونستون تشرشل (أولدمان).

تشرشل صعب المراس يوبخ سكرتيرته إليزابيث ليتون (السندريلا ليلي جيمس) بسبب عدم اتباع تعليماته بحذافيرها، وعندما تعلم زوجته كليمنتاين (كريستين سكوت توماس) بالأمر توبخه، وتذكره بأن عليه أن يكون لطيفاً مع الآخرين، خصوصاً في هذا المنصب الحساس.

يركز الفيلم على حياة تشرشل من يوم التاسع من مايو حتى الرابع من يونيو عام 1940، إذ نراه يصارع أعضاء مجلس العموم للترويج لسياسته التي تدعو إلى مقاومة الهجوم الألماني الكاسح على الجبهة الشرقية، بينما يميل كثيرون منهم إلى سياسة تشمبرلين القائمة على التهدئة، ويلوحون بتصويت حجب الثقة عن تشرشل كي يتولى لورد هاليفاكس رئاسة الوزراء، ويتفاوض مع هتلر عن طريق وساطة السفير الإيطالي.

تضيق الحال على تشرشل عندما تنهال عليه الضغوط لمسايرة هتلر بدل مواجهته، حتى إن الملك جورج السادس بدا متفقاً مع وجهة نظر التهدئة، إلى أن أقنعة تشرشل بالحرب. يطلب تشرشل المساعدة من الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت، إلا أن الأخير يخذله بسبب سياسة عدم التدخل التي تبنتها الولايات المتحدة آنذاك.

مقارنة

قد تكون المقارنة مجنونة، وتثير جدلاً، لكن لا يوجد فيلم يستحق أن يقارن مع «أحلك ساعة» سوى «دانكيرك»، مع مراعاة الفروق بينهما. أولاً: الفيلمان يناقشان الموضوع نفسه بالضبط، وهو إجلاء الجنود الإنجليز من دانكيرك. وثانياً: الفيلمان محسوبان على الصنف السينمائي نفسه وهو الحرب العالمية الثانية. وثالثا: الفيلمان عن معركة «دانكيرك» في ميدان القتال، بينما هذا الفيلم عن معركة سياسية في مجلس العموم.

الفروقات هي أن «دانكيرك» فيلم أكشن حربي، بينما «أحلك ساعة» فيلم دراما وسيرة ذاتية ودراسة سلوك شخصية.. الأول يصور المعركة بينما الثاني يذكرها في الحوارات وتظهر في لقطة واحدة فقط.. «دانكيرك» يغلّب المشاعر على المنطق ويتجاهل التاريخ والسياق السياسي للأحداث إلى حد كبير، بينما فيلمنا يركز على المشاعر والتاريخ والسياسة. «دانكيرك» كان فيلماً صامتاً في مجمله، بينما «أحلك ساعة» فيلم ناطق بأكمله.

من الناحية الفنية، الفيلمان يتنافسان بشراسة في التصوير والإخراج، نولان يفتح عدسته بشكل كامل، ويرسم أروع اللقطات من البر والجو والبحر في «دانكيرك» مستغلاً الطبيعة كعامل تصوير خارجي، وهنا رايت لا يتكاسل سينمائياً كما فعل آرون سوركين في «لعبة مولي»، بل يبرز عضلاته الإخراجية، رغم أن التصوير داخلي، ويبدأ بلقطة يتحدى فيها ضيق المكان، ولا يكتفي بذلك بل يبهرنا بالدخول بالكاميرا إلى أضيق الأماكن ليرسم لنا لقطات جميلة وغريبة.

هناك لقطة رهيبة من داخل الآلة الكاتبة تصوّر أصابع سكرتيرة تشرتشل وهي تكتب تعليماته، تذكّر كثيراً بتلك اللقطة الشهيرة لقلم رصاص مدبب يكتب على ورقة (عدسة الكاميرا) في الفيلم الإسباني الشهير All about my mother الحائز جائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي لعام 1999. ولقطة أخرى غاية في الروعة من داخل يد طفل مغلقاً أصابعه، ويستخدم يده كمنظار يراقب من خلالها طائرة في السماء.

اختفاء داخل الشخصية

غاري أولدمان يقدم أفضل أداء في حياته المهنية، أولدمان يختفي بالكامل داخل شخصية تشرشل كما اختفت ميريل ستريب داخل شخصية مارغريت تاتشر في «السيدة الحديدية»، وكما اختفى الفائز الآخر مع أولدمان في «غولدن غلوب» جيمس فرانكو داخل شخصية تومي ويزو في فيلم «الفنان الكارثة». وعندما نقول اختفى يعني أن المشاهد ينسى وجود الممثل تماماً، وينظر إلى الشخصية التي أمامه كأنها الحقيقية. على عكس هؤلاء لم تتمكن جيسيكا تشاستين من الاختفاء داخل شخصية مولي في فيلم «لعبة مولي».

هناك مشهد قد يراه البعض مبتذلاً لتشرشل في قطار الأنفاق يتبادل الحديث مع مجموعة من المواطنين البريطانيين عن موقفه من الحرب والذي يؤيده هؤلاء، ما يجعل تشرشل يذهب إلى مجلس العموم ويبلغهم أن الشعب مع الحرب وليس المهادنة. المشهد غالباً خيالي صنعه رايت ليعكس شخصية تشرشل كمواطن بريطاني، وليس كسياسي، لكن ما يلطفه هو أداء أولدمان الذي يستحق كل جائزة يمكن أن ينالها.

رايت يقدم نسخة من تشرشل أغنى من تلك التي في كتب التاريخ، وبنقله الأحداث التاريخية بدقة فإنه يتجنب هفوات فيلم «تشرشل» رغم أن توقيت قصتي الفيلمين يختلف (ذلك الفيلم أحداثه عند نهاية الحرب). بالطبع «أحلك ساعة» هو الفيلم الأفضل، وسيستمتع به طلاب التاريخ ورواد صالات السينما على حد سواء، بسبب أداء أولدمان الاستثنائي الذي يكاد يضع شخصية تاريخية بلحمها ودمها على الشاشة بعد أكثر من 50 عاماً على وفاتها.