بصمات إماراتية في «دبي السينمائي»
شعور بالفخر والفرح ينتاب من تابع تطوّر الحركة السينمائية الإماراتية، منذ مهرجان صغير كان يطلق عليه «أفلام من الإمارات»، الذي كان يقام في المجمع الثقافي بالعاصمة أبوظبي، وبعده مهرجان دبي السينمائي، التي انطلقت معه التجارب الإماراتية إلى منحى مختلف له علاقة بمفهوم الصناعة التي تطوّرت مع تطوّر الحراك السينمائي، الذي كان موزعاً بين ثلاثة مهرجات في الدولة، بقي بينهم «دبي السينمائي»، الذي تألق هذا العام بنوعية الأفلام التي تم برمجتها وعرضها للجمهور، وشعور بالفرح مع كمية الأفلام الإماراتية المنافسة في هذه الدورة، بين روائية طويلة وقصيرة وتسجيلية، ناهيك عن الأفلام العربية التي أسهمت الدولة في إنتاجها، عبر (إنجازوصندوق سند)، فهذه الدورة حملت بصمة إماراتية كانت حديث الضيوف في أروقة المهرجان المكتظة من جميع جنسيات العالم.
«زنزانة»، «عبدالله»، «ساير الجنة»، و«بلال».. عناوين لأفلام روائية طويلة، «في سيرة الماء والنخل والأهل» فيلم تسجيلي، والأفلام القصيرة: «رائحة الخبز»، «بشكارة»، «بسطة»، «إلى بيتنا مع التحية»، و«أمنية».. كل تلك الأفلام من إخراج إماراتي. أما الأفلام التي أسهمت الإمارات في إنتاجها، سواء من خلال (إنجاز أو سند) وغيرهما، فهي كثيرة، مثل الفلسطيني «3000 ليلة»، والتونسي «شبابيك الجنة»، و«على حلة عيني»، واللبناني «روحي»، والسوري «كلايد سكوب».
فالفيلم الروائي الطويل «عبدالله» للمخرج حميد السويدي، في تجربته الأولى، ومن بطولة محمد أحمد ومنصور الفيلي وألاء شاكر، يحكي قصة غير سائدة وغير متوقعة، حتى إن القصة تفوّقت وغطت على عيوب تكنيكية لها علاقة بتجربة أولى للمخرج، مع سيناريو وحوار من كتابة المخرج نفسه، حيث تدور الأحداث حول شاب إماراتي يعشق الموسيقى والبيانو تحديداً، تنتابه تلك الهواجس بين تربيته المحافظة ومفهوم الموسيقى والتعاطي معه، تعيش مع عبدالله كل اللحظات التي تتصارع من خلالها القرارات النابعة من مشاعر مختلطة، مشاعر مرتبطة بين السائد والذي قرر تجاوز هذا السائد، فبلغة الموسيقى وأنغامها تتقرب إلى عبدالله أكثر، وتفهم كل هواجسه وأحلامه.
الفيلم الذي من المتوقع أن يتم عرضه قريباً في دور السينما المحلية، يقدم قصة جميلة تم تأديتها عبر ممثلين مقنعين في أدائهم، فمحمد أحمد، الذي أدى شخصية عبدالله، أكد أنه اضطر إلى أن يتعلم الموسيقى والعزف على البيانو، كي يستطيع إقناع المشاهدين بما يقدمه.
في المقابل، ثمة وثيقة تاريخية، من غير مبالغة، يمكن أن تصبح مرجعاً في تاريخ الدولة، قدمها الكاتب الإماراتي ناصر الظاهري، من خلال فيلمه الأول التسجيلي «في سيرة الماء والنخل والأهل»، الذي يظهر فيه الظاهري، يعود إلى الحي الذي ولد فيه في مدينة العين، يبدأ الظاهري بطريقة سرده التي تشبه كل القصص التي يكتبها، يحكي علاقته مع المكان منذ كان طفلاً، هذه العلاقة تنتقل إلى ثلاثة محاور رئيسة في الفيلم، لخصها في الماء الذي كان قوت معظم الإماراتيين، حيث الصيد، وبعدها النخل وعلاقته بمدينة العين تحديداً، التي كانت تشتهر به وبزراعة القمح، وليس انتهاءً بالأهل، من ناحية تعداد أسماء الجيران بعائلاتهم، وأماكن سكنهم، ومدى قرب منازلهم إلى منزل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.
هذا الفيلم تحديداً، الذي يتمتع بلهجة إماراتية قديمة فيها من الكلمات التي قد تكون صعبة الفهم على كثيرين، تفوّق برؤيته البصرية، من خلال الوجوه التي كانت حاضرة، والتي كانت تسرد قصة وطن وتطوّره، مع ملاحظات الناصري الحاضرة، وغصته التي تظهر عليه في مشاهد كثيرة.
أما بالنسبة للأفلام القصيرة، ففيلم مثل «رائحة الخبز» للمخرجة منال بن عمرو، تناول قصة فتاة صماء، تتعرض للاغتصاب. الفيلم من بطولة أشجان، غانم ناصر، خالد ذياب، مريم سلطان، وسمية الداهش، تدور أحداثه في منزل قديم، تعيش فيه تلك الفتاة الصماء بين عائلة كبيرة فيها الأب والأم والجد والجدة، والصهر والأخوة.
الذكاء في الفيلم أنه يجعلك تشك في الجميع.. رب البيت متسلط ومتعجرف، يمارس ما يحلو له من أمور قد تكون مرفوضة اجتماعياً، لكن حجته أنه يمارسها في منزله، أما خارج حدود ذلك المنزل فهو ذو الصيت الطيب، على عكس شقيقه الذي يشرب الخمر ويتلصص على نساء الحي من كل صنف ولون، حتى إن آخر ضحاياه خادمة في منزل الجيران، وشخصية الرجل الثالث هو الصهر الذي ينتظر الولد بعد عدد من البنات، لكن الأكثر خطراً من كل هذا هو قرار العائلة الضمني بالتستر على الأمر، وعدم البحث عن هوية الفاعل، لينتهي الفيلم بلقطة شاملة على حياة عادية يومية تمارسها العائلة، مع وجه الفتاة الصماء التي لا صوت لها لتصرخ وتطالب بحقها. الفيلم جميل ومصنوع بشكل جيد، وطريقة إدارة المخرجة للممثلين كانت ملفتة وحرفية.