المشكلة تواجه الممثلين الأميركيين دون الممثلات

الممثلون البريطانيون يســـتعمرون السينما الأميركية

صورة

في عام 2015، صرح النجم الأميركي مايكل دوغلاس، لإحدى المجلات: «في هذه المرحلة أعتقد أن لدينا أزمة تتعلق بالممثلين الأميركيين الشباب»، وقبله اشتكى صانع الأفلام الأميركي من أصول إفريقية، سبايك لي، من الغزو البريطاني للممثلين الإنجليز من أصول إفريقية للسينما الأميركية، قائلاً: «هوليوود تريد ممثلين موهوبين، والتدريب الذي يتلقاه الممثلون البريطانيون في بلادهم جيد جداً، بينما نظراؤهم الأميركيون لا يحصلون عليه».

شخصيات أميركية

http://media.emaratalyoum.com/images/polopoly-inline-images/2016/11/556564.jpg

أصبحنا نشاهد ممثلين بريطانيين يجسدون شخصيات أميركية المولد والمنشأ 100%، أندرو لينكون، ديفيد موريسي، وليني جيمس في «ذا ووكينغ ديد»، هيو دانسي في «هانيبال»، تشارلي كوكس في «دير ديفيل»، فريدي هايمور وأوليفيا كوك في «بيتس موتيل»، ديميان لويس وروبرت فرند في «هوملاند»، إيدي مارسان في «راي دونوفان»، دومينيك ويست وروث ويلسون في «ذا أفير»، هيو لوري في «هاوس»، وكولين فاريل في «ترو ديتيكتيف»، وكلهم يتحدثون بلهجة أميركية متقنة.


الممثلون البريطانيون، اليوم، برعوا بشدة في إتقان اللهجة الأميركية، وأصبحوا يخطفون أدوار البطولة من نظرائهم الأميركيين.

التوجه إلى مدرسة تمثيل لا يصنع بالضرورة ممثلاً ناجحاً، البريطانيون أرسلوا ممثليهم إلى مدارس تمثيل، لسبب منطقي هو أن أداء مسرحيات شكسبير يتطلب من الممثل تعلم الكثير من التقنيات.


http://media.emaratalyoum.com/images/polopoly-inline-images/2016/11/556196.jpg

http://media.emaratalyoum.com/images/polopoly-inline-images/2016/11/556251.jpg

ريكمان وأيرنز في قائمة أفضل الشخصيات الشريرة في القرن الماضي.

تصريحات دوغلاس ولي في محلها، ونلمسها نحن هنا عندما نذهب لمشاهدة الأفلام الأميركية، فنرى ممثلين بريطانيين وإيرلنديين وويلزيين وأسكتلنديين وأستراليين ونيوزلنديين وكنديين في أدوار البطولة. الظاهرة ربما وصلت لذروتها العام الماضي في فيلم الدكيو - دراما «سيلما»، الذي أسند أدوار د.مارتن لوثر كينغ، كوريتا سكوت كينغ، الحاكم جورج والاس، والرئيس لندون جونسون لممثلين بريطانيين.

بالنسبة للجماهير، فإنه أصبحت معتادة رؤية دانيال داي لويس، كريستيان بيل، راسل كرو، ناومي واتس، نيكول كيدمان، هيو جاكمان، ليام نيسن، كليف أوين، يتقمصون شخصيات أميركية على الشاشة الفضية. والآن بدأ هؤلاء المسرحيون في الأصل يغزون شاشات التلفاز الأميركية.

هناك حقيقة لا يمكن إنكارها هي أن ممثلي اليوم غير الأميركيين، بغض النظر عن جنسياتهم، يستطيعون إتقان اللهجة الأميركية بسهولة أكثر من الجيل السابق والذي قبله في المهنة. على سبيل المثال لهجة الممثل لورانس أوليفيير (يعتبر من أفضل المقلدين في السينما) في فيلم «ذا بيتسي» عام 1978 غير متقنة تماماً في دور رجل أعمال من منطقة وسط الغرب الأميركي. في عهد أوليفيير كان دور الممثل الإنجليزي في فيلم أميركي هو إضافة لمسة راقية إلى دراما الحقب الزمنية. وفي بداية حقبة الأفلام الناطقة كان معظم الممثلين متأثرين بالمسرح، ويؤدون أدوارهم بأسلوب مسرحي طغت عليه اللهجة البريطانية. ذلك الجيل من الممثلين، والذي بعده، كانوا مقتنعين بإبقاء لهجاتهم في الأفلام الأميركية، وكان الاستثناء الوحيد عندما يمثلون أدوار ألمان نازيين، وبالتالي لم يكن عليهم أساساً إتقان اللهجة الأميركية.

كل ذلك تغير اليوم، فالممثلون البريطانيون اليوم برعوا بشدة في إتقان اللهجة الأميركية، وأصبحوا يخطفون أدوار البطولة من نظرائهم الأميركيين، إلى درجة أن الجمهور يظن أن تيم روث ممثل أميركي، رغم كونه بريطانياً. نوعية التدريب التي تحدث عنها سبايك لي لم تعد جاذبة بالنسبة للممثلين الأميركيين، كما كانت أيام الراحل مارلون براندو، والتي انتقلت للجيل التالي أمثال روبرت دينيرو وألباتشينو.

الأداء الارتجالي، وذلك المعتمد على «إعادة إحياء الذاكرة الشعورية» - وهو يعني أن يعيد الممثل إحياء شعور تجربة حدثت له في الماضي، لإخراج شعور مشابه للذي تمر به شخصيته في العمل الفني - في استوديوهات خاصة بالممثلين المحترفين، أو تلك المدارس المتخصصة في تعليم التمثيل، لم يعد طريقاً مجدياً للفت الأنظار بالنسبة للممثلين الأميركيين. ومعظم ممثلي الجيل الحالي ظهروا أمام الكاميرا منذ أن كانوا أطفالاً، واكتسبوا الخبرة من خلال تمثيل أدوار صغيرة في الإعلانات التجارية، ثم المسلسلات التلفازية، ثم ينتقل المحظوظون منهم والموهوبون فوق العادة إلى السينما.

ليوناردو ديكابريو أصبح ممثلاً بهذه الطريقة، وكذلك جوزيف غوردون ليفيت، جينيفر لورانس، ريز ويذرسبون، كيري راسل، ميشيل ويليامز، إيما ستون، مايكل بي جوردان. وكل الممثلين الأميركيين الشباب المولودين في السبعينات والثمانينات والتسعينات مشوا على المنهاج نفسه.

اكتساب الخبرة بتلك الطريقة، كما فعل الممثلون المذكورون آنفاً، هي الطريقة نفسها التي أنتجت الممثلين في أول أيام السينما، في الحقيقة كان هناك ممثلون بريطانيون بارعون، لم يستطيعوا خطف الأضواء من نظرائهم غير المتعلمين من الأميركيين، أبرز مثال لدينا ليزلي هاوارد وبيتي ديفيس، في فيلم «أوف هيومان بونديج».

التوجه إلى مدرسة تمثيل لا يصنع بالضرورة ممثلاً ناجحاً، البريطانيون أرسلوا ممثليهم إلى مدارس تمثيل، لسبب منطقي هو أن أداء مسرحيات شكسبير يتطلب من الممثل تعلم الكثير من التقنيات، وتخريج ممثلين شكسبيريين هو هدف الثقافة المسرحية البريطانية. والثقافة الأميركية تركز أكثر على صناعة النجوم، أي أنها معنية بإيجاد أشخاص يؤدون أنفسهم دون تصنع أو تقليد آخرين على الشاشة، وكل ما عدا ذلك حتى لو كان شكسبير نفسه يعتبر شيئاً مخادعاً في تلك الثقافة.

الممثلون الشباب الطموحون في أميركا سيصلون إلى مرادهم بطريقة أو بأخرى، وسيكونون جاهزين عندما تصلهم الأدوار المعقدة والجيدة، والسبب أننا نعيش في العصر الذهبي للدراما التلفزيونية الأميركية. والتلفاز اليوم أفضل بكثير مما كان عليه أيام الثمانينات والتسعينات، وهؤلاء الممثلون والممثلات سيصقلون خبرتهم أكثر من خلال هذا الوسط، خصوصاً أن المسلسل الواحد لو كتب جيداً تصل فترة عرضه لسبع سنوات، وهي فترة أكثر من كافية لاكتساب أي ممثل الخبرة المطلوبة.

بالنسبة للممثلين البريطانيين هناك دائماً المسرح وشكسبير، وتشيخوف، وإبسن، وستريندبيرغ، وأوزبورن وستوبارد، مادام المسرح موجوداً فهناك فرص تمثيل. وليس الأمر كذلك للأميركيين الشباب الذين لا يجدون الفرص والحوافز نفسها في تلك السن. بالنظر إلى بيئة صناعة الأفلام الخصبة في السبعينات، دينيرو وألباتشينو وجين هاكمان وجيف بريجيز، لم يحتاجوا المسرح لإشباع رغباتهم كفنانين. مهنة التمثيل ليست كالرسم والكتابة، وهي مهن يستطيع الشخص أن يؤديها على انفراد دون أي دعم على الأقل في المراحل الأولية. لكن التمثيل مهنة بحاجة إلى تعاون وعمل جماعي.

الثقافة الأميركية مقصرة جداً بحق ممثليها في هذا الاتجاه، خصوصاً في هذه الحقبة حيث ينظر كل ممثل لنفسه فقط، ويفكر وحده في طرق يلفت بها النظر إلى موهبته، من خلال أدوار تفرضها ثقافته، مثل أدوار رجال الشرطة أو الأبطال الخارقين أو الكوميديا الرومانسية أو حتى الأفلام المستقلة.

الطريف في الأمر أن تلك المشكلة لا تنطبق على الممثلات الأميركيات (تصبح مشكلة عند بلوغهن سن الـ50)، بعض الممثلات الشابات المعروفات اليوم لم يحصلن على أدوار الانطلاقة بعد، فمثلاً كريستين ستيوارت ظهرت في العديد من الأعمال الرديئة لتحصل على هذا المقدار من الشهرة. والسبب أيضا يعود إلى أن الأدوار المكتوبة للنساء غالباً أفضل من كل الأدوار المكتوبة للممثلين الرجال. ففي كل مسلسل تلفزيوني تقريباً هناك صبي وفتاة «ماد من» و«هوملاند» و«ذا أميريكانز»، دائماً نجد أن قصة الفتاة أقوى وأعمق من قصة الصبي، والسبب بسيط أن الفتاة تمثل بطريقة أفضل، فالطبيعة الإنسانية للمرأة تلعب دوراً جوهرياً هنا، خصوصاً أنها تنضج أسرع من الرجل.

جانب آخر مهم في هذا الموضوع هو تردد أو رفض الممثل الأميركي الشاب تمثيل دور الشخصية الشريرة، وإقبال نظيره البريطاني على ذلك. تاريخياً منذ أداء مارلون براندو دور ستانلي كوالسكي في A street car named Desire عام 1951، وروبرت دينيرو في دور جيك لاموتا في الثور الهائج 1980، كانت هناك نزعة لا بأس بها بين الممثلين الأميركيين في تقمص الشخصيات الشريرة ـ لكن ذلك شهد خفوتاً في السنوات التالية إلى اليوم، حيث من النادر أن نجد ممثلاً أميركياً قوياً يبدأ حياته المهنية بدور ممثل شرير، لكن توجد هناك بعض الاستثناءات مثل بين فوستر في «3:10 تو يوما». ومعظم الممثلين الأميركيين اليوم يؤمنون بأنه يجب عليهم أداء شخصيات صالحة أو بطولات قبل تقمص شخصية الشرير.

وهذا يعتبر خطأ استراتيجياً في حياة أي ممثل، لأن الشخصية الشريرة هي دائماً الأهم، هي التحدي وإثبات النفس في مهنة التمثيل، بل هي التي ترسخ في الأذهان أكثر من أي شخصية أخرى. الطريف في الأمر أن مواطنين بريطانيين مثلا دورَيْ اثنتين من أشهر الشخصيات الشريرة في القرن الـ20: الأول الممثل الإنجليزي الراحل ألين ريكمان في دور هانز غروبر الأيقوني في فيلم «داي هارد» عام 1988، والذي دخل قائمة أفضل 100 شخصية شريرة القرن الماضي، ومواطنه الممثل جريمي آيرنز في دور سايمن غروبر شقيق هانز في الجزء الثالث من السلسلة عام 1995. يذكر أن ريكمان وأيرنز مثلا الشخصيتين أمام البطل نفسه (بروس ويليس)، والمخرج نفسه (جون مكتيرنان)، واللافت هنا أن مكتيرنان صرح في مقابلة آخر التسعينات بأنه لم يتدخل قط في أداء الممثلين وتركهما وشأنهما يؤديان الشخصيتين حسب رؤيتهما. والنتيجة أن الشخصيتين خلدتا في الذاكرة السينمائية، في قائمة أفضل الشخصيات الشريرة في القرن الماضي، دون غيرهما من الشخصيات الشريرة التي ظهرت في بقية أجزاء السلسلة.

هناك أمر طريف في السينما، هو أن معظم أشهر الشخصيات الشريرة أو المعقدة لها مشهد مونولوج أمام مرآة، أو تنظر إلى نفسها في مرآة ثم تحطمها، ربما أشهر مثال على ذلك شخصية ترافيس بيكل (روبرت دينيرو) في «تاكسي درايفر» 1976. ثم في «الثور الهائج» للممثل نفسه.

المرآة حضرت أمام الأداء الاستثنائي للممثل الأميركي تشاننغ تيتم، في دور مصارع أولمبي في فيلم «فوكس كاتشر» 2014، ذي القدرات التعبيرية المحدودة عندما حطمها برأسه، تعبيراً عن غضبه، وكانت المرة الأولى في حياة هذا الممثل الذي أعطى فيها دوراً رسخ في الأذهان.

جيك ييلنهيله لديه مشهد أفضل من تيتم في رائعة دان غيلروي «نايت كرولر» 2014، ييلنهيله في دور شاب محتال يدعى لويس بلوم، يترك حياة اللصوصية إلى حياة الطبقة الكادحة في وظيفة مصور نشرات أخبار متجول، متخصص في قصص العنف وجرائم القتل. بعد أن يسبقه طاقم تصوير منافس إلى موقع حادث، يذهب بلوم إلى الحمام وينظر لنفسه في المرآة قبل أن يطلق غضبه بالصراخ، ثم يهز المرآة قبل تحطيمها.

المشهد هنا أكثر رعباً من مشهد تيتم، لقدرة ييلنهيله على إبراز تعابير وجهه الذي ظهر مخيفاً، بسبب بروز عينيه وعظامه نتيجة حالة النحافة التي وصل إليها الممثل من أجل تأدية هذا الدور. ييلنهيله هنا كان يشبه الوحش إلى حد كبير، والفضل في قدرة الممثل على لعب هذا الدور يعود لفيلمه الذي سبق هذا وهو «نهاية المناوبة» عام 2012، والذي كان دوره فيه ارتجالياً إلى حد بعيد، ما ساعد في منحه القدرة على تنويع الشخصيات بين عامي 2012 و2014.

قبل نايت كرولر، ظهر ييلنهيله في رائعة دينيس فينلوف «إينيمي» أو عدو، حيث مثل دور شخصيتين متطابقتين كالتوأم: الأول شرير، والثاني ممثل كومبارس. في «إينيمي» هناك مشهد مرآة كذلك، لكن لا تتحطم بل يستخدمها ممثل الكومبارس في الفيلم كأداة مساعدة، وفي الوقت نفسه لاختبار نفسه قبل مواجهة توأمه.

للإطلاع على الموضوع كاملا يرجى الضغط على هذا الرابط.

 

في نايت كرولر، بلوم يتحدث كممثل حفظ ما يريد قوله من الكتب ومواقع الإنترنت ويقوله بإقناع وتأثير كبيرين، ومثل هذا النوع من الأدوار - يسمى كذلك دور الوحش - يندر أن تجد ممثلاً أميركياً شاباً اليوم يجرؤ على تجسيده بهذا الأسلوب، في نفس الوقت يندر أن تجد ممثلاً بريطانياً لا يتردد في قبوله.

طباعة